; اتفاق شرم الشيخ.. وما زال مسلسل تنازلات السلطة مستمرًا | مجلة المجتمع

العنوان اتفاق شرم الشيخ.. وما زال مسلسل تنازلات السلطة مستمرًا

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

مشاهدات 49

نشر في العدد 1367

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

  • ألغى الانسحاب من المحمية الطبيعية ومد الفترة الانتقالية أربعة أشهر وجزأ الحل النهائي على مرحلتين
  • الاتفاق نجح في إخراج الأمريكان من اللعبة واستفراد الصهاينة بالفلسطينيين في أي مفاوضات مقبلة

مرة أخرى نجح مفاوضو العدو الصهيوني في إرغام مفاوضي السلطة الفلسطينية على إعادة صياغة اتفاق «واي ريفر» الذي تم توقيعه بين الجانبين في 23 أكتوبر الماضي، وأثبت الجنرال الإرهابي باراك أنه ليس أقل شراسة من غريمه السابق نتنياهو في الدفاع عن «الثوابت» "الإسرائيلية"، كما أثبت مفاوضو السلطة أن وظيفتهم - كما هي العادة - لم تزد على «البصم» على ما يريده الطرف "الإسرائيلي".

 فبعد مفاوضات استمرت حوالي شهرين، وقع الجانبان مساء السبت الخامس من سبتمبر اتفاق «واي 2» أو ما سمي بمذكرة شرم الشيخ نسبة إلى المنتجع المصري الذي تم توقيع الاتفاق فيه برعاية أمريكية - مصرية – أردنية.

وقد انطلت لعبة باراك على السلطة عندما هددها بالعودة إلى تنفيذ اتفاق واي ريفر بحذافيره إذا لم توافق على شروطه بإعادة صياغة الاتفاق من جديد، وهكذا اعتقدت السلطة أن الاتفاق المعدل سيكون أفضل بالنسبة لها من الأول وإلا لما هددها باراك بالعودة إليه.

 وقد نجحت مذكرة شرم الشيخ في إخراج الأمريكان من اللعبة مع أنهم لم يكونوا في لحظة من لحظات الاتفاق إلى جانب الفلسطينيين، وهو المطلب الذي أصر باراك عليه ولا يزال حيث دأب في كل تصريحاته ومباحثاته مع الأمريكان على ضرورة تخلي الإدارة الأمريكية عن لعب دور الوسيط بين الحكومة "الإسرائيلية" وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، ومن شأن خروج الأمريكان من لعبة التفاوض استفراد "الإسرائيليين" بمفاوضي السلطة وإرغامهم على تقديم تنازلات في قضايا تم الاتفاق عليها في واي ريفر، وهو ما كان بالنسبة لأعداد المعتقلين الذين ينوي "الإسرائيليون" الإفراج عنهم، حيث إن الاتفاق المعدل نص على إطلاق سراح 350 معتقلًا أمنيًا فقط على الرغم من أن الاتفاق الأصلي نص على إطلاق سراح 750 معتقلًا فلسطينيًا على ثلاث دفعات، وقد أطلقت سلطات الاحتلال الصهيوني سراح 250 فلسطينيًا في نوفمبر العام الماضي منهم 100 من السجناء الجنائيين والباقي معتقلون أمنيون معظمهم من حركة فتح، الفصيل الرئيس في السلطة الفلسطينية.

وسجل باراك نصرًا جديدًا بتمديد المرحلة الانتقالية أربعة أشهر أخرى، حيث كان مقررًا وحسب كتاب «الضمانات الأمريكية» لرئيس السلطة أن تنتهي مفاوضات الوضع النهائي في مايو 2000م، لكن الاتفاق المعدل مددها حتى سبتمبر 2000م وهي فترة كافية لإتاحة الفرصة أمام "الإسرائيليين" لابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية في الضفة، وكافية أيضًا لتغيير حقائق جغرافية وديموجرافية في منطقة القدس المحتلة.

كما نجح باراك في تجزئة الحل النهائي إلى مرحلتين: الأولى التوصل إلى إطار عام أو إعلان مبادئ في شهر يناير القادم، والثانية وهي الاتفاق النهائي بعد سنة من الآن، وبهذه الصيغة فإن الحل النهائي للقضية الفلسطينية والذي سيشتمل على تسوية أخطر وأهم ثلاث قضايا: وضع القدس، واللاجئين الفلسطينيين، والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة سيكون قد أنجز في موعد أقصاه شهر سبتمبر من العام القادم ما لم تحدث خلال هذه الفترة تطورات دراماتيكية سواء في الجانب الفلسطيني أو "الإسرائيلي" يمكن أن تقلب طاولة المفاوضات على أصحابها وتعيد الأمور إلى المربع الأول الذي بدأ منه الغزل بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الصهيونية، وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة بهذا الصدد. 

ما الجديد في اتفاق، «واي 2»؟

وفقًا للمصادر "الإسرائيلية" التي أوردت نصوص الاتفاق الجديد «المصادر الفلسطينية لم تأتِ على ذكر تفاصيل الاتفاق المعدل» فإن الفوارق الرئيسة بين مذكرة واي ريفر ومذكرة شرم الشيخ يمكن إجمالها فيما يلي:

أولًا: واي ريفر حدد مدة 12 أسبوعًا لتنفيذ جميع الالتزامات "الإسرائيلية" مقابل تنفيذ السلطة لالتزاماتها المحددة ضمن نفس الفترة، أما شرم الشيخ فقد حدد المدة بـ 18 أسبوعًا تبدأ من 5 سبتمبر «تاريخ التوقيع» وتنتهي في 20 يناير 2000م.

ثانيًا: بموجب اتفاق واي ريفر سيتم إطلاق سراح 750 معتقلًا من غير المتهمين بقتل "إسرائيليين" ومن تنظيمات مؤيدة لاتفاق أوسلو أي ليسوا من حماس أو الجهاد الإسلامي، وفقًا للاتفاق الأصلي كان يجب إطلاق سراحهم على ثلاث دفعات، وأصر نتنياهو على أن هذا الرقم يشمل أيضًا سجناء جنائيين فلسطينيين، وعلى الرغم من ذلك فإن الاتفاق على إطلاق سراح هذا الرقم من الأسرى الفلسطينيين لم يكن منصوصًا عليه في الاتفاق، بل كان مجرد التزام شفهي أمام الرئيس الأمريكي دون تحديد هوياتهم.

أما مذكرة شرم الشيخ فتنص على إطلاق سراح 350 معتقلًا أمنيًا ارتكبوا «مخالفاتهم» قبل 13 سبتمبر 1993م وهو تاريخ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم في واشنطن، ولا يشمل هذا الرقم معتقلي حركة حماس والجهاد الإسلامي حتى لو لم يقتلوا "إسرائيليين"، كما لا يشمل معتقلي التنظيمات الأخرى الذين تلطخت أيديهم بدماء یهود، والغريب في الاتفاق الجديد أيضًا أنه استثنى من الحرية أيضًا المعتقلين الفلسطينيين من أهالي القدس الشرقية أو من مناطق فلسطين المحتلة عام 1948م «باعتبارهم رعايا "إسرائيليين"»!

 ثالثًا: نص اتفاق واي ريفر على إعادة انتشار قوات الاحتلال الصهيوني في نسبة 23,1% من مساحة الضفة الغربية، 5% منها تم تسليمها للسلطة الفلسطينية في منطقة جنين شمال الضفة الغربية من قبل حكومة نتنياهو، أما الباقي فكان من المفترض أن يتم تنفيذه على ثلاث مراحل، حيث كان جزء منها سينقل إلى السيطرة الفلسطينية الكلية «مناطق أ»، أو الجزئية «منطقة ب»، كما تشمل تلك النسبة 3% أصرت حكومة نتنياهو السابقة على تخصيصها كمحمية طبيعية في منطقة جنوب الضفة الغربية ولا يسمح للفلسطينيين بالبناء فيها.

أما في شرم الشيخ فقد اتفق الطرفان على تجزئة مرحلتي إعادة الانتشار الأخيرتين اللتين لم يلتزم نتنياهو بتنفيذهما حسب الاتفاق الأخير، حيث سيتم تنفيذ الانسحاب من المساحة المتبقية وهي 18% على ثلاث مراحل مع زيادة المرحلة الزمنية الفاصلة بينهما، وقد ألغي الاتفاق الجديد الانسحاب "الإسرائيلي" من المحمية الطبيعية جنوب الخليل ونقلت مساحتها «3%» إلى مناطق أخرى من الضفة.

رابعًا: تضمن اتفاق واي ريفر تعهدًا عامًا بأن تبدأ مباحثات الوضع النهائي مباشرة بعد توقيع ذلك الاتفاق أي في 24 أكتوبر 1998م لتنتهي في 4 مايو 1999م وهو موعد انتهاء المرحلة الانتقالية «خمس سنوات بدأت من تاريخ توقيع اتفاق أوسلو 2 في القاهرة في مايو  1994م».

أما اتفاق شرم الشيخ فستبدأ مفاوضات الوضع النهائي فورًا من تاريخ التوقيع وحتى 15 فبراير عام 2000م حيث سيتم الاتفاق خلالها على إطار حول التسوية النهائية، كما نص الاتفاق الجديد على التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل حول قضايا الوضع النهائي خلال عام أي حتى شهر سبتمبر عام 2000م.

خامسًا: نص اتفاق واي ريفر على فتح «ممرين آمنين» لربط الضفة الغربية بغزة، الأول جنوبي ويربط الخليل مع غزة خلال أسبوع واحد من توقيع الاتفاق، والثاني شمالي بين رام الله وغزة غير محدد التاريخ ولكن يتم الاتفاق عليه بين الجانبين في وقت لاحق. 

وحسب اتفاق شرم الشيخ سيفتح الممر الجنوبي لحركة الأشخاص والسيارات والشاحنات في الأول من أكتوبر القادم بعد أن يتوصل الطرفان إلى بروتوكول خاص لتشغيل الممرين قبل نهاية الشهر الحالي، أما الممر الشمالي فسيتم تشغيله خلال خمسة أشهر بعد الاتفاق على تحديد نقطة العبور وغيرها من

القضايا الفنية الأخرى.

سادسًا: وفقًا لاتفاق واي ريفر يبدأ العمل في إنشاء ميناء غزة بعد شهرين يتم خلالهما التفاوض حول الترتيبات الأمنية لتشغيل الميناء.

ونصت مذكرة شرم الشيخ على أن يبدأ الجانب الفلسطيني في أعمال بناء الميناء البحري في الأول من الشهر القادم، وعلى ألا يتم تشغيل الميناء قبل الاتفاق على البروتوكول المشترك الخاص بميناء غزة وخصوصًا الجوانب الأمنية. 

أخطاء المفاوضين الفلسطينيين

 بعيدًا عن الموقف المبدئي ضد التنازلات التي قدمها الطرف الفلسطيني "للإسرائيليين" في الاتفاقات المتعاقبة التي أفرزها الصلف وعقلية الغطرسة الصهيونية التي كانت في كل مرة تنقض ما تعهدت به في المرة التي قبلها، فقد ارتكب المفاوض الفلسطيني أخطاءً قاتلة «بافتراض حسن النية فيه» عندما وافق على إعادة التفاوض على اتفاق واي ريفر وعلى ما تمت الموافقة عليه بين الطرفين هناك، وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه السلطة عندما سمحت لنفسها بالتفاوض ثانية على اتفاق الخليل، وللعلم فإن بعض بنود اتفاق الخليل الثاني الذي وقعه نتنياهو في بداية حكمه لم ينفذ حتى الآن. 

وقد يبرهن ذلك على أن منهج التنازلات المستمرة هو ديدن المفاوض الفلسطيني والسلطة الفلسطينية التي لا هم لها سوى المحافظة على ذاتها على حساب مصلحة شعبها وحقوقه المشروعة، وهو يعكس أيضًا الحسابات الخاطئة من البداية بل الحسابات «الخائنة» التي دخلت منظمة التحرير الفلسطينية مفاوضات أوسلو السرية بموجبها، وكانت النتيجة أن "الإسرائيليين" يحققون في كل اتفاق جديد مع الفلسطينيين مزيدًا من المكاسب والتنازلات من الطرف الفلسطيني.

 في مذكرة شرم الشيخ بدا موضوع الخلاف على عدد الأسرى الذين ينبغي إطلاق سراحهم وكأنه هو جوهر المشكلة بين الطرفين وكأنهما اتفقا على كل المشكلات العالقة ولم تبق إلا مسألة مطالبة الفلسطينيين بإطلاق سراح 40 معتقلًا آخر!! وقد ضخمت أجهزة الإعلام "الإسرائيلية" هذه القضية وألقت باللوم على كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات باعتباره الذي يقف حجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاق، وهو ما استدعى من رئيس السلطة استبداله حسب الروايات "الإسرائيلية" بالدكتور نبيل شعث من أجل توقيع الاتفاق مهما كان الثمن!

 والذي يعلم كيف تفكر السلطة يدرك أن هذه السلطة التي تلقي بأكثر من 300 معتقل فلسطيني من حماس والجهاد في سجونها بدون تهمة وبدون محاكمة ومنهم من لا يزال قابعًا في السجن لأكثر من ثلاث سنوات، لا يمكن أن تكون حريصة لا على 40 معتقلًا ولا على ثلاثة آلاف! 

المشكلة الحقيقية التي كانت تعيق المفاوضات الأخيرة تمثلت في إصرار حكومة باراك على التوصل إلى اتفاق مبدئي أسموه «إطارًا» للتسوية الدائمة تطمئن «إسرائيل» بموجبها إلى موافقة الطرف الفلسطيني على ضم الأراضي المقامة عليها المستوطنات في الضفة والقطاع إلى الكيان الصهيوني وتطمئن كذلك إلى أن قضايا القدس واللاجئين ستسير بالطريقة التي رسمتها الحكومة "الإسرائيلية"، ولهذا السبب كان إصرار باراك على إبعاد الأمريكان عن أي دور في قضايا الوضع النهائي، وفي جولتها الأخيرة في المنطقة أعلنت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية أن على الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" حل قضايا الوضع النهائي بينهما مما يعني موافقة أمريكية على الطلب "الإسرائيلي".

وقد صرح باراك بعد توقيع مذكرة شرم الشيخ بأنه حصل من الاتفاق على ما كان يريد وهو دمج المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار في الضفة بمفاوضات الوضع النهائي! فإذا ما أبدى الفلسطينيون «تعتنًا» ما في مفاوضات الوضع النهائي ولم يرضخوا للمطالب "الإسرائيلية"، يمكن لباراك عندها أن يعفي نفسه من التزامات المرحلة الأخيرة من الانسحاب ويستخدم ذلك ورقة ضاغطة على الفلسطينيين كي يقبلوا بالحل "الإسرائيلي" لقضايا الوضع النهائي.

ومقابل ذلك اكتفى المسؤولون الفلسطينيون بالتمني بألا يحتاجوا مستقبلًا إلى اتفاق آخر لتنفيذ اتفاق شرم الشيخ!

ووفقًا لاتفاق واي ريفر يتعهد الطرفان بعدم إحداث أي تغيير في الضفة الغربية وقطاع غزة وهو ما نصت عليه جميع الاتفاقات الأخرى الموقعة بين الجانبين وأهمها اتفاق أوسلو نفسه، إلا أن الحكومة الصهيونية ومنذ عام 1993م وحتى اليوم لم تلتزم بهذا التعهد الكتابي، حيث لم تتوقف منذ ذلك التاريخ عن مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع لأغراض إقامة مستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها أو شق طرق التفافية، كما أنها لم تتوقف عن هدم البيوت الفلسطينية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وخصوصًا في القدس المحتلة، والغريب أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قدموا تعهدات للجانب الفلسطيني بمنع "إسرائيل" من الاستمرار في هذه المخالفات القانونية!

استثناءات المعتقلين تؤجج الشارع الفلسطيني

 أدى استثناء المعتقلين التابعين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي من الرقم الذي سيطلق سراحه «على قلته» وكذلك المعتقلين من القدس الشرقية إلى اندلاع مظاهرات مختلفة تندد باتفاق شرم الشيخ، فقد خرجت مظاهرات غاضبة في القدس والخليل وبيت لحم، وقال رئيس جمعية الأسير الفلسطيني في بيت لحم: «إن هذا الاتفاق ليس الذي نريد»، وسجل اعتراضه على استثناء المعتقلين من منطقة القدس ومن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وأضاف أن الطرف الفلسطيني قدم تنازلات أمام الضغوط "الإسرائيلية" واعتبر أن ذلك سيؤدي إلى ردة فعل قوية ضد الاتفاق في السجون وخارجها على حد سواء.

وكانت حركة حماس وعلى لسان زعيمها الروحي الشيخ أحمد ياسين حاسمة في موقفها الرافض للاتفاق الجديد، وقال الشيخ المجاهد: «كفى تراجعًا وكفى سيرًا في مسلسل التنازلات أمام الضغط "الإسرائيلي" الأمريكي الذي يعمل من أجل الأمن "الإسرائيلي"»، وأعلن الشيخ ياسين أن حماس لن تشارك في مفاوضات الحل النهائي لأنها مفاوضات مبنية على اتفاق أوسلو و"إسرائيل" غير مستعدة للتنازل عن شيء. 

ووصف بعض المحللين اتفاق شرم الشيخ بأنه انتصار "لإسرائيل"، وأن الإرهابي باراك زرع قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة وذلك بسبب التعديلات التي أدخلها باراك على اتفاق واي، ويذكر أن باراك كان معارضًا لاتفاق واي ريفر الذي وقعه سلفه نتنياهو كما كان معارضًا لاتفاق أوسلو الذي وقعه أبوه الروحي «إسحاق رابين».

مستقبل المفاوضات والوضع النهائي

 من المستبعد تمامًا أن يلتزم الطرف "الإسرائيلي" بالجدول الزمني الجديد المتفق عليه في شرم الشيخ، حيث من المتوقع جدًا أن يكون مصيره كمصير واي ريفر وخصوصًا أن باراك قد استفرد الآن بالمفاوضين الفلسطينيين الذين فقدوا توازنهم ولا يقدرون على الصمود ساعات طويلة وراء طاولة المفاوضات بعد أن رفعوا الراية البيضاء في ساحة المقاومة والجهاد، ولذلك سيختلق باراك كما فعل غريمه السابق نتنياهو كل عذر في سبيل التنصل من أي انسحابات قادمة، ومن المتوقع أن تستمر مفاوضات الوضع النهائي سنوات طويلة وليس سنة واحدة كما يتفاءل اتفاق شرم الشيخ وهو ما صرح به نواف مصالحة نائب وزير الخارجية الصهيوني، حين توقع أن تستمر هذه المفاوضات مع الجانب الفلسطيني أربع سنوات، ستعطي "إسرائيل" المزيد من الوقت لبلع المزيد من الأرض الفلسطينية ولن يردعها في ذلك مفاوضو السلطة بعد أن نجحت في السيطرة على أجهزة الأمن الفلسطينية عن طريق اختراقها، وبعد أن حصلت على ما تريد من ناحية تحييد الموقف الأمريكي الضاغط.

 ووفقًا لمصادر "إسرائيلية" فإن رسالة الضمانات الأمريكية المرفقة باتفاق شرم الشيخ تؤكد من جديد على مواقف الإدارة الأمريكية المعلنة تجاه القضايا الحساسة في مفاوضات الوضع النهائي، وقد تضمنت ورقة الضمانات الأمريكية "لإسرائيل" عددًا من النقاط الرئيسة:

- تعارض الولايات المتحدة وستعارض الإعلان من جانب واحد عن دولة فلسطينية.

- لن تعبر الولايات المتحدة عن مواقف من طرفها تجاه مسائل وقضايا الوضع النهائي وستقوم فقط بدور مساعد في المفاوضات.

- الولايات المتحدة لن تعبر عن موقفها تجاه حجم مرحلة إعادة الانتشار الثالثة في نطاق الانسحابات العسكرية "الإسرائيلية" المنصوص عليها في الاتفاقات التفصيلية بين الجانبين "الإسرائيلي" والفلسطيني.

- للولايات المتحدة التزام ثابت تجاه أمن "إسرائيل"، والأخيرة فقط تحدد احتياجاتها ومتطلباتها الأمنية والحلول التي تراها مناسبة لذلك.

وعلى الرغم من مساحة التفاؤل الضيقة التي أتاحها الجانب "الإسرائيلي" للطرف الفلسطيني بخصوص الوضع المستقبلي للعلاقة بين الجانبين، يمكن تأكيد عدد من النقاط بخصوص القضايا محل مفاوضات الوضع النهائي:

أولًا: الدولة الفلسطينية: يناور إيهود باراك بخصوص موقفه من الدولة الفلسطينية، فعلى الرغم من زعمه بأن الدولة الفلسطينية موجودة بحكم الواقع وأنه يمكن أن يعرض على الفلسطينيين اعترافًا رسميًا بهذه الدولة خلال مفاوضات الوضع النهائي، إلا أنه يرى أنها يجب أن تكون دولة منزوعة السلاح والسيادة حيث يعارض باراك نشر قوات غير "إسرائيلية" في الجهة الغربية من نهر الأردن، ومع ذلك فإن مستقبل إعلان هذه الدولة وللأسف سيظل مرهونًا ببقاء ياسر عرفات على قيد الحياة، وهي مسألة مشكوك فيها في ظل وضعه الصحي المتردي، وبوفاة عرفات تظل كل الاحتمالات مفتوحة وخصوصًا عودة الأردن إلى لعب دور رئيس في تحديد مستقبل مناطق السلطة الفلسطينية، وقد يعني ذلك تعذر الإعلان عن دولة فلسطينية مستقلة.

ثانيًا: الحدود: تؤكد الحكومات "الإسرائيلية"، يمينية ويسارية على حد سواء، على استحالة عودة «إسرائيل» إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967م وخصوصًا أنها تعمل على ضم غالبية المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع إليها، والحقيقة أن المفاوض الفلسطيني البائس لا يعلم بانسحاب قوات الاحتلال "الإسرائيلية" إلى تلك الحدود، وتدير السلطة حاليًا حوالي 29% من أراضي الضفة والقطاع إدارة كلية أو جزئية، ومن المتوقع أن تزيد هذه المساحة إلى 40%  في يناير القادم «إذا التزم الطرف "الإسرائيلي" ببنود الاتفاق، وهو أمر مستبعد»، وهذا يعني أن "إسرائيل" ستظل محتلة لأكثر من 60% من مساحة الضفة والقطاع.

ثالثًا: القدس: تصر الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة على أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لدولة "إسرائيل"، ووفقًا لاتفاق بيلين - أبو مازن ستكون أبو ديس التي هي خارج حدود القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية القادمة «في حال إعلانها»، وستحمل اسم القدس باللغتين العربية والإنجليزية، بينما تظل جيروزاليم الحالية «القدس الشرقية والغربية» عاصمة "لإسرائيل"!

رابعًا: قضية اللاجئين: محسومة لصالح "إسرائيل" التي ترفض مجرد البحث في مسألة عودتهم إلى بيوتهم، وهي مسألة شائكة لكن جميع الأطراف المعنية بهذه القضية باستثناء لبنان لا يمانعون في توطين اللاجئين في أماكن تواجدهم، وتجري حاليًا محاولات لاستيعاب اللاجئين الموجودين في لبنان في دول أخرى عربية وأجنبية.

خامسًا: المستوطنات اليهودية: تؤكد الحكومة "الإسرائيلية" أنها ستضم غالبية هذه المستوطنات الموجودة في الضفة والقطاع إلى الدولة اليهودية، وما يجري حاليًا من شق لطرق التفافية لربط المستوطنات اليهودية مع بعضها وبموافقة من الطرف الفلسطيني يرسم الشكل المستقبلي لهذه المستوطنات.

الرابط المختصر :