العنوان اختلاف البلاد بين الصوم والعيد
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011
مشاهدات 49
نشر في العدد 1967
نشر في الصفحة 38
السبت 27-أغسطس-2011
يغلب على كثير من المقيمين في بلاد غير بلادهم أن يسافروا بلدهم ليلة العيد أو قبلها بيوم أو اثنين حتى يدركوا العيد مع أهليهم وذويهم، وقد تحصل إشكالية مفادها أن بلاد المسلمين لا تتفق في بدء الصيام ونهاية شهر رمضان، فنرى الاختلاف يصل إلى أن يكون هناك ثلاثة مواعيد في بدء الصيام، مما يوقع المسلم الصائم في حرج، مع أي البلاد يفطر؟ وماذا عن الاختلاف في رؤية هلال العيد؟ فقد يكون بلد الإقامة يتأخر يومًا، ويكون بلده الذي يسافر إليه قد أعلن عن رؤية هلال شوال، فهل يصوم أم يفطر؟
وقد يحصل أحيانا أن الأيام تتفق في الصيام، فقد يصوم بلد تسعة وعشرين يومًا، وقد يصوم بلد آخر ثلاثين يومًا، وفي بعض الأحيان مع اختلاف المطالع قد يجد المسلم نفسه صائمًا في بلده الذي سافر إليه واحدًا وثلاثين يومًا لو تأخر بلده في بدء الصيام، وقد يحصل أن يكون عدد أيام صيامه ثمانية وعشرين يومًا ولا يدري أي البلاد يتبع في الصيام والإفطار.
ولعل مما أوجد مثل هذا التباين ما توصل إليه الإنسان في العصر الحديث من سهولة التنقل عبر الطائرات التي تنقل الإنسان من بلد الإقامة إلى بلد السفر في عدة ساعات قليلة، ويبقى المسلم حائرًا.. ماذا يفعل؟!
د. علي جمعة، مفتي مصر، يرى أن مثل هذه الحالة يجب على المسلم عدة أمور مهمة تنطلق منها الفتوى وبيان الحكم الشرعي، من ذلك أن ما ثبت بدليل قطعي يقدم على دليل ظني، فالحسابات الفلكية القطعية لا تتعارض مع الرؤية الصحيحة، وأن الحساب القطعي ينفي ولا يثبت، فإذا كانت الحسابات تنفي رؤية الهلال، فلا اعتبار وقتها بالرؤية؛ لأنها تكون خاطئة، أما إذا لم ينف الحساب؛ اعتمدت الرؤية البصرية.
الضابط الثاني، هو أن الشهر العربي لا يكون إلا تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، ولكنه لا يكون ثمانية وعشرين يومًا بحال، أو واحدًا وثلاثين يومًا، وهذا أمر يجب أن يراعيه المسلم، بمعنى أنه إن عاد لبلده واحتسب أيام صيامه تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا؛ جاز له الفطر مع البلد الذي سيكون فيه يوم العيد.
أما إذا كانت الدولة التي سيكون فيها المسلم لاتبالي بالحساب القطعي، أو لو كانت ستصوم وهو سيكون قد صام واحدًا وثلاثين يومًا؛ فعليه أن يخالفها ويفطر في هذا الأمر؛ لأن الشهر لا يزيد على ثلاثين يومًا بحال من الأحوال، وكذلك له مخالفتها إذا ثبت عنده بدليل قطعي خطأ حساب البلد، ولكن لا يخالفها للاختلاف في رؤية الهلال من بلد لآخر، لأن الاختلاف في هذا وارد، وقد أجازته المجامع الفقهية؛ استنادًا لحديث النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فمن رأى أفطر، وإلا كما قال ﷺ: «فإن غم عليكم فأكملوا..».
ويحذر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - يرحمه الله - ممن يخالفون فتوى البلد الذي يعيشون فيه مادام الاختلاف في رؤية الهلال اختلافًا سائغًا شرعًا، وإلا فله المخالفة.
يقول الشيخ الألباني: إن من قواعد الشرع منع ظاهرة الاختلاف ما أمكن، فالآن قلنا: الأصل أن يصوم المسلمون جميعًا برؤية بلد واحد، لكن هذا غير واقع، فإذا بقينا على هذا الأصل في البلد الواحد فستصير الفرقة أوسع دائرة من الفرقة التي لا نملكها.. من أجل تقليل دائرة الاختلاف نقول: نصوم مع البلد الذي نحن فيه بشرط ألا نقع في مخالفة جذرية لا يقول بها عالم، فمثلًا: ليس من الممكن أن نصوم ثمانية وعشرين يومًا، ليس من الممكن أن نصوم واحدا وثلاثين يومًا، فإذا وقع الأمر - مثل هذا الاختلاف - وصام المقيم مع رؤية بلده، لا يزيد على الثلاثين ولا ينقص على تسعة وعشرين فهذا «أقل شرًا» من أن يصوم مع بلد آخر؛ لأن هذا سيزيد الخلاف خلافًا والفرقة فرقة.. هذا الذي أراه.
وفي حالة من يصرون على رؤية الهلال بالعين المجردة ولا يعتبرون رؤية الدولة، تقرر اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله - ومعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبدالله بن غديان أنه يجب على هؤلاء أن يصوموا مع الناس ويفطروا مع الناس ويصلوا العيدين مع المسلمين في بلادهم، لقول النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (متفق عليه)، والمراد الأمر بالصوم والفطر إذا ثبتت الرؤية بالعين المجردة أو بالوسائل التي تعين العين على الرؤية لقوله ﷺ: «الصوم يوم تصومون والإفطار يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون».
ويؤكد الشيخ محمد بن صالح العثيمين - يرحمه الله - ما ذهب إليه بعض أهل العلم من اعتبار رأي الحاكم في البلد وعدم مخالفته في الاختلاف السائغ فيقول: «ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر معلق بولي الأمر في هذه المسألة، فمتى رأى وجوب الصوم، أو الفطر مستندًا بذلك إلى مستند شرعي فإنه يعمل بمقتضاه، لئلا يختلف الناس ويتفرقوا تحت ولاية واحدة، واستدل هؤلاء بعموم الحديث، «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس».
وفي سؤال للشيخ ابن باز - يرحمه الله - عمن يصر أن يكون صيام شهر رمضان ثلاثين يومًا دائمًا حتى لو أعلنت الدولة أن رمضان تسعة وعشرين يومًا أجاب: «فلا يجوز لأحد أن يحكم رأيه ويقول: الشهر دائمًا يكون ثلاثين؛ لأن هذا القول مصادم ومخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، كما أنه مخالف لإجماع المسلمين، فإن العلماء قد أجمعوا قاطبة على أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين، والواقع شاهد بذلك يعلمه كل أحد له عناية بهذا الشأن، وقد قال الله سبحانه في كتابه العظيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا (59)﴾ (النساء).
وخلاصة الأمر:
إن الإنسان يجب عليه أن يتبع البلد الذي يقيم فيه، حتى لو كان بدأ الصيام في بلد آخر، شريطة ألا يقل الصوم عن تسعة وعشرين يومًا، وألا يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يجد حرجًا في نفسه إن صام أقل من ثلاثين بيوم، فاعتبار الصيام برؤية الهلال أو إتمام الشهر إن غم على الناس.
الإجابة للدكتور عجيل النشمي
حكم زكاة الفطر
ما حكم زكاة الفطر؟ وهل يجوز إخراجها نقدًا؟
زكاة الفطر أو صدقة الفطر شرعت طهرة للصائم مما قد يكون بدر منه من اللغو والرفث، وهي في ذات الوقت لتشيع الفرحة وتغني الفقراء والمساكين عن الطلب يوم العيد، وحكمها الوجوب على كل فرد من المسلمين صغيرًا أو كبيرًا ذكرًا أو أنثى، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وهي تجب على من كان عنده ما يكفيه من القوت له ولمن يعولهم ممن تجب عليه نفقتهم، وما عنده يكون زائدًا عن حاجته ليلة ويوم العيد.
ويخرجها المزكي عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقتهم من الزوجة والأولاد، وكذلك والديه إن تبرع عنهم بذلك بعد موافقتهم فهذا حسن.
وبالنسبة لمقدارها فهي صاع من الأرز وغيره مما هو من قوت البلد، ويجوز على هذا أن تخرج من التمر والدقيق والأقط والحليب المجفف والأجبان واللحوم.
ومن أراد أن يخرج من القوت نفسه أي من الأعيان كالأرز ونحوه فهذا هو الأفضل، ومقداره اليوم ٢,٥ كيلوجرام ويراعى اختلاف الوزن في غير الأرز.
وأما بالنسبة للقيمة فيجوز إخراج الفطرة نقدًا، وحينئذ تقدر قيمة ما يخرج من الأرز أو غيره، وتقدر هذه الأيام بدينار كويتي واحد عن كل فرد.
ومن أراد إخراجها قبل نهاية رمضان أي من أراد تعجيل زكاة الفطر فيجوز على رأي بعض العلماء، لكن وقتها الواجب هو بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، لما ورد أن النبي ﷺ «أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» (رواه الجماعة).
ويكره تأخيرها عن صلاة العيد وتصبح بعد الصلاة صدقة من الصدقات، فإذا لم يخرجها تثبت دينًا في ذمته.
ويجوز نقلها إلى بلد آخر إذا كان فيه من هم أحوج، وتحققت مصلحة عامة للمسلمين، أو زادت عن حاجة فقراء بلد المزكي أو كان له أقرباء في بلد آخر محتاجين.
أما عن مصرف زكاة الفطر فهو نفس مصرف زكاة المال، أي على الأصناف الثمانية في قوله تعالى: ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (60)﴾ (التوبة).
ولو أعطى المزكي صدقة الفطر إلى أصوله أو فروعه؛ لم تجزئ كأن يعطيها لأبيه أو أمه أو أبنائه أو أبناء أبنائه، كما أنها لا تعطى لكافر.
نذر أن يصوم أول يوم العيد
شخص نذر أن يصوم عيد الفطر.. هل يلزمه صيام هذا اليوم؟ وإذا لم يصمه هل يلزمه القضاء؟
من نذر صوم يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى فنذره باطل، ولا يلزمه شيء ويحرم عليه أن يصوم يوم العيد الذي نذره، ولا كفارة عليه في حنثه في يمينه عند جمهور الفقهاء، عدا الإمام أحمد.
فقد نهى النبي ﷺ عن «صيام يومين؛ يوم الفطر ويوم النحر»، قال الترمذي: حسن صحيح (فتح الباري ٤/١٧٢).