; صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (4)- استثمار طاقات الشباب | مجلة المجتمع

العنوان صور تربوية من البيئة الإسلامية والعربية (4)- استثمار طاقات الشباب

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013

مشاهدات 105

نشر في العدد 2040

نشر في الصفحة 56

السبت 16-فبراير-2013

على كثرة الأعباء، وتعدد المهام الجسام، وتحمل مسؤولية العالم كله، وتبعات الرسالة التي أسندها رب العزة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم . فإننا نجده خير من أدب وربي، وقوم وهذب، فهو صلى الله عليه وسلم  أتقن التنشئة، كما أحسن اختيار أساليب التربية والتعليم.

ولما كان الأطفال والشباب هم رجالات المستقبل وصناعه وبناة مجد الأمة وحضارتها، وسواعد نهضتها، فقد اهتم صلى الله عليه وسلم بهم اهتماماً خاصاً لذلك فنحن بحاجة ملحة إلى أن نقتبس من هديه صلى الله عليه وسلم .

وفي تربية النبي صلى الله عليه وسلم  رصيد تربوي عظيم في تربية الأطفال والشباب، فقد أبرز صلى الله عليه وسلم  لهم قيمة الوقت وقدر الشباب، وضرورة استثماره وفي بيان ذلك يقول: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به» (رواه الترمذي بإسناد صحيح).

إنها تربية تهتم بتوعية الشباب بقيمة الوقت، وتدعوه إلى المسارعة إلى اغتنام هذا الوقت وفتوة الشباب وطاقاته، لذا يقول صلى الله عليه وسلم : «اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك وشبابك قبل هرمك وقوتك قبل ضعفك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك» (رواه الحاكم وصححه الألباني).

لذا فقد أثمرت تربيته صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، ومن سار على هديه من السلف جميعًا، لذا فق رأينا نماذج من الرجال الذين تخرجوا من مدرسته صلى الله عليه وسلم  نشروا الخير في ربوع العالم.. وفيما يلي نذكر بعضهم:

(1) زيد بن ثابت رضى الله عنه:

روى الحاكم في «مستدركه» عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: كانت وقعة «بُعاث»، وأنا ابن ست سنين، وكانت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة، وأتى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: غلام من الخزرج فقرأت ست عشرة سورة - وفي رواية سبع عشرة سورة - فلم أجز في «بدر» ولا «أحد»، وأجزتُ في «الخندق».

قال ابن عمر، وكان زيد بن ثابت يكتب الكتابين جميعا كتاب العربية وكتاب العبرانية وأول مشهد شهده زيد بن ثابت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  «الخندق»، وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان فيمن ينقل التراب يومئذ مع المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنه نعم الغلام» وغلبته عيناه يومئذ فرقد، فجاء عمارة بن حزم، فأخذ سلاحه وهو لا يشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا رقاد، نمت حتى ذهب سلاحك»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من له علم بسلاح هذا الغلام؟»، فقال عمارة بن حزم أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته، فرده، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يروع المؤمن أخاه، أو أن يأخذ متاعه لاعبا أو جاداً. 

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يكتشف نبوغ الطفل مبكراً، ويتحسس جوانب تفوقه وينميها ويرعاها، ولقد برز ذلك جليا في رعايته لزيد بن ثابت الذي قدم المدينة وعمره إحدى عشرة سنة، وكان غلاماً ذكيا فطنا تبدو عليه علامات النبوغ.. قال زيد بن ثابت أتى بي النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله هذا غلام بني النجار وقد قرأ بما أنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعجبه ذلك، وقال: «يا زيد تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي»، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا كتب إليهم.

(2) عمير بن أبي وقاص المجاهد الصغير:

أخرج ابن سعد في «طبقاته» والبزار وابن الأثير في «الإصابة» عن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص - قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم «بدر» - يتوارى فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيردني وأنا أحب الخروج، لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده لصغره، فبكي، فأجازه عليه الصلاة والسلام.. فكان سعد رضى الله عنه يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة رضى الله عنه وأرضاه.

لقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في تربية الناس عامة والشباب خاصة، مما حبب الناس إليه، فكان يثق بشباب الصحابة ويستأمنهم على أمور خاصة، ولقد كانوا رضي الله عنهم أجمعين على مستوى المسؤولية. 

(3) معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء:

أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال: إني لواقف يوم «بدر» في الصف فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما - أي: إنهما صغيرا السن - فغمزني أحدهما، فقال: يا عماه، أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لنن رأيته لا يفارق سوادي سواده (أي شخصي شخصه) حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي أيضاً مثلها، فلم ألبث أن نظر إلى أبي جهل وهو يجول في الناس. 

فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألانني عنه، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه فقال: «أيكم قتله»؟ ... قال كل منهما، أنا قتلته. قال: «هل مسحتما سيفيكما؟»، قالا: لا، قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: «كلاكما قتله».

هذان الفتيان بدر منهما ما لم يتفطن الكبار له رغبة في الانتقام الرسول الله صلى الله عليه وسلم فأتقنا التخطيط والتدبير، وتنافسا في قتل صنديد الشرك أبي جهل، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم تجردًا وأقدما بشجاعة فائقة على قتل أبي جهل رأس الكفر الذي وصفه النبي بأنه «فرعون هذه الأمة»! 

إنك عندما تتصور المشهد تندهش، فلقد كان أول من لقي أبا جهل - كما حدث ثور بن يزيد عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر. هو معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة، يقول ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، وكان أبو جهل في الحرجة - وهي شجر ملتف وكان يتحصن بشجرة يصعب الوصول إليها - وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه - يقول معاذ بن عمرو بن الجموح: فلما سمعتها - أي هذه المقولة - جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما أذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.

التربية الإيجابية بالقدوة

كان صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بالخير، وكان يعلمهم إياه، وكان أول من يأتيه، وينهاهم عن الشر وهو أول من يبتعد عنه، وما أكثر المواقف والشواهد التربوية التي تؤكد ذلك، وكان ينهاهم - أيضًا - عن الشر وهو أول من يبتعد عنه ويتجنبه.

ومن أهم الشواهد على ذلك.

 • ما رواه البخاري عن أنس قال: وجعلوا - أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - الصخر (لبناء المسجد)، وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة *** فاغفر للأنصار والمهاجرة

فلم يكتف صلى الله عليه وسلم بوضع حجر والناس من حوله يصفقون في سيناريو نراه صباح مساء، الآن يصدر من القادة والبطانة التي تحوط كل منهم، ولم يكتف بقص شريط، أو إلقاء كلمة في افتتاح المسجد، إنما كان صلى الله عليه وسلم ينقل معهم مواد البناء تارة، ويتولى البناء بنفسه تارة أخرى، ويتبادل الأدوار مع أصحابه.

ولقد ظهر أثر مشاركته صلى الله عليه وسلم في قول أصحابه:

لنن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منـا العمل المضلل 

أي إنه بسلوكه أخجل كل واحد منهم، فلم يعد يرضى لنفسه أن يقعد في حين أنه صلى الله عليه وسلم يعمل.

فحري بالمربين الآن أن يكونوا قدوة، كي تكون تربيتهم للشباب تربية مؤثرة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأن يقتدوا في ذلك بالمربي الأكبر محمد صلى الله عليه وسلم، إذ وصفه رب العزة بقوله: ﴿لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لَمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

• وفي غزوة الأحزاب، ربي صلى الله عليه وسلم بالقدوة في مواقف كثيرة.. فكان أيضًا يشارك أصحابه في حفر الخندق، بل كانت إذا استعصت عليهم صخرة ولم يستطيعوا تكسيرها استغاثوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعندما خافوا وجزعوا بث فيهم الطمأنينة والأمل، وكان الواحد من الصحابة رضي الله عنهم يربط على بطنه حجرًا من شدة الجوع، أما هو فكان يربط حجرين.. وعندما أسر أحد الصحابة - سيدنا جابر بن عبد الله - بأنه كلف زوجته تصنع طعامًا، ودعاه إلى هذا الطعام الذي كان لا يكفي سوى عشرة من الرجال، أصر النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينادي في الناس ويدعوهم إلى هذا الطعام، وكانوا آنذاك حوالي ثلاثة آلاف في غزوة الخندق، بل ألزم نفسه بأن يكون هو آخر من يأكل بعد أن يطعم أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويوزع من الطعام على الجيران. 

لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنع أصحابه من لبس الذهب بدأ صلى الله عليه وسلم  بنفسه، فنبذ خاتمه، وأخبرهم بأنه لن يلبس خاتمًا، فلم يكن في وسع الصحابة إلا أن يطيعوا ويقتدوا به.

فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: اتخذ النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال صلى الله عليه وسلم : «إني اتخذت خاتمًا من ذهب»، فنبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا»؛ فنبذ الناس خواتيمهم. (متفق عليه).

غزوة «حنين» والنبي القدوة

عن كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم « حنين»، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان أخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «أي عباس، ناد أصحاب السمرة »، فقال عباس - وكان رجلًا صيتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد».

قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى.. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا حتى هزمهم الله. (رواه مسلم).


الرابط المختصر :