العنوان استراحات من واقع الناس
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996
مشاهدات 52
نشر في العدد 1209
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 23-يوليو-1996
الاستراحة الأولى: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ (القمر: ١٠) في إحدى قرى الصعيد بمصر العامرة- عمرها الله بالإيمان والتقوى- عاد الصبي حسن، والذي لم يبلغ سن الحلم من الحقل متعبا بعد يوم من العمل، فقد اعتاد أن يعمل في حقل خاله منذ ساعات الصباح الأولى إلى مغيب الشمس، حيث يعود بعدها إلى منزل خاله الذي أواه بعد أن مات والداه وهو صغير لم يبلغ السادسة في حينها، وقد نشأ اليتيم «حسن» في بيت خاله في حياة أحاطها الشقاء والبؤس والحرمان المادي والمعنوي والعاطفي من كل مكان، حيث لا يمر يوم إلا وللخال المؤتمن على طفولته طرائق في تهديده وتوبيخه وضربه بسبب أخطاء طفولته، وطالما حرمه عدة مرات من عشائه فيصبح طاويا جائعا، وهكذا توثبت قسوة قلب الخال على ابن أخته، فأحال حياته إلى جحيم لا يطاق.
هذا الصبي الصغير اعتاد أن يذهب إلى مسجد القرية وهو قادم من الحقل، حيث يصلي المغرب ويجلس بعدها يستمع إلى درس شيخ المسجد وهو يفسر سورًا من القرآن الكريم، وكانت تلك اللحظات ساعات راحته الحقيقية تذيب ما به من ساعات راحته الحقيقية، تذيب ما به من أحزان، وتفسح في نفسه الأمل بالحياة، وتعينه على الصبر واحتمال ضنك العيش، وجور الخال، ولم ينس الطفل تلك الهدية التي اعتاد أن يضعها في جيبه وهي «مقلمة الأظافر»، التي أهداها له شيخ المسجد عندما نظر إلى يده فرأى أظافره قد طالت، وكان «حسن»، يحب شيخ المسجد كثيرا -خصوصا- عندما يفسر السور الخاصة بصراع الأنبياء مع أقوامهم وصبرهم على أذاهم، كانت نفسه تعيش بخيال واسع مع ذلك الصراع، ويتعلم منها الصبر والمثابرة مرة شرح الإمام آيات من سورة القمر، تبين صبر نوح على قومه: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾(القمر: ٩،١٠)، واستفاض الإمام في شرح تلك الآيات مبينا أثر الصبر في نجاح الدعوات وثبات المبادئ، وقوة الاستنهاض للغاية، ثم عرج على أهمية الدعاء، وأثره في حياة الإنسان، ودوره في تقوية الصلة بين العبد وربه، وهكذا كانت أسعد لحظات الفتى هي هذه اللحظات التي تنقله إلى جنة القرآن أني مغلوب فانتصر واستفاض بعيدا عن جحيم الخال من وهكذا عاش الفتى سنوات طفولته في بيت خاله ومسجد قريته، وتمر الأيام وفي كل يوم تتثاءب القرية فيه عند فجر جديد يطلع الغلام الصغير يحمل أدوات الحراثة ومعها همومه وآلامه، وقد اعتاد الناس على رؤية هذا الغلام يسير خلف خاله الذي يسوق حماره متجها للحقل كل صباح، وفي أحد الأيام العادية والذي لم تختلف شمسه عن بقية الأيام وعند الظهيرة استند الغلام مجهدا على جذع شجرة في الحقل، فقد أضناه التعب وأنهكه قام الخال بتوبيخه وأمره بالعمل طلب الغلام أن يعطيه فرصة للراحة، اعتبر الخال ذلك الرد بمكانة انتقاص لولايته وسلطته عليه، فما كان منه! إلا أن أخرج سكين «مطواة» من ثوبه وانقض بها على جسد الغلام كالوحش الضاري دونما رحمة وشفقة لصرخات الغلام اليتيم يا خال... يا خال... أنا أمانة أمي عندك اختلطت دماء ودموع الفتى وتناثرت دماء الجسد الغض في المكان، لم ينهض الخال إلا بعد أن تأكد من أن الغلام قد لفظ أنفاسه الأخيرة بـ (٤٦) طعنة متتالية، وقام بعدها منتفشا تعلوه نشوة الانتصار الكاذب، وكأنما خرج من معركة حربية، استقل حماره وتحرك بالرجوع إلى بيته لكنه سمع أنينا خافتا ألتفت وراءه وإذا بالغلام يحرك أصابع يده، رجع قافلا وهو يسب ما زلت حيا يا ابن... ترجل عن حماره مستلا خنجره كانت لحظات النهاية عايشها الغلام اليتيم آلامه لا منتهية منتشرة في أنحاء جسده والدنيا تدور به شريط الحياة كله يمر أمامه في لحظات السواد يلف عينه، لا يرى إلا شيئاً يقترب منه لا يتبين معالمه، كلما اقترب ذلك السواد يراه من بين أجفانه المطبقة، إنه خيال خاله وقد أشهر خنجره، تلمس الغلام بيده ثيابه فإذا هي ممزقة وقعت يده على «مقلمة الأظافر» ، فتح نصلها بإجهاد بالغ، قلبه الذي كاد أن يتوقف عن الخفقان ازداد خفقانه، وفي لحظات اقتراب خاله ليطعنه الطعنة القاتلة الأخيرة، ركع الخال رافعًا يده ليهوي بها على جسد ابن اخته، في هذه اللحظات السريعة وجه الغلام ببطء نصل سكينة مقلمة الأظافر إلى جسد خاله وهو لا يقوى على رفع يديه كانت في لمح البصر الآيات التي يسمعها من الإمام تطرق مسامعه لم يعلق في لسانه منها إلا قول الله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ (القمر: ١٠).
رفع بصره للسماء ودفع يده بنصل مقلمته قائلاً: رب إني مغلوب فانتصر، فكان النصل في قلب خاله، سقط الخال ميتًا بجانبه دون حراك بعد ساعات من الهدوء الذي سيطر على مكان الحادث، نقل الفتى إلى المستشفى وعندما علم أخو الخال بوفاة أخيه بسبب ابن اخته الغلام الصغير زين له الشيطان قتل الفتى في المستشفى، حمل خنجره معه وأسرع إلى المستشفى ودخل دونما شك من أحد على الفتى وهو ممدد تحيط به أجهزة العناية المركزة، وحوله بعض الضباط والأقرباء فاجأ الخال الثاني الناس فانقض على الفتى طعنًا في جسده بـ (۳۱) طعنة أخرى في هذا الجسد الغض حاول الهرب إلا أن الشرطة أمسكت به، ومع هذا فإن الفتى ظلت فيه بقية من روح، ظل في المستشفى ستة أشهر، عولج خلالها وشفي، مات خاله قاسي القلب وسجن خاله الثاني، وخرج الفتى «حسن»! إلى دنيا الناس من جديد بفضل فدعا ربه أني مغلوب فانتصر.
الاستراحة الثانية: الفتيات الثلاث:
نزل «علي محمد الفريجي» مع اثنين من أصحابه على شاطئ الفحاحيل بالكويت دونما إكمال مسيرتهم لميناء الكويت مستأذنين النوخذة بعد موسم غوص مفلس لكي يغوصوا في المغاصات الضحلة في بنيدر «منطقة ساحلية أصبحت الآن ساحلاً آهلًا تقضى فيها عطلات نهاية الأسبوع»، حيث كانت الكويت في أوائل هذا القرن تعيش على الغوص كمصدر للرزق، وكان الناس في ضنك من العيش بسبب قلة الموارد.
«علي محمد الفريجي»، ذلك الرجل في الخمسين من عمره، والذي يضاهي بقوته عشرة رجال، ويحمل بين قلبه قلب طفل ولا يعرف العد والإحصاء يتوه في عد الأشياء بعد أرقام محدودة، لكنه يملك بصرًا حادًا فهو یری قوافل الرعيان والمسافرين التي تمر على كاظمة من على ميناء الكويت «المسافة تقدر بعشرات الكيلو مترات» ولفرط دماثة روحه وطيبة قلبه، يراه الناس أنه من المغفلين.
«علي محمد الفريجي» نزل مع اثنين من أصحابه من سفينة النوخذة مرورا بالفحاحيل لكي يصلوا إلى مقاصات بنيدر مشيًا على الأقدام يحيط بهم الجوع والعطش من كل مكان، باتوا ليلتهم على البدر، في منتصف في الطريق في تلك الليلة، بات الفريجي يفكر بدين «٥٠٠٠ روبية» كيف يوفيه ويسدده؟، وقبل أن ينام دعا ربه اللهم ربا اقض عني ديني ارتخت عيناه ونام نوم الأطفال الذين لا يفكرون ماذا في الغد؟، ورأى رؤيا جميلة ثلاث فتيات جميلات «كالقمر ليلة البدر» بقليل، يدعونه هو «وأصحابه لزيارتهن» وأنهن في موطن كذا، في المكان كذا ثم اختفت الفتيات وهن يتضاحكن.
استيقظ الفريجي من نومه مبتسما على غير عادته وهو يتمتم ببعض الآيات من القرآن، أيقظ أصحابه، استغرب أصحابه هذا الاستيقاظ قبل الفجر، وقال لهم لنسير على بركة الله، قالوا له: إلى أين؟ قال: لا عليكم أدركتهم صلاة الفجر، صلى الثلاثة، ثم مشوا محاذيين لساحل البحر، بعد ساعات أنهكهم التعب توقفوا، اشتم الفريجي رائحة عطر غريبة، ثم اختفت، قال لهم: هيا نسير سار الجميع وكلما اقترب «الفريجي» من الموطن الذي حددته له الفتيات في الحلم كلما ازدادت رائحة العطر وصل إلى منطقة بنيدر: قال لهم توقفوا هنا، نزع الرجال ملابسهم وبدءوا بالمخاض في المياه الضحلة، وبدأ الفريجي في الغوص، متتبعًا رائحة العطر الغريبة، غاص، وجد محارات لكنه في الغوصة الأخيرة غاص ليلتقط المحارات، كلما ازداد عمقا ازدادت ضربات قلبه، خفق قلبه كلما اقترب من محارة ازداد القلب في الخفقان عندما لامسها، كاد قلبه أن ينفجر عندما أمسك بها، تماسكا قطعها بالسكين، وضعها في «سلة المح» صعد إلى الأعلى تجمع الرفاق الثلاثة على شاطئ البحر، قال الفريجي: دعونا نضع جميع المحار ونفلقها واحدة واحدة استثنى واحدة وهي التي خفق قلبه لها، وقال لأصحابه: إن كان لنا رزق ففي هذه بعد أن فتحوا جميع المحار لم يجدوا شيئًا «وضع الفريجي» سكينته على المحارة الأخيرة والتي وضعها جانبًا وقلبه يخفق خفقانا سريعًا، فتحها فإذا ثلاث لؤلؤات رأت العين أجمل منهن، اثنتان منهن متساويتان في الحجم والأخرى أصغر منهن.
قفل الرجال الثلاثة وهم فرحون أشد الفرح، شاكرين الله على ما رزقهم، استقبلهم أحد تجار اللؤلؤ من «آل الدبوس» الكرام، حيث رآهم عندما مروا بجوار ديوانه واستغرب عودتهم السريعة، إلا أن يكونوا قد عادوا بكنز ثمين اشترى التاجر اللآلئ الثلاث بمبلغ كبير، كان نصيب «علي الفريجي» «٥۰۰۰ روبية» سدد بها دينه.
الاستراحة الثالثة: ﴿هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَۖ﴾ (يوسف: ١٠٠)
في جزر القمر - ذلك البلد الإسلامي. يحيط الفقر والمرض بالناس، مثلما يحيط الماء بجزرهم، عبد الله أبو بكر، هو أحد الناس الفقراء ويعيش في قرية نائية على بعد عشرات الأميال من العاصمة موروني، في بيته المصنوع من جريد النخل، حاله حال باقي الناس. نهض في ثلث الليل الأخير وركع ركعتين، قرأ في إحداهما أواخر سورة يوسف - عليه السلام ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ﴾ (يوسف: ١٠٠) وكان صراخ ابنه المريض ينغص عليه لحظات خشوعه، فقد أصيب بداء مبرح يكاد يقتله، وقد مر عليه زمن طويل وهو لا يملك المال الكافي لشراء الدواء لابنه حيث أشرف على الموت هذا الدواء الذي ينجو به الطفل قدره له الطبيب بـ (١٥٠) فرنكا فرنسيا، كيف له بهذا المبلغ؟، فالحالة الاقتصادية في كساد، ولا يملك الإنسان قوت يومه، بعد صلاة الفجر نام «عبد الله»، ورأى في المنام أنه يسجد في رماد، وعندما سجد وجد بين أكوام الرماد (۲۰۰۰، فرنك فرنسي)، حاول أن يلمسها بيده، وإذا بصراخ ابنه الصغير يوقظه، ما أحلى الأحلام، وما أضنى الآلام، مضى اليوم والرجل يتشاور مع زوجته كيف تدبر المال لشراء الدواء.
عند صلاة العصر توقفت سيارة لهيئة خيرية تقوم بالإشراف على أعمال الخير الكويتية في جزر القمر أمام مسجد القرية تقل الشيخ «أحمد» «والشيخ فرج» يرافقان مواطني كويتيين «أبي عبد الله»، و«أبو راشد» قدما للجزيرة لإقامة مشاريع خيرية ومساعدة أهلها، ترجل الشيخ «أحمد» والشيخ «فرج»، لصلاة العصر، وانتظر المواطنان في السيارة لأنهما قد جمعا «الظهر والعصر» عندما أقيمت الصلاة ودخل الناس فيها قال أبو «عبد الله»: ألا ترى ذلك الدخان المتصاعد ألا تظن أنه حريق قال له «أبو راشد»: هذا الدخان طبيعي لأن الناس يطبخون طعامهم باستخدام جريد النخل الذي يقيمون به مساكنهم، ازداد الدخان كثافة وتصاعدا فجأة، ارتفعت أصوات النساء والأطفال: «حريق... حريق» تدافع الشباب من الشارع الرئيس إلى سكك المنازل، أحد البيوت قد تصاعد منه لهيب حريق يخشى أن ينتقل إلى بقية المساكن، حيث إنها كلها من جريد النخل وهي متلاصقة، ترجل «أبو عبد الله» و «أبو راشد»، مع الناس وهرولوا مسرعين إلى البيت المحترق تعاضدت جهود الشباب على إطفاء الجزء المحترق من البيت بسرعة مذهلة دونما خسائر، خرج الرجال المصلون ليتفقدوا الجلبة والصراخ، وإذا البيت هو بيت «عبد الله أبو بكر»، كانت لحظات حزن شديدة «لعبد الله» الفقير البائس، فهو الآن يعيش آلام ابنه وآلام بيته المحترق، في لحظات سريعة صاح المواطنان الكويتيان للشيخ أحمد، نحن مررنا بهذه القرية، ولزامًا علينا أن نساعد أهلها، خذ يا شیخ أحمد هذا المبلغ واعطه لصاحب المسكن المحترق.
كانت لحظات سعادة لا توصف عندما تسلم الفقير عبد الله أبوبكر (۲۰۰ فرنك فرنسي)، أية سعادة هذه (١٥٠ فرنكًا) دواء لابنه وخمسون أخرى يعوض بها في بناء مسكنه. عندها لم يتمالك عبد الله نفسه، فسجد، فإذا هو يسجد على رماد بيته المحترق بكى وهو ساجد.. رفع رأسه وبصره للسماء قائلًا ومرددًا: «هذا تأويل رؤياي» من قبل قد جعلها ربي حقًا عندما تابع المواطنان الكويتيان سيرهما توقفا عند المغيب في قرية أخرى، سأل «أبو راشد» «ابا عبدالله» ألا ترى يا أخي أن وقوفنا في تلك ا القرية التي توقفنا بها في صلاة العصر لم يكن في البرنامج، حيث يفترض ان نكون عصرًا في القرية التي نحن بها الآن؟
تمتم أبو عبد الله قائلا: "قدر الله وما شاء فعل...".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل