العنوان استشهاد أبي وزوجي وأمي وأختي يزيدني إصرارًا على التحدي
الكاتب صباح محمد
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005
مشاهدات 59
نشر في العدد 1662
نشر في الصفحة 28
السبت 30-يوليو-2005
«ابنة قائد كتائب القسام» صلاح شحادة لـ«المجتمع»:
غزة:
رحمة ابنة الشهيد صلاح شحادة وزوجة الشهيد محمد الجعبري عاشت الحرمان من عطف الأب الحاني الذي غُيِّب عنها قسرًا في السجون الصهيونية منذ كانت طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها.. فقد كانت الابنة الوسطى للشيخ الشهيد صلاح شحادة.. سبقتها في العمر مريم وتبعتها إيمان التي رحلت وأمها شهيدتين مع أبيها في عملية الاغتيال التي هزت حي الدرج، ذكرياتها أليمة.
تحدثت رحمة لـ«المجتمع» في الذكرى الثالثة لاستشهاد والدها (۲۲) يوليو (۲۰۰۲م) عن حياتها قبل استشهاد أسرتها فتقول: منذ طفولتي عانيت حرمان الأب، كنت دائمة السؤال عنه ولكن الإجابة كانت واحدة أنه معتقل في سجون الاحتلال.. مع وعود بأني في يوم ما سأراه، وتواصل: أبي بالنسبة لي ولأخواتي كان طيفًا جميلًا يداعبنا في أحلامنا وخيالاتنا الساذجة.. لم يصبح حقيقة نلمسها بأيدينا وننظرها بأعيننا إلا بعد الإفراج عنه بعد اثني عشر عامًا مضت علينا كأنها الدهور. حين خرج أبي من السجن كنت في الخامسة عشرة من عمري ولا أخفي عليك أني كنت خائفة من التعامل مع أب كصلاح شحادة، لكنني تفاجأت بأنه كان أحن الناس عليَّ.. حاول أن يعوضني وأخواتي سنوات الغياب الطويل وقد نجح في احتوائنا وغمرنا بحبه وعطفه وحنانه لكنه رحل وتركنا من جديد واصطحب معه أعز الناس وأحن القلوب: أمي وأختي الصغرى إيمان.
وتتحدث عن أمها الشهيدة فتقول: كانت أمي أحب وأعز وأغلى الناس على قلبي، فقد كانت لي أمًا وأبًا وصديقة حميمة، رعتنا في غياب أبي خير رعاية.. ولم تجعلنا نحتاج لشيء، رفضت بل تحدت قرار أهلها بأن تترك والدي السجين وتتزوج بغيره ليساعدها في رعايتنا، كانت فخورة بأبي فصانت عشرته الطيبة لها، لطالما حدثتنا عن أبي وجهاده ضد قوات الاحتلال الصهيونية، لقد علمتنا معنى الجهاد والتضحية، وزرعت فينا الحب لله والرضا بقضائه، لم تشعرنا يومًا بأننا أقل من غيرنا بل كانت تبث فينا الفخر والاعتزاز لأننا بنات شيخ مجاهد أسير للقضية الفلسطينية وتتابع: ما زالت نصائحها عالقة في ذهني.. صدى صوتها ما زال يهمس في أذني بالصبر والصمود والفخر لا الخنوع والإذلال.
خرج صلاح شحادة من السجن وما هي إلا شهور حتى اندلعت انتفاضة الأقصى وأصبح القائد المحرر مطاردًا من جديد.. إلا أنه لم يأبه بالتهديدات التي حاصرته واستمر في جهاده المتميز ضد قوات الاحتلال وكان أقرب رفاقه إليه في عمله الجهادي أحمد الجعبري المطلوب الثاني لقوات الاحتلال.. وقد دفع حب شحادة الشديد للجعبري إلى التصريح المباشر له بالرغبة في مصاهرته.. إلا أن صغر سن بنات الشيخ شحادة الثلاث اللواتي لم يتزوجن بعد جعل التعبير الصادق مجرد أمنية قد تتحقق لاحقًا.
مر الوقت وحدثت المجزرة البشعة التي استشهد فيها الشيخ شحادة ومجموعة من الفلسطينيين، وأصبحت رحمة وأختها وحيدتين، تتكاتف الجهود لتزويج كل منهما رجلًا يعينهما على الحياة بعد فقدان أمهما وأبيهما وأختهما، واشترطت رحمة أن تتزوج بمجاهد كأبيها الشيخ الشهيد صلاح شحادة، وكان أحد أبرز المتقدمين لخطبتها محمد أحمد الجعبري بِكْر المجاهد أحمد الجعبري المجاهد المقرب من الشيخ شحادة والذي تمنى مصاهرته قبل استشهاده وتمت الموافقة بإرادة الله العلي القدير، فوجدت رحمة في هذا الشاب المسلم الأب والأم والعائلة بل بات هو كل شيء بالنسبة لها.
وبعد مرور خمس شهور على استشهاد الشيخ صلاح شحادة كان يوم العرس تقول رحمة كان «العرس متميزًا جدًا.. سار الموكب في شارع الشجاعية.. ووقف آلاف ينظرون إلى هذا الموكب المهيب الذي كان يسير فيه الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والكثير من القادة». وتضيف: كان حقًا زواجًا رائعًا.. أتذكر كيف كنت أشكو إليه كل شيء حتى أنني كنت أشكو نفسه إليه فيتقبل كل شيء.. يا الله كم كان ذا صدر رحب.. لقد جند كل حياته من أجل الجهاد في سبيل الله، كان حريصًا كل الحرص على عدم التقصير في أموره الجهادية حتى لو جاءت على حساب راحته.
وتتكلم رحمة عن محمد الأب لطفل ذي سبعة شهور فتقول: كان يرسم حياة أطفالنا فيقول لي: عندما أستشهد احرصي على كذا وكذا فيما يتعلق بتربية أحمد وأخيه الذي كان لم يولد وقت استشهاده.. ورغم تهديدات واعتداءات الاحتلال علينا إلا أنني لم أشعر يومًا بالخوف.. كان محمد يغمرني بالحب والعطف والأمان.
يوم الشهادة
في يوم استشهاد محمد أحست رحمة بوعكة صحية فأصر زوجها على اصطحابها للطبيب الخاص بها كونها حاملًا في الشهر الخامس، وما إن انتهت زيارة الطبيب حتى كان آخر مشوار يخرج فيه الزوجان سويًا. تقول رحمة: «كنت آكل أنا وأنظر إلى محمد فأراه ينظر إلي ولا يأكل فأطلب منه أن يأكل.. فهو لم يذق الطعام منذ الصباح، فينظر إليَّ بصمت ثم بدأ يذكر لي أسماء أصدقائه الشهداء ثم أخذ يذكر مرتبة الشهيد في الجنة ويدعو الله أن يستشهد ويلحق بالركب.. ورغم حزني الشديد لذلك فكنت أعلم مدى إصرار محمد على الجهاد في سبيل الله وأن أسمى أمانيه الموت في سبيل الله».
وتتابع: كنت أعلم أن الله لن يرد دعاءه... فما كاد ينهي دعوته إلا وعلا صوت الحق مؤذنًا لصلاة المغرب حينها تيقنت أن الله سيستجيب له، لكني لم أكن أعلم سرعة استجابة الدعاء». ذهبا إلى البيت وقد لجأت رحمة إلى الفراش لتستريح قليلًا ونزل هو يتفقد رفاقه المقاومين في الخط الشرقي بالشجاعية تقول رحمة: «ما إن مرت نصف ساعة حتى جاء مسرعًا إليَّ وأنا نائمة وأخذ ينادي برفق: «رحمة أفيقي.. انظري إلي.. انظري.. انظري إلي استغربت الأمر كثيرًا وبقيت أنظر إليه وأنا صامتة لا أتكلم ثم سألته: ما بك يا محمد» ثم نزل إلى ساحة البيت.. وما هي إلا دقائق حتى اهتز البيت من وقع الانفجار ... لقد استشهد محمد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل