العنوان وقفة تربوية.. اعتزال أو اختراق (١)
الكاتب أبو بلال
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 63
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 09-مارس-1993
هل نعتزل المجتمع، ويعيش كل منا وحده وبين أسرته وإخوانه الذين يسيرون على دربه المستقيم الذي اختاره امتثالًا لأمر الله تعالى، وإذا ما سنحت فرصة للقاء بأحد أعضاء المجتمع الذي نعيش فيه نقوم بواجب الدعوة والتذكير؟
أم نخترق المجتمع، ونحتك بجميع فئاته
وشرائحه، ونُبلِّغ الدعوة للقريب والبعيد، ونكسر الأبواب المؤصدة لإيصال كلمة الله
تعالى لكل الناس ولإقامة الحجة عليهم قبل أن يحتجوا بتركهم وعدم تبليغهم يوم العرض
الأكبر؟
لا شك أن الاعتزال أسهل بكثير على
النفوس ويبدو للوهلة الأولى، ولأصحاب النظرة السطحية، أنه أبعد عن الفتنة وأقرب
للثبات وزيادة الإيمان وازدياد الصلة بالله تعالى، ولذلك فإن الغالبية من الدعاة
تفضل هذا الأمر. والاختراق صعب على النفوس التي اعتادت على الخير، وبالاحتكاك بأهل
الخير، واغتنام الأوقات بقراءة القرآن والصيام والقيام، وقراءة الكتب الإيمانية
وتلقي العلم قراءة أو على أيدي العلماء في حلقات العلم والذكر، وما شابهها من
القربات.
ومصدر الصعوبة الرئيسي هو:
- أولًا:
الخوف من الفتنة والسقوط بعد الهداية.
- ثانيًا:
الخوف من فقدان الشعور الإيماني والذي لا يقدر بثمن أو قيمة توجد على الأرض.
- ثالثًا:
الخوف من فقدان الأوقات التي كانت مخصصة لبعض القربات.
- رابعًا:
الخوف من الفشل في التجربة.
- خامسًا:
الخوف من التعرض للمهانة والسب والأذى من الآخرين حين دعوتهم.
- سادسًا:
الخوف من التنازل في بعض القيم والمبادئ استدراجًا من الشيطان للفتنة.
وكل هذه المخاوف ليست مبررات للقعود
والتخلي عن المجتمع، ذلك لأن تركنا للمجتمع دون اختراق يسبب الكثير مما يغضب الله
تعالى.
أبو
بلال
ورد في صفحة المجتمع التربوي من هذا العدد:
التوبة
نحن نعيش في زمان بَعُد فيه كثير من
الناس عن دين الله، فعمت المعاصي وانتشر الفساد حتى ما بقي أحد لم يتلوث بشيء من
الخبائث إلا من عصم الله.
ومصيبة كثير من الناس أنهم يعصون
الله بأنواع الذنوب ليلًا ونهارًا، ومنهم طائفة ابتلوا باستصغار الذنوب، فترى
أحدهم يهون في نفسه بعض الصغائر فيقول مثلًا: وماذا تضر نظرة أو مصافحة أجنبية؟
ويستهينون بالنظر إلى المحرمات في
المجلات والمسلسلات. فإذا علمت هذا الواقع المر فاقرأ الحديث التالي:
- عن
أنس رضي الله عنه، قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر،
كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». ولو تعلم
هذه الفئة المستهينة في تلك الأمور خطورتها لأقلعت عنها فورًا.
وقد ذكر أهل العلم أن: «الصغيرة
قد يقترن بها من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف من الله مع الاستهانة بها ما
يلحقها بالكبائر بل يجعلها في رتبتها. ولأجل ذلك لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة
مع الاستغفار».
ونقول لتلك الفئة المستهينة: لا تنظر
إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيته. التوبة هي شيء عظيم ولها مدلولات عميقة
لا كما يظنها الكثير ألفاظًا باللسان ثم الاستمرار بالذنب.
ولعظم التوبة فإن لها شروطًا:
1. الإقلاع عن الذنب
فورًا وتركه يجب أن يكون لله فقط.
2. الندم على ما فات.
3. العزم على عدم العودة.
4. إرجاع حقوق من ظلمهم،
أو طلب البراءة منهم.
وهناك كثير من الناس يريدون التوبة
ولكن يترددون خشية أن الله لن يغفر لهم، فهنا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ﴾ (الزمر:٥٣).
فيجب أن يكون اليقين الكامل برحمة
الله وغفرانه لجميع الذنوب عندما تقلع عنها تمامًا. وإلى كل من يجد صعوبة أن يغفر
الله له فواحشه المتكاثرة هذا الحديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ
يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ
مُهَانًا. إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ (الفرقان: ٦٨- ٧٠).
فلا تتردد أخي المسلم وأختي المسلمة،
لو تعرفون طعم التوبة ولذتها والله لسارعتم وأكثرتم من فعل الحسنات والطاعات لأن
لها حلاوة لا يشعر بها إلا الذي جربها ومنّ الله عليه بالتوبة.
فهيا لنقوم ونصلي ركعتين فيهما
الخشوع ثم نستغفر الله، وابدأوا حياة جديدة وأقلعوا عن مشاهدة المجلات والمسلسلات
الماجنة وسماع الموسيقى وغيرها من الأمور التي تغضب الله، وسارعوا لحضور حلقات
الذكر، وإنني على يقين، عندما تأتي أي مصيبة لأحد منكم سوف ينظر إليها بأنها صغيرة
وزائلة، ولو تعرفون عن أجر المؤمن عند المصائب والصبر عليها وبأن الجنة قد حُفت
بالمكاره والنار قد حُفت بالشهوات لفرحتم بتلك المصيبة بدل الحزن منها.
إن للتوبة «باب عرضه بين المشرق
والمغرب» لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها.
ونادى الله: «يا عبادي إنكم
تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم». والله
ما أحلى قول التائب: «اللهم أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، وأسألك بقوتك وضعفي،
وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير
وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وأبتهل
إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الوَجِل، سؤال من خضعت لك رقبته
ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه».
فأقول هنا لأختي المسلمة: توبي
إلى الله من ذنوبك فإنها كثيرة، التبرج ذنب والسفور ذنب وإيداع راتبك في بنك
ربوي ذنب والضحك والتصنع بالكلام مع البائع في السوق ذنب والعمل مع الرجال ذنب
والنظر إلى ما حرم الله وعدم غض البصر ذنب، فانظري كم ذنب ترتكبين في اليوم
الواحد. واعلمي أن الله لا يتخلى عن عبده إذا جاءه مقبلًا عليه تائبًا إليه، فلا
يسوء ظنك بالله فإنه أرحم عليك من والديك.
فهيا أختي المسلمة سارعي إلى فعل
الخيرات وترك المنكرات وكسب الحسنات ورفقة الصالحات، وحذار حذار من الزيغ بعد
الرشاد والضلالة بعد الهداية، والرجوع عن التوبة عند المصيبة، بل قولي: «اللهم
أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها».
شكوت
إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى
ترك المعاصي
وأخبرني
بأن العلم نور ونور الله لا
يهدى لعاصي
وضحة أحمد المضف -
الكويت
فقه الموازنات
جاسم المطوع
أحيانًا يحتار الداعية إذا عرضت عليه
الأعمال وفيها مصالح ومفاسد، فيحتار فيما يقدم ويؤخر! وعلى أي أساس يقدم ويؤخر!
وأين المصلحة الشرعية في ذلك؟! أسئلة كثيرة تفوت على الدعاة البسطاء الذين يحركهم
حماس النصوص أكثر مما يحركهم أثر النصوص.
فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد
حذف البسملة من العقد الذي كتبه في صلح الحديبية عندما طلب الكفار منه ذلك وكتب «باسمك
اللهم» كما أملوا عليه، ومحا وصف الرسالة من عقد الصلح واكتفى باسم «محمد بن
عبدالله» لا «محمد نبي الله ورسوله».
من يستطيع أن يوازن بين هذه الأمور
ومصلحة الدعوة فيتخذ مثل هذه القرارات التي في ظاهرها ضعف للدعوة والحركة وفي
باطنها «فقه الموازنات»؟ لا شك أنها عقلية متطلعة إلى المستقبل وتستطيع أن تزن
الأمور. ولهذا اعترض عمر رضي الله عنه عليها، ولكن أبا بكر أمره بإلزام غرز النبي،
لأنه يدرك أشياء لا ندركها نحن منبعثة من فقه الموازنات.
ونحن في هذا الزمان نحتاج إلى هذا الفقه في العملية التربوية والدعوية،
ونقدره في أعمالنا كما قدره هارون عليه السلام عندما قال لموسى بعد عودته إليه
ورؤيته الانحراف في قومه: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا
بِرَأْسِيۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه:٩٤).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل