; الأخيرة: مفهوم التوحيد | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة: مفهوم التوحيد

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009

مشاهدات 57

نشر في العدد 1846

نشر في الصفحة 66

السبت 04-أبريل-2009

يقول الشاعر والفيلسوف الباكستاني «محمد إقبال»: «حين أتذكر أني مسلم أرتعد لأني أعرف جيدًا تبعات الإيمان بـ «لا إله إلا الله».. هذه رؤية بصيرة لمفهوم الانتماء الإسلامي الذي يتمحور عند كلمة التوحيد التي تضع المسلم في حالة استنفار دائم.. إنذار من الدرجة القصوى لملاحقة كل الصيغ الخاطئة والخبرات الملتوية والضلالات التي تسعى لطمس تألق التوحيد في عقله وروحه ووجدانه.. والإبقاء على هذا المصباح الأخضر متوهجًا وضيئًا قديرًا على إنارة الطريق، وتحديد الصراط وحماية الإنسان من الانزلاق باتجاه الطرق المعوجة التي تقوده إلى الضياع..

إن تكرار عبارة «لا إله إلا الله» على الألسنة دون أن تمضي لكي تمس شغاف القلوب أفقد هذه الحقيقة الكبرى الكثير من تألقها وتوهجها، وغطى على الكثير من دلالاتها التي إذا ما أدركها الإنسان المؤمن وتعامل معها بالجد المطلوب فإنه سيعيد تشكيل وجوده من جديد، وسيضع نفسه في حالة تيقظ دائم وتوتر روحي موصول، يمكنه ليس من التوحد والائتمان الذاتي فحسب؛ بل يمنحه طاقة هائلة في التعامل مع الخارج وإعادة صياغته بما يجعله متوافقا مع نبض التوحيد. 

إنني أتذكر هنا عبارة المفكر الفرنسي «المسلم» رجاء جارودي في كتابه القيم «وعود الإسلام»: «لا إله إلا الله هذا الإثبات الأساسي للإيمان الإسلامي القادر على تحويل الجبال عن مواضعها والذي يعني الكثير على مستوى مستقبل البشرية». 

وأتذكر - كذلك - عبارات المفكر الإسلامي الدكتور «إسماعيل الفاروقي» «يرحمه الله» في كتابه «جوهر الحضارة الإسلامية»: «التوحيد هو الذي يعطي الحضارة الإسلامية هويتها، ويربط بين أجزائها، ويطبع كل ما يدخل إليها من عناصر فيؤسلمها ويطهرها، فتخرج من عبورها في التوحيد متجانسة مع كل ما حولها.

 قديمًا وحديثًا كتب مفكرونا آراءهم في جميع الميادين تحت عنوان التوحيد؛ ذلك لأنهم رأوا فيه المبدأ الأكبر الذي يشمل جميع المبادئ الأخرى، ورأوا فيه القوة الكبرى التي تفجرت عنها جميع المظاهر المكونة للحضارة الإسلامية..

«التوحيد» هو الشهادة عن إيمان بأن «لا إله إلا الله» هذه الشهادة السلبية في مظهرها والمختصرة اختصارا لا اختصار بعده تحمل أسمى المعاني وأجلّها. فإذا أمكن التعبير عن حضارة برمتها بكلمة واحدة، وإن أمكن صب كل الثراء والتنوع والتاريخ في أبلغ الكلام - وهو أقصره طولًا وأكثره دلالة - كان هذا في «لا إله إلا الله» عنوانًا للتوحيد، وبالتالي للحضارة الإسلامية».

وفي ضوء هاتين الرؤيتين النافذتين لمفهوم التوحيد يمكن أن ندرك البعد الحقيقي لهذا المفهوم، وندرك معه مغزى عبارة «(إقبال» آنفة الذكر: «حين أتذكر بأني مسلم أرتعد؛ لأني أعرف جيدًا تبعة الإيمان بـ «لا إله إلا الله»».

إننا كمسلمين نملك كنزًا غاليًا لا يقدر بثمن.. درة فريدة هي الوحيدة من نوعها في العالم.. إنها حقيقة التوحيد التي يتمحور حولها ويتنامى المعمار الإسلامي في اتجاهاته كافة.. يتعالى في البناء وهو يحمل نبض هذه الحقيقة، ويتشكل بقوتها التي لا يصدها شيء في هذا العالم.

ونحن الأمة الوحيدة في الدنيا من قدر لها أن تحمل أمانة التوحيد، وتحميها من كل صيغ الشرك الخفية والمعلنة.. وهي مهمة ثقيلة، لكن المسلمين - في معظم الأحيان - ظلوا أكفاء لها والحمد لله..

وسيجيء اليوم الذي يرنو فيه العالم الضائع إلى كلمة الخلاص التوحيد لكي ينقذه من كل صيغ الابتزاز والاستلاب.. يحرّره من كل أنماط الطاغوتيات، والربوبيات الزائفة.

يفك ارتباطه المذل بالحتميات والقهريات.. ويخرج به من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. ولن يكون ذلك إلا بـ «لا إله إلا الله».. وسيجيء ذلك اليوم حتما يقينا سيجيء!!

الرابط المختصر :