; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (26) الأخ الداعية عبد الرحمن الجودر | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (26) الأخ الداعية عبد الرحمن الجودر

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 53

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 24-يونيو-1997

هو الأخ الحبيب صاحب القلب الطيب والخلق الدمث، والعمل الهادئ، إنه الشاب الصالح الذي نشأ في طاعة الله، وتربى في حجر الإسلام، ونهل من معارفه وتخلق بأخلاقه، حيث كان أول طالب بحريني يلتقي بالإمام الشهيد حسن البنا بمصر حين ذهابه للدراسة في الكلية الصناعية عام ١٩٤٦م. فقد تأثر بالإمام البنا وبتلامذته وأعجب بمنهجه وأسلوبه في الدعوة إلى الله فانخرط في سلك العاملين من الإخوان المسلمين بأرض الكنانة.

وعاد بعد تخرجه يحمل فكرة الإخوان المسلمين إلى البحرين ينشرها في أوساط الشباب، ويخاطب الجماهير بها، ويربي طلبة المدارس عليها بإعتبارها الحركة الإسلامية الرشيدة في هذا العصر الملتزمة بمنهج الإسلام المستقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة، وكان عمله في المدارس كمدرس ومدير يتيح له التحرك بالدعوة إلى الله في أوساط المدرسين والطلبة وأولياء أمورهم وكانت سيرته العملية وأخلاقه الفاضلة مما يحببه إلى الناس ويقربهم منه فيتقبلون نصحه وإرشاده ويتأثرون بأفكاره الإسلامية الرشيدة. وكان داعية مخلصًا في دعوته، سمحًا في معاملته يألف ويؤلف، يسعى في قضاء حوائج الناس وحل مشكلاتهم وتقديم العون المستطاع لمن يحتاج إلى العون وينشر الكتاب الإسلامي ويتعهد الطلبة والناشئة بالتربية الإسلامية.

يقول عنه أبو عزة في كتابه «مع الحركات الإسلامية في الدول العربية»: كان الأخ عبد الرحمن الجودر هو الأنشط والأكثر دأبا في العمل للدعوة الإسلامية ، ورغم كثرة المسؤوليات، فقد كان زوجًا وأبًا لعدد من البنين والبنات، وكان ناظر مدرسة ابتدائية في قرية عراده بينما كان بيته وسكنه في مدينة المحرق وكان من مظاهر نشاطه الفائق الجهد الذي صار يبذله في تجميع الإخوان للالتقاء، حيث يستعير سيارة يقودها ويجمع إخوانه بعد صلاة العشاء من بيوتهم المتناثرة في أربع من مدن وقرى البحرين، فإذا انتهى لقاؤهم أعاد كلًا إلى بيته وقليلًا ما كان يتركهم يعودون بأنفسهم».

دور المدرسين المصريين

وكان للمدرسين المصريين من الإخوان المسلمين الذين عملوا بالبحرين دورهم الأساسي في نشر فكرة الإخوان المسلمين ومبادئهم حيث تجاوب الناس معهم لما رأوا فيهم من الإخلاص في تدريس أبنائهم، والحرص على مصلحتهم، ولما كانوا يتمتعون به من أخلاق فاضلة ومعاملة طيبة فضلًا عن الوعي السياسي الناضج لما يحيط بالإسلام والمسلمين من أخطار نتيجة الاستعمار وأعوانه من المبشرين النصارى الذين كان لهم دور نشط مبكر في منطقة الخليج منذ زار البحرين القس زويمر المبشر الأمريكي المشهور عام ١٩٠٥م وأرسى قواعد التبشير في المنطقة وبخاصة البحرين من خلال  المدارس والمستشفيات والخدمات الاجتماعية في ظل الحماية البريطانية التي كانت تبسط نفوذها على البحرين ودول الخليج.

ولقد كان لهذا العمل المبارك والجهاد الدؤوب من الأخ الجودر وإخوانه جاسم الشيخ، وعيسى الخليفة الدور الأساسي في توعية الشباب المسلم لينهض بدوره في الحياة أي عبادة الله على بصيرة والتصدي لأعداء الإسلام الذين يكيدون للإسلام والمسلمين ويبذلون جهودهم لإخراج المسلمين من دينهم وصرفهم عن طريق الحق والخير والهدى والرشاد.

ولقد مرت بالبحرين عواصف هوجاء من الأفكار القومية والناصرية والعلمانية واليسارية فسقط في بؤرتها من سقط وغرق في حمأتها من غرق، وعافى الله أبناء الإسلام في البحرين من تلامذة الجودر وإخوانه، فصمدوا كالطور الشامخ أمام هذه الأعاصير الهوج، والعواصف المدمرة التي اجتاحت العالم العربي كله ومنه دول الخليج، وكانت البحرين في مقدمة من تعرض للفتن والاضطرابات والنزاع والمشاحنات وعمل بعض المفسدين من دعاة الشرق والغرب على حد سواء على استدراج الإخوان المسلمين إلى أتون هذه الفتنة الخاسرة ولكن الله سلم بفضل الحكمة والسداد اللذين تحلى بهما الإخوان في البحرين وعلى رأسهم الأخ العامل المجاهد عبد الرحمن الجودر، وظلوا على منهجهم التربوي وأسلوبهم الدعوي والتزامهم الخلقي مما أفشل خطط تلامذة الاستعمار وسماسرة السياسة وأصحاب المطامع والشهوات من دعاة الهدم والتخريب الذين أرادوا إغراق البلاد في بحر من الفوضى والاضطراب والتدمير والتخريب وهلاك الحرث والنسل.

واستمر الإخوان المسلمون ينشرون دعوة الإسلام ويربون الشباب عليها ويسلكون كل الوسائل المشروعة لبذل النصح والإرشاد والتقويم والإصلاح ويقيمون المشاريع النافعة للأمة من المساجد والمدارس والمكتبات والأندية التي هي محاضن للجيل المسلم ومجال خصب لتعميق معنى الأخوة الإسلامية بينهم دون النظر إلى الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة، لأن رابطة العقيدة هي أقوى الروابط كلها حيث تجمع المسلمين على كلمة و لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيعيش المسلمون في بقاع الأرض كلها أمة واحدة ربها واحد وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، فهي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

ولقد شرفت بالتعرف عليه بعد تخرجي من الأزهر أوائل الخمسينيات، كما سعدنا باللقاء به في أماكن شتى في البحرين وبلاد الشام والعراق والسعودية وزارنا مرات ومرات في الكويت بمكتبة  المنار وجمعية الإصلاح، وديوانية الجمعة وجمعية النجاة، وكنت ازداد حبًا لهذا الرجل وإعجابًا بأخلاقه وعمله الصامت، وجهاده الدؤوب، وبساطته وتواضعه وحسن حديثه، وطريقته في الدعوة الفردية والجماعية ومعايشته لمشكلات الناس وبذل الجهد الحثيث لإصلاح ذات البين والمشي في حاجات المسلمين وقضائها والنصح لأولي الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة للمخالف في الرأي بالأسلوب الحكيم والمنهج السديد وضرب الأمثلة، وتقديم الإرشاد المصحوب بالدليل لإقناع المخالف، وكانت خطبه ومواعظه ودروسه ومحاضراته في المساجد والمدارس والأندية والمؤتمرات تمثل المنهج الإسلامي الأصيل المستقى من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة.

إصلاح ذات البين

ولست أنسى له مواقفه في إصلاح ذات البين بين المجاهدين الأفغان، حيث كان مع إخوانه من البلدان العربية والإسلامية يسلكون كل السبل لجمع الكلمة وتوحيد القلوب لقادة المجاهدين الذين كانوا على جلالة قدرهم في الجهاد ومضاء عزيمتهم في الجلاد وصبرهم في القتال تنقصهم اليقظة لمكائد الأعداء ومعرفة الدخيل من الأصيل في تلك الحرب الضروس.

كما كان عضوًا برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة من خلال مجلسها التأسيسي والمجلس الأعلى العالمي للمساجد، وقد شارك في تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت، وهو من مؤسسي نادي الإصلاح وجمعية الإصلاح ومكتبة الثقافة بالبحرين.

كما كان كثير الرحلات والأسفار للبلاد العربية والإسلامية للالتقاء بإخوانه الدعاة العاملين في الحقل الإسلامي والمشاركة في كل ما من شأنه مصلحة الإسلام والمسلمين.

ولقد امتحنه الله فكان نعم العبد الصابر على البلاء في بدنه وماله، وظل على وفائه لدعوته ومحبته لإخوانه يكثر الدعاء لمشايخه وأساتذته الذين كان لهم الفضل - بعد الله - في دلالته على طريق الدعوة الإسلامية والسير في ركاب حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة التي تعمل جاهدة لنشر الإسلام وإبلاغ دعوته للناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها متحملة كل المغارم في سبيل الله وابتغاء مرضاته متصدية للمستعمرين وأعوانهم وأذنابهم من الصهاينة والشيوعيين والعلمانيين مرخصة الغالي والنفيس للذود عن حياض الإسلام والتصدي للطغاة والبغاة أينما كانوا وحيثما وجدوا.

لقد صمد الإخوان المسلمون أمام كل الدعوات الباطلة والمؤامرات الكبرى التي تريد تقطيع الوطن الإسلامي واحتلاله فجاهدوا اليهود في فلسطين عام ١٩٤٨م وجاهدوا الإنجليز في قناة السويس عام ١٩٥١م واستشهد منهم المئات هنا وهناك، كما انتصبوا كالطود الأشم أمام الطاغوت الفرعوني الذي جاء به الغرب لحرب الإسلام وضرب الحركة الإسلامية المتنامية بمصر فما لانت لهم قناة ولا وهن لهم موقف بل صبروا وصابروا ورابطوا وقدموا التضحيات الجسام في الزنازين وعلى أعواد المشانق وبذلوا مهجهم وأرواحهم في سبيل الله فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا ولم يقدموا التنازلات ولا استسلموا للمغريات بل ثبتوا بتثبيت الله وصبروا بتصبير الله فكانت العاقبة خيرًا، حيث لقي الله من اختارهم شهداء وبقي منهم من مازال يحمل أمانة الدعوة إلى الله ويهتف بالله غاية، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن دستورًا، وبالرسول قائدًا، وبالجهاد سبيلًا، وبالشهادة أمنية، ومن هؤلاء الأخ الداعية عبد الرحمن الجودر ولا نزكيه على الله لكن نحسبه كذلك والله حسيبه.

لقد غادر دنيانا الفانية إلى الدار الآخرة، حيث رحمة الله التي وسعت كل شيء وكان ذلك يوم 24/1/1989م وهو اليوم نفسه الذي استشهد فيه البطل القائد عبدالله عزام رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وبارك في ذريته وثبت تلامذته وإخوانه على دين الحق ودعوة الصدق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1197

112

الثلاثاء 23-أبريل-1996

المجتمع التربوي (1197)

نشر في العدد 1431

104

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

المجتمع المحلي.. عدد 1431

نشر في العدد 1526

58

السبت 09-نوفمبر-2002

فتاوي المجتمع: المجتمع (1526)