العنوان الأستاذ راشد الغنوشي يكتب للمجتمع: ألا تكفي إسرائيل واحدة في المنطقة العربية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 811
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 31-مارس-1987
على
أنقاض بقايا الكيان السياسي الإسلامي أعني الخلافة العثمانية، وفي إطار أنظمة التجزئة والتبعية التي أحلها الغرب محلها على أساس أيديولوجية منبثة عن ثقافة الجماهير ومصالحها، وفي مرحلة متوسطة من التدمير الغربي لأمتنا تهيأ المناخ لاستنبات النواة السرطانية «إسرائيل» في قلب وطننا العربي والإسلامي، وذلك ضمن المخطط الغربي في مواصلة عمله التدميري وإجهاض كل محاولات أمتنا في النهضة والتقدم على أساس من الهوية الذاتية والوحدة.
ولقد كان واضحًا للغرب أن نمو هذا الجسم الغريب؛ حتى يستوي على سوقه متوسعًا على حساب محيطه، وقيامه بمواصلة خطة التدمير الغربي وإجهاض محاولات النهوض، لا يمكن إنجازه دون أنصار وعملاء محليين وأعوان وشركاء خارجيين، فتولت الدول الكبرى، وعلى رأسها الشيطان الأمريكي والدب الروسي القيام بالمهمة الأخيرة. أما المهمة الأولى مهمة العملاء فقد تمثلت بإبقاء الجماهير في حالة هلع وفقر وجهالة وتمزق، وقد تولت إنجازها بنجاح كبير بعض الأنظمة السياسية العربية على مختلف توجهاتها، وكأن ليس لها من عمل غير الدأب على سحق تطلعات شعوبها.
ومن اليسير تلمس هذه الحراسة الداخلية لأمن إسرائيل ومصالح الغرب التي تؤديها بفاعلية بعض الجهات، وبلغت المأساة إلى حد انبعاث الحنين إلى مستعمر الأمس، فقد تناقل الناس في إحدى مناطق الجنوب عن أحد الأعراب، وهو يرى سيارة سياحية تطل منها وجوه شقر، فلوح إليهم قائلًا: طال عنا غيابكم يا أهل الوجوه المليحة، فمنذ فارقناكم لم نر خيرًا!!
غير أن ما أنجزته أخيرًا باسم الإسلام –وهو منها براء- منظمة «أمل» من بطولات نادرة في تدمير المخيمات على من فيها من أطفال ونساء وقتلهم أو إسلام من نجا منهم إلى الشتاء الزمهرير، يفترشون ثلوجه متدثرين بالصقيع والرعب. إن ما أقدمت عليه أمل بمباركة إسرائيل والنظام الدولي وعملاء المنطقة يكاد يطغى على مسلسل الرزايا مسلسل «النهضة العربية المعاصرة».
وكل ذلك يؤكد المهام الحقيقية للأنظمة العربية والأحزاب والمنظمات المتحالفة معها ضمن الإستراتيجية الدولية في المنطقة، المتمثلة في القيام بكل فاعلية على وأد كل محاولات التحرر.
واكتشاف الذات والوحدة تكريسًا للتجزئة والتحلل والتخلف؛ حتى تظل المنطقة أبدًا مجالًا حيويًا للنفوذ الغربي وحليفة إسرائيل.
- لابد من تصفية السابقة الفلسطينية
يلحظ المتتبع لتاريخ المقاومة الفلسطينية –مثلًا- منذ أن حاولت الإفلات من قبضة الحماية الداخلية لأمن إسرائيل، يلحظ أن الفلسطينيين منذ عملوا على تسلم القضية بأيديهم، وحملوا السلاح في وجه النظام الدولي وممثله إسرائيل؛ حتى جوبهوا بتصميم حازم من طرف بعض الجهات لا يقل عن تصميم إسرائيل على سحب البندقية من أيديهم، متوسلين بشتى وسائل القمع والدهاء والخداع، ليس أقلها العمل على تمزيق وحدتهم، ذلك أنه على ممثلي النظام الدولي في المنطقة أن يقوموا بدورهم على أمثل وجه في حماية إسرائيل والمصالح الغربية، وإجهاض كل محاولات رفع تلك الوصاية، وذلك كثمن ضروري لاستمرار حكمهم ومواصلة دعم الغرب لهم.. ولقد رأينا تداولًا دقيقًا لا يختلف –على القيام بذلك الدور في قمع النتوء الفلسطيني. وما اجتاح النظام الدولي ممثلًا في إسرائيل أو شركائها إلى التدخل المباشر في أداء هذه المهمة إلا لماما، وان ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية من إصرار عنيد على تجريد الفلسطينيين والمنظمات الإسلامية في طرابلس؛ ليعكس بجلاء المخطط الدولي في تجريد الفلسطيني من سلاحه؛ مخافة أن يتحول إلى ظاهرة تمتد إلى الهشيم العربي فيلتهب.
إن السلاح ينبغي أن يظل دائمًا بعيدًا عن أيدي الجماهير محتكرًا بيد حراس النظام الدولي في المنطقة؛ ليؤدي مهمته بكفاءة في إرهاب الجماهير ووأد تطلعاتها في التصدي لإسرائيل وشركائها وعملائها. إن وجود السلاح بيد فصيل شعبي مناضل مثل المقاومة الفلسطينية كفيل بتسربه في كل مكان، فيتحول إلى نهج في المقاومة والتحرر والنهضة.
وأن ما يجري من جهة أخرى على الساحة اللبنانية ليس صورة مصغرة للوضعية المستقبلية المخططة للوضع الإسلامي والعربي منه بشكل خاص.
أنه لابد من دفع تيار التحلل والتمزق والشقاق والعداوات والفتن على كل صعيد كفًّا للشغب عن إسرائيل، وتمهيدًا لقيام إمبراطوريتها على أنقاض حضارة العرب والمسلمين. وهكذا لم يكن القضاء على الخلافة العثمانية بما كانت عليه من سلبيات إلا الخطوة الأولى في تزوير عالم الإسلام والعروبة. لقد ضربت الخلافة باسم القوميات ومنها العروبة، ثم ضربت العروبة باسم الإقليميات، ثم ها هي هذه تضرب باسم الطوائف العرقية والدينية، وكانت البداية للبنان؛ لأنه بحكم تركيبته أضعف الحلقات، والبقية على الطريق.
- الاعتبار بالمحنة قبل استفحالها
إنه أمام الضباب الكثيف الذي دأب على بثه أخطبوط الإعلام الدولي وعملاؤه في المنطقة؛ حتى لتكاد الرؤيا معه تستحيل، فتختلط الألوان والأحجام، وينقلب سلم القيم رأسًا على عقب على نحو يتعذر التمييز معه بين الخير والشر، والوطني والعميل، والتقدمي والرجعي، والمخلص والخائن، والمسلم والكافر، نحتاج إلى أوتاد لتثبيت الأرض التي تميد من تحتنا، وليس إلى ذلك من سبيل إلا بالاتفاق على مقاييس واضحة كفيلة بأن تتكسر على صفحتها كل مغالطة وتضليل، وينكشف أمامها كل زيف.
1- إن التفوق الإسرائيلي لا يتأتى فحسب من الدعم الخارجي والتطور التقني قدر ما هو ثمرة لما هو متحقق في المجتمع الإسرائيلي؛ مما يحاول ترميم الشخصية.
2- إن الكيان الصهيوني لئن توجهت صدمته الأولى لأهل فلسطين، فإنه يمثل خطرًا حضاريًّا ماحقًا على كيان العرب والمسلمين والشعوب المستضعفة والإنسانية عامة، فلا مناص لطلاب النهضة والتحرر والوحدة من الإسلاميين وسائر الأحرار أن يجعلوا قضية تحرير فلسطين القضية المركزية في نضالهم وتحالفاتهم؛ إذ لا أمل في تحقيق التحرر السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي في ظل التعايش مع الكيان الصهيوني. أن معركة أمتنا معه معركة بقاء، خاصة وأن الأيديولوجية الصهيونية بطبيعتها لا تقبل هذا التعايش؛ لأنها تنطلق من أيديولوجية التوراة والتلمود، كما حررهما الحاخامات، وهي طافحة بمبدأ نفي الأخرة.
خلافًا لأيديولوجية الحضارة العربية الإسلامية القائمة على الإقرار بتعدد الشعوب والثقافة والدعوة إلى تعارفها.
3- إن الفلسطينيين -وهم الصف الأول اليوم في مواجهة إسرائيل- ينبغي أن يبذل لهم كل عون؛ ليكونوا أقوياء متكتلين حاملين السلاح في وجه الكيان الصهيوني، إن ذلك يمثل هدفًا إستراتيجيًّا لما فيه –على الأقل- من شهادة ناطقة على بشاعة المظلمة، وعلى رفض المعنيين قبل غيرهم –لا المعنيين وحدهم- بالقضية لقبول الأمر الواقع أو التنازل للمغتصب ولو على شيء مما اغتصب. ومن ثم فإنه ما ينبغي ألا نتردد لحظة في اعتبار كل يد تمتد بسوء إلى شعبنا المشرد من فلسطين يدًا آثمةً مجرمةً ضالعةً في تنفيذ المخطط الإمبريالي، إن كل عدو محارب للفلسطينيين لا يمكن إلا أن يكون بوعي أو بغير وعي عميلًا لإسرائيل.
4- إن إسرائيل تمثل خطرًا ماحقًا لا على الأرض والشعب فحسب، بل أكثر من ذلك على وجودنا الحضاري؛ أي على هويتنا التي يمثل الإسلام «عقيدة وشريعة» والعروبة «ثقافة» محورها. إن الإسلام روح العروبة ورسالتها، والعربية حاملها. الأمر الي جعل كل محاولة لاستبعاد الإسلام والثقافة العربية في عملية صياغة الإنسان والعلاقات الاجتماعية أخطر وأفدح الإنجازات التي حققها الوجود الاستعماري في الوطن العربي والإسلامي، ولقد واصلت إسرائيل النهوض بنفس الدور؛ سواء في الأراضي المحتلة؛ حيث حاربت المساجد والمؤسسات التعليمية الإسلامية باعتبارها قلاع الثورة. أو من خلال ما تضمنته معاهدة كامب ديفيد من قيود التطبيع الثقافي من مثل تنقية برامج التعليم في مصر؛ وخاصة الديني والتاريخي منه من كل ما يمس باليهود. ومن نتائج ذلك أن أوقفت التلفزة المصرية منذ مدة حلقات التفسير القرآني التي يقوم بها الشيخ الشعراوي عند تعرضه لشرح الموقف القرآني من المسألة اليهودية؛ وذلك إدراكًا من المخططين الصهاينة لخطر سلاح الدين كعامل توحيد ودافع للفداء.. خاصة بعد أن لمسوا التحول النوعي في المقاومة اللبنانية بما غلب عليها من طابع ديني، فاكتوت بنارها الأساطيل الغربية والوحدات الإسرائيلية، التي كثيرًا ما أرهبت جيوش العرب، وإذا بها تولي الأدبار تجر أذيال الخيبة أمام وحدات فدائية، ليس لها من سلاح يذكر غير الإيمان، ولقد زاد من مخاوف إسرائيل تنامي المد الإسلامي داخل الأراضي المحتلة، وقيام مجموعات فدائية إسلامية، ظهرت بواكير عملياتها البطولية في عملية القدس. كل ذلك فرض على إسرائيل من أجل المحافظة على عالم عربي وإسلامي ممزقين مبعثرين مواصلة الدور الاستعماري في إقصاء الإسلام والثقافة العربية عن مجالات التوجيه والتنظيم، وتشجيع نزوعات التشرذم والانشقاق والطائفية.
والنتيجة التي نخلص إليها من كل ذلك: ضرورة التسليم بأن إحياء مقومات الإسلام والثقافة العربية، وإعادة صياغة الإنسان وعلاقاته على هذا الإساس، هو الطريق الوحيد لإيقاف الزحف الإسرائيلي، وإحباط مخططاته في تمزيق الوطن العربي والإسلامي أسوة بلبنان، واستعادة القدس محور الصراع العالمي المستقبلي.. وفي هذا الطريق تتم تصفية حبال التبعية، والقضاء على التخلف وأوضاع التجزئة، وعوالم القطيعة التاريخية، مما دعي بالحداثة والتقدم.
إن كل توهين لمقومات هذه الهوية العربية الإسلامية وعرقلة أو مصادمة القائمين عليها ليس إلا خدمة مباشرة لأعداء الأمة، وعلى رأسهم إسرائيل.
إن عدو الإسلام –وليس غير المسلم عدوًا بالضرورة للإسلام- لا يمكن بحال أن يكون وطنيًّا مخلصًا أو قوميًّا حقيقيًّا يملك ذرة من غيرة على فلسطين، أو طموح جاد إلى الوحدة أو التحرر السياسي والاجتماعي. فإنما بالإسلام كانت لنا الحضارة، وبالإسلام كانت لنا فلسطين، ويوم أن أقصي الإسلام عن مجال التوجيه والقيادة لحياتنا؛ ضاعت فلسطين، وتكست التجزئة، وارتحلت الحضارة، وأسدل ليل الفساد سدوله على أمتنا.
إنه بدون وضع حد للقطيعة التاريخية التي أحدثها الغزو الاستعماري في أمتنا مع هويتها العربية الإسلامية، لا أمل في وضع حد لحالة الفوضى الفكرية والخلقية والاجتماعية والتمزق السياسي؛ مما أحدثته ثقافة التغريب باسم الحداثة والتقدم، وطريق ذلك التأكيد على مسألة الهوية العربية الإسلامية كإطار ومنطلق وهدف لنهضتنا وضبط مسالكنا وعلاقاتنا، حتى تستعيد الجماهير المبادرة التاريخية والقدرة على المشاركة الفعالة في صنع الإبداع الحضاري. وإنقاذ مركب أمتنا والإنسانية المتداعي بقيادة أيديولوجية الحداثة والتقدم.. أيديولوجية الإنسان المقطوع عن الله أو الإنسان اليتيم، وهو الأيديولوجية التي صدرها لنا الغرب تحت أسماء الحداثة أو التقدم أو القومية والوطنية والاشتراكية، بهدف واحد هو تفتيت كياننا الحضاري، والتمهيد لزرع إسرائيل في قلب وطننا، واستبقاء الظروف الملائمة لإعادة إنتاجها وامتدادها، وسيطرتها النهائية على مقومات وجودنا.
وبدل أيديولوجية الإنسان المقطوع عن الله، المستغني عنه، بل المحارب له وهي أيديولوجية الغرب وإسرائيل جزء منه، يقدم الإسلام أيديولوجية الإنسان خليفة الله. أيديولوجية تكريم للإنسانية وتوحيد لها.. وإقرار للتعارف بين شعوبها، ودفعها إلى التعاون على البر والتقوى.
إنه بدون مراجعة للأيديولوجية التي حكمت حياة العرب منذ مائة سنة على الأقل –أيديولوجية الحداثة ومحاولة لنسج على منوال الغرب، باعتباره أنموذج الحضارة والتقدم، مراجعة جادة على أساس من هويتنا العربية الإسلامية، فسيظل بأسنا بيننا شديدًا، نتقاتل بأسلحة الغرب ولفائدته، وسيظل أهم قانون يحكم حياتنا هو قانون التفتت والتحلل.
إننا نؤمن أشد الإيمان بأن الإسلام هو الذي أعطى للعرب مهامًا رسالية في العالم، أهمها رسالة التوحيد، توحيد الله وأمة المؤمنين به، وتوحيد الشعوب توحيد الدنيا والأخرة. وذلك هو جوهر تراث الأنبياء الذي انتهى إلى المسلمين، فانطلقوا يبشرون به، ويطهرون العالم من مظالم وأرجاس الإمبراطوريات والطواغيت والدجالين، وما أحدث رجال الدين من تحريف وتوظيف شرير لإرث الأنبياء، وفي طريق ذلك كان تطهير القدس وتوحيد معالم الدين –مكة وبيت المقدس- في إطار حضارة التوحيد. ولا سبيل اليوم لتطهير القدس مجددًا قبل أن نتطهر نحن برسالة التوحيد، ونطهر مؤسساتنا وأنظمتنا، ونتهيأ لفتح حضاري جديد. وقديمًا قال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ورغم أن إسرائيل قائمة في كل أرجاء وطننا، وستشهد السنوات القادمة –ربما مزيدًا من الامتداد ويفتضح أكثر فأكثر عجز أيديولوجية التحديث بكل عناوينها- فإن مؤشرات كثيرة تشهد أن ليلنا ستكون له نهاية، وأن صبح الإسلام وانبعاث حضارته التوحيدية على أنقاض عالم التمزق في النفس والمجتمع ليس بالبعيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل