العنوان الأقصى السليب وفلسطين المحتلة
الكاتب د. سالم نجم
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000
مشاهدات 76
نشر في العدد 1412
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-أغسطس-2000
فتحت مدينة بيت المقدس وفلسطين صلحًا على يد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مع البطريرك صفرونيوس سنة ١٥ هجرية بموجب معاهدة صلح سميت «العهدة العمرية» وعندئذ سلم البطريرك مفاتيح القدس إلى أمير المؤمنين ومما جاء في هذه العهدة العمرية:
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ألا تُسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها. ولا من صُلُبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه أمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم.
ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم فإنهم آمنون حتى يبلغوا مأمنهم.. إلخ). شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وما زالت هذه الوثيقة محفوظة في كنيسة القيامة بالقدس.
لقد حافظ المسلمون على مفاتيح القدس منذ استلمها عمر بن الخطاب حتى جاء من المسلمين من فرط فيها بضعف إيمان وخذلان وذل واستسلام ليهود. إن التفريط من جانب المنهزمين لا يقوم حجة على المسلمين أبد الدهر، ولن تحول المعاهدات الاستسلامية دون سعي المؤمنين لتحرير فلسطين وبالوسيلة التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال عصبة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة». هذا الحديث الصحيح بشارة لأهل الإيمان بالنصر المبين إن شاء الله تعالى.
إن شأن الأقصى وفلسطين هو شأن المسلمين كلهم بنص كتاب الله وسنه رسوله وكما جعل لكل مسلم حق وجزء من تلك الأرض المباركة أوجب على كل مسلم النصرة وتحرير الأقصى وفلسطين من أيدي الصهاينة الظالمين مهما تخاذل المتخاذلون أو استسلم المنهزومون، فالحجة قائمة مع الحق وأهله وعلى الظلم وأهله إلى يوم الدين. إن الأقصى والقدس يسكنان قلب كل مسلم، فهي الأرض المقدسة الشريفة- أرض المحشر والمنشر- التي تشد إليها الرحال. يقول المولى تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).
وفي ليلة الإسراء صلى رسولنا محمد بن عبد الله إمامًا الأنبياء في المسجد الأقصى إقرارًا مبينًا بأن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى البشر. واستقر نسب الأقصى إلى أمة الإسلام، وصبغة المسجد الأقصى في شرع الله هي الصبغة الإسلامية، وأرض فلسطين كلها أرض وقف إسلامي يحرم بيعها أو التنازل عنها أو التصرف فيها بأي شكل من الأشكال سواء كان التصرف من فرد أو جماعة أو حكومة أو دولة، وفي أي عصر من العصور فهي ملك للأمة الإسلامية إلى قيام الساعة.
ويجب على المسلمين أن يدافعوا عنها بكل ما يملكون من قوة، والجهاد لتحريرها واجب يحتمه الدين والعقيدة لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر، وإلى آخر مدى من القدرة والاستطاعة ولقد آن الأوان لتجميع الأمة من شرق العالم وغربه ومن شمال العالم إلى جنوبه- بغض النظر عن الجنسيات واللغات والثقافات- وعلى الحمية الدينية لنصرة المسجد الأقصى الأسير (أبو الحسن الندوي).
عند احتلال الصهاينة للقدس وفلسطين تنادى المسلمون من أرجاء الأرض كافة التحرير فلسطين وبمعنى آخر فالقضية عربية إسلامية، ويجب أن تظل عربية إسلامية، ولن تتحرر فلسطين عن غير هذا الطريق، ولكن كيد الأعداء من خارج الأمة وداخلها أحكم خطة شيطانية لابتلاع القدس وفلسطين على مراحل، فقالوا وفعلوا، واختزلت القضية لتصبح من شأن الدول العربية كخطوة أولى ثم أصبحت فلسطين والقدس من اختصاص الشعب الفلسطيني كله في الداخل وفي المهجر، ثم اختزلت القضية مرة ثالثة لتكون المنظمات الفلسطينية هي المسؤولة عن التحرير، ثم أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للتصرف في القضية، وحينئذ اعترفت النظم الدولية بهذا الوضع الهزيل والذي انتهى الحال به أن ينفرد ياسر عرفات بالقضية برمتها فقاد لجان التفاوض العلنية وبدأ مسلسل التنازلات عن حق الشعب الفلسطيني والأرض والعزة والكرامة الوطنية والإسلامية، ولم يكتف بذلك فسلك طريقًا آخر سريًا مخفيًا، يسير موازيًا للطريق التفاوضي العلني. والمهيمن عليه ليعطي تنازلات أكبر وتفريطًا أعتى في شأن القضية.
إن قضية الأقصى وفلسطين قضية إسلامية عربية وأن الجهة المخولة لنظرها والبت في أمرها إنما مرجعيتها إلى الأمة الإسلامية على امتداد وجودها في العالم ولن يعترف المسلمون في هذا الجيل ولا في الأجيال القادمة بأي اتفاقيات صلح أو معاهدات سلام بين الصهاينة المحتلين وبين السلطة.