العنوان الأمانة العلمية
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
مشاهدات 136
نشر في العدد 897
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
مما جاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: «الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمي لمن أفاده لفظة» وأعظم معروف يسدی لإنسان: العلم والإرشاد والهداية والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» رواه النسائي وأبو داود واللفظ له.
ولذلك نرى أئمة العلماء يدعون لشيوخهم ويتأدبون معهم وينسبون الفائدة التي استفادوها إليهم قال الإمام النووي: «من النصيحة أن تضاف الفائدة التي تستغرب إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أوهم ذلك وأوهم فيما يأخذه من كلام غيره أنه له فهو جدير أن لا ينتفع بعلمه ولا يبارك الله في حاله. ولم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك دائمًا» انتهى عن «بستان العارفين» ص13.
وقال محمد منير الدمشقي معلقًا «إن من ينسب كلام الغير لنفسه جدير أن لا ينتفع به لأنه خان الأمانة وهي تأدية العلم إلى مستحقه وإسناد القول لقائله، ومن المعلوم أن الخيانة ما دخلت عملًا إلا وأفسدته ونزعت منه الخير والبركة، ولا يبعد أن يسلط الله على ذلك الناسب من يأخذ الفوائد التي يجوز أن يكون أدركها هو بجهده الذاتي. فالجزاء من جنس العمل ولا جدال أن سلوك هذه الخطة من أهم أسباب تأخر العلم بقطع سلسلته وإضاعة حق المؤسسين ومجد السلف فتبقى قيمة الفائدة منوطة بمن زعمها، وقد يكون السبب في عدم رواجها خصوصًا وأن النفس مولعة بالركون إلى القديم للاستناد والوثوق وأما الجديد فالتعلق به من حيث الاستعمال الذي لا يلبث أن يزول ولا يصلح لأن يكون حجة أو ممسكًا، وإن مجازاة من منحك فائدة أن تدعيها لنفسك نكران للجميل، وبالأولى امتناع عن الحمد والشكر الواجب الأداء للمنعم» انتهى.
«والتأليف هو نوع من الاختراع والابتكار وهي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتحول الناس لها وهي مصونة شرعًا ولأصحابها حق التصرف فيها فلا يجوز الاعتداء عليها» انتهى.
من فتوى المجمع الفقهي الخامس. ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله في مسائله لأبي القاسم البغوي ص 68: «إذا اشترى الرجل من رجل شيئًا وهو يعلم أنه سرقه فقد شاركه».
فالكتاب المؤلف إذن هو ثمرة الملكة الراسخة في نفس العالم والأديب ونحوه مما أبدعه هو ولم يسبقه عليه أحد، وهو كالاختراع المادي المبتكر لجهاز من الأجهزة التي تسهل حياة الناس فينال مخترعها براءة اختراع تسجل في الهيئات الدولية، والعلم له منفعة كمنافع السلع، والناس حاجتهم إليه ماسة، يجوز لمؤلفه أن يبذله نظير عوض مادي ولا يعد ذلك احتكارًا له ولا كتمان للعلم، وإنما «الحيلولة دون نشره وتوزيعه إلا من منشئه ومؤلفه أو من يوكلهم بذلك من الناشرين والقول بتحريم حق المؤلف في إنتاجه العلمي الذي وقف عليه جهده وحياته غير صحيح، ولقد أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم تعليم بعض الآيات مهرًا، وأجاز أخذ الجعل على الرقية بالقرآن وأخذ بعض المحدثين على تحديثهم أجرًا والدلائل كثيرة.
ومن ثم لا يجوز للمستفيد أن يطبع أو يصور نسخًا أخرى للاستغلال لأنه لا يملك أصل المنفعة، أما الانتفاع العلمي باقتباس أفكار المؤلف أو صيغه وعباراته تأييدًا لفكرة ارتآها المقتبس أو من أجل شرحها والتوسع فيها جائز شرعًا، شريطة أن يعزو الأفكار إلى مؤلفيها أداء للحق العلمي لمؤلفه ولا يملك المؤلف منع إباحة الانتفاع العلمي بمبتكراته، لأنه حق الله في كل حق فردي، ولكنه يملك أن يمنع استغلالها ماديًا دون إذن منه ولا ولاية» عن كتاب حق الابتكار للدكتور فتحي الدريني. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل