العنوان الافتتاحية: فلسطين المحتلة: عصر الخوف من الصحوة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990
مشاهدات 76
نشر في العدد 950
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 16-يناير-1990
ليس غريبًا –أبدا- أن يخاف الغرب
ممثلًا بالولايات المتحدة الأمريكية من انتشار الصحوة الإسلامية، وتقدم المد
الإسلامي داخل فلسطين!... ويعتبر هذا الخوف أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا من طرف العدو
الصهيوني، الذي أخذ يضع كافة القيود على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ليحد من
نفوذها ونشاطها! كما أن تخوف بعض الأنظمة المعنية بالصراع «الفلسطيني – الصهيوني»
له ما يبرره، إذ تخاف هذه الأنظمة من انتقال روح الجهاد وحب الحرية والاستشهاد في
سبيل الله إلى شعوبها مما يزلزل عروشها ويقض مضاجع حكامها! ولكن الغريب حقًا أن
يسري هذا الخوف إلى بعض النفوس الفلسطينية – إن صح التعبير- التي ملت الكفاح
المسلح و-حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد- ورأت في السلام المهين وتقديم
التنازلات السبيل الوحيد لجني ثمرة –الكفاح المسلح- ووضع البندقية جانبًا! والأمر
الأغرب من الخيال فعلًا أن تبدأ هذه الفئة المذكورة بتخويف أطراف الصراع الأخرى من
المد الإسلامي داخل فلسطين المحتلة، وذلك لانتزاع زمام المبادرة قبل فوات الأوان
وتمثيل الشعب الفلسطيني على موائد السلام المهين!
خوف مركب!
وكان من آخر من عبر عن هذه المخاوف
في الجانب الفلسطيني السيد هاني الحسن –المستشار السياسي لرئيس منظمة التحرير
الفلسطينية، وذلك في ندوة نظمتها جمعية الراديكاليين البريطانية وحضره الوزير
البريطاني للشؤون الخارجية –وليام وولد غريف- وبعض الشخصيات اليهودية البارزة،
إضافة لمجموعة من السفراء العرب، ونقلت جريدة «الحياة في 13/ 12/ 1989» جزءًا من
اجتماعات هذه الندوة، حيث خوف الحسن من مغبة عدم قبول حكومة العدو بالتفاوض مع «م.
ت. ف» محذرا من احتمال «أن تنتقل السلطة إلى زعامة فلسطينية متطرفة، ستنضم إلى
مجموعات عربية أصولية لتشكل نواة لأول ثورة عربية» واستطرد الحسن في توضيح أهداف
هذه الثورة ومخاطرها على العدو الصهيوني بشكل خاص وعلى الولايات المتحدة الأمريكية
والغرب بشكل عام، فقال إن هذه الثورة هي: «قلب النظم العربية القائمة، التي تعتمد
عليها الدول الأوروبية وأمريكا لفترة طويلة لحماية مصالحها على حساب الشعب
الفلسطيني» وذكرت جريدة «الحياة» أن الحسن بين مدى عواقب ذلك على إمدادات النفط
للغرب، ووضع اليهود في كل مكان!
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا
الخوف على مصالح الولايات المتحدة والدول الأوروبية؟! ولماذا التباكي على وضع
اليهود في كل مكان؟! وما السر وراء الخوف من حركة عربية تصحيحية شاملة؟!
والإجابة على هذه الأسئلة –أخي
القارئ- لم تعد تخفى على أحد، حيث إنها تنحصر في النقاط التالية:
* ميلاد كيان
سياسي عسكري منظم للتيار الإسلامي في فلسطين ممثلًا بحركة المقاومة الإسلامية
«حماس» وهذا ما لم يكن موجودًا قبل الانتفاضة.
* تبني حركة
المقاومة الإسلامية «حماس» للجهاد كطريق وحيد لتحرير فلسطين، وهذا ما يخالف
الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تتبنى التسوية السلمية لاسترجاع ما أمكن استرجاعه
من الأرض الفلسطينية.
* ازدياد نفوذ
حركة «حماس» داخل فلسطين وهذا ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، مما أثار حفيظة بعض
قادة «م. ت. ف» خوفًا على التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني.
ورغم كل الظروف فإن خوف الحسن قد بلغ
أوجه عندما أخذ يتكلم في ندوة الراديكاليين البريطانية عن مستقبل العلاقات
«الفلسطينية– العربية- "الإسرائيلية"» في مواجهة الإرهاب الذي تخوف
العدو والغرب من أثره على مصالحهم حيث كتبت جريدة «الحياة» أنه شرح الفوائد التي
يجلبها السلام إلى المنطقة بأسرها وذلك بخلق «إطار جديد للتعاون «...» وذلك
بتصويره أن ذات يوم ستتضافر قوى "إسرائيل"، ودولة فلسطين... وباقي الدول
العربية لمواجهة الإرهاب»!
ويثير هذا التصريح مخاوف الجميع إذا
علمنا أن المقصود بكلمة «الإرهاب» هو النشاط الإسلامي والعربي التحرري المقاوم
للكبت، ويتجلى هذا المعنى أكثر إذا علمنا أن العدو يطلق كلمة الإرهاب على النشاط
الفلسطيني العسكري، والنشاط الإسلامي بشكل عام!
والسؤال لك أخي القارئ –الآن- ماذا
يدور في ذهن الحسن؟
في قفص الاتهام
وفي هذه الأثناء يقف الشيخ أحمد
ياسين الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» بكرسيه المتحرك داخل قفص
الاتهام في محاكم العدو العسكرية، رافضًا شرعية محاكم العدو، ومصرًا على مواصلة
الجهاد بعزة وإباء، دون أن يتحرك أحد لنصرة هذا الشيخ، الذي وجهت له سلطات العدو
من (10 – 15) تهمة كلها تهدد أمن دولة العدو، وأهمها تأسيس حركة المقاومة
الإسلامية «حماس» مع بدء الانتفاضة.
وتأتي محاكمة الشيخ أحمد ياسين بعد
رفضه للإبعاد –عندما خير بين «المحكمة والإبعاد» - لتثبت حقيقة تصريحات البعض «إذا
كانت «حماس» قد أشعلت الانتفاضة، فهي فصيل من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية»!
فإذا كان هذا التصريح صادقًا فأين موقف «م. ت. ف» من محاكمة أحد زعمائها – إن صح
هذا الكلام- بل أين موقف المنظمة من اعتقال أحد أبناء الشعب الفلسطيني، دون
الالتفات إلى البعد الإنساني والأخلاقي في هذه المسألة!
كلمة للتاريخ:
إن من يتولى زمام الأمور وقيادة
الشعب يجب أن يكون والدًا لعموم أبناء الشعب، ويضحي عن بقية الشعب المضطهد، وإذا
كنا اليوم نرى أن اعتقال ومحاكمة الشيخ أحمد ياسين يمران في جو من الصمت يخيم على
جميع المؤسسات السياسية والإنسانية على جميع الأصعدة، فإن قلوب الشعب الفلسطيني
المسلم أصبحت تدرك أبعاد الأمور وخلفياتها وأن شعب الانتفاضة المباركة لن يضيره
اعتقال أحد رموزه وقادته لأنه عرف الطريق وقدم التضحيات.
وإذا كان هناك فئة من هذا الشعب
تتكالب على السلم وتقدم التنازلات، وتعرب عن حرصها الشديد على أمن العدو، فإن
الشعب الفلسطيني في جانب آخر، وفي ميدان الجهاد، والشرف يكبل العدو يوميًا لمزيد
من الخسائر ويقلق أمته، ويسطر بدم الشهداء يوميًا الرفض الفلسطيني -الشرعي- لكافة
التنازلات ومشاريع السلام! ولن تبقى الحقيقة غائبة طوال الوقت عن الشعب، فالشعب
بعد الانتفاضة قد تغير وأصبح يرى كل الحقيقة بعينه المجردة.. ومن الغريب أن أطراف
الصراع في قضية هذا الشعب أصبحوا جميعًا في الهم غرب!