العنوان الافتتاحية: هل نفهم اليوم خطاب الهجرة ولغة الصراع؟!!
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1054
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 22-يونيو-1993
دلالات الهجرة وصراع الحق والباطل
تأتي ذكرى الهجرة النبوية المباركة، لتشير إلى كفاح طويل مرير لقائد
وفتية مع الباطل، أرسلتهم العناية الإلهية لإزاحة الكفر من المعمورة، ومطاردة
الضلال من العالمين، وتحرير الإنسان من العبودية والذلة والمهانة، وتخليصهم من عفن
الأديان المحرفة، وضلال الأهواء المستغلة، وأسر الأبالسة المتسلطة، وقيادتهم
بالعدل والإيمان والهداية.
ويحبس الزمان أنفاسه خوفًا
عليهم من طوفان الكفر الوثني العاتي الصلد، ووجلاً عليهم من جبابرة الأكاسرة
والأباطرة، وإشفاقًا عليهم من سدنة الملل الضالة، وكرادلة الزور والبهتان، ومكر
الكهان، وخديعة الرهبان. ويموج الزمان، وتغبر الأرض، وتثور الزوابع، وتزمجر
العواصف، وتجن الأبالسة، وينفجر الطغاة، وتثور العوام عند أول صوت للداعية بـ «لا
إله إلا الله»، ويكون ما ليس منه بد، وتجري عليهم سنن الدعوات، ويضرب الله الحق
والباطل، وهذه ضريبة الدعوات، وهذا هو قدر الدعاة؛ يتعرضون لفتن كقطع الليل
المظلم، ويصابون بمحن شداد تنوء منها الرواسي، وتهب عليهم دواهي كرياح السموم، لا
تفلت نبيًا أو ربانيًا أو صحابيًا، بل يكونون هم أشد الناس بلاء ثم الأمثل
فالأمثل. ويثبت القائد، ويصمد الرجال، وتستنهض العزائم، وتنهصر المعادن، ويصدق
الإيمان، ولا تعطى الدنية، أو تلين القناة، أو تهن النفوس، أو تنكسر القلوب، رغم
بأس المعركة، وضراوة العذاب، وسعار الجاهلية، ولكن يتوجه هنا بعض من الأسئلة التي
يحسن تدبرها.
الصراع المحتوم عبر التاريخ
أولًا:
هل كان
هذا خاصًا بتلك الفترة من الزمان الجاهلي، أو مقصورًا على هذه الدعوات المحمدية،
أو لصيقًا بهؤلاء الفتية الأطهار، أم أن هذا هو صراع التاريخ الهمجي، وسيظل لكل
فكرة ربانية إصلاحية، تدعو - وبخطاب حان رؤوم، وتحاور وبطرق مشروعة هادئة - أن ترد
الإنسانية إلى الهداية، وتذكرها بأصلها البشري الرحيم، وتنزع عنها صفة الحيوانية
المفترسة، وتعدل لها تلك الغرائز الملتهبة، وتطرح عنها إصرها والأغلال التي كانت
عليها.. ما أظن أن هناك إنسانًا عنده ذرة من عقل، أو مسكة من فهم، يظن أن فراعنة
الاستعباد البشري، وأباطرة الاستباحة الإنسانية في القديم والحديث، يتنازلون عن
ألوهيتهم لإله آخر، أو يقبلونه ندًّا لهم، وكذلك لا تقبلهم دعوة الإصلاح لقول الحق
سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: 22)، ولاستحالة اجتماع الضدين، ولهذا يقوم الصراع
المحتوم، والذي يستعمل الباطل فيه كل أسلحته وكل طاقاته لإفناء الحق الوافد
المسالم.
ثانيًا:
وهل
كان يمكن أن تنتصر دعوة، أو يبلغ خطاب رباني، أو تسود فكرة إصلاحية بهذا الحجم،
وفي وسط هذا الزخم العاتي من التجاوزات، وعلى كل الأصعدة، دون رجال يضحون ويصبرون
ويجاهدون، وربما يقتلون وتستباح دماؤهم وحرماتهم لمجرد أنهم دعاة؟ ما أثبت التاريخ
ذلك لأي داعية ولا لأي دعوة؛ لأن إرسال الداعية وخطابه لا بد أن يصل إلى المستقبل
«المدعو»، وغالبًا ما يقف دون هذا البلاغ حاجز من سلطة أو رياسة، وتجاوز هذا هو
المشكلة التي توجد الصراع كما أسلفنا، وتوقع الضحايا، وخاصة إذا كان النظام
جاهليًا أو شبيهًا به، أو فرعونيًا، أو موازيًا له، وحوله كتائب من الجند ومخازن
من السلاح والعدد، ومواكب من أهل الفكر والضلال، ومداح من أهل النفاق والاستغلال،
وكان الحق وليدًا ومسالمًا وضعيفًا ومحاجًا بالتي هي أحسن، وكانت العقول شاردة،
والنفوس مستذلة، والعزائم منهارة، والأجساد مترهلة، والألسن مقطوعة، والحريات
ممنوعة، والخطوات مرصودة، والأرزاق بيد السادة، فمن يخرج على هذا إلا مضحٍ أو
ضحية، مجاهد أو شهيد!! فما أن يُعرف الدعاة، أو يُسمع عن دعوتهم، ويظهر قصدهم، حتى
تقع الواقعة، ولهذا كان ورقة بن نوفل فاقهًا للتاريخ، ومدركًا للصراع، إذ قال
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك»، فقال صلى الله عليه وسلم: «أو
مخرجي هم؟» قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني
يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». انظر معي إلى براعة هذا الفهم للصراع الذي ستبدو مخايله
في الأفق، ولكن الدعوة لم تعرف على حقيقتها بعد، وجميل أن يفقه الدعاة حقيقة
الصراع وبعده؛ ليأخذوا للأمر أهبته، ويعدوا له عدته.
رؤية العصر الحديث وموقف الغرب
وما رأيت أحدًا فقه هذا الأمر في العصر الحديث مثل ما فقهه البنا -
رحمه الله - إذ يقول والناس نيام، ولكن الإسلام يتحرك، ويُنبِّه والرجال تُعَد،
ويُبَصِّر والرياح ساكنة، ويُفَهِّم أتباعه لغة الصراع والعدو ما زال راكدًا،
والدعوة ما برحت مجهولة له، فيتكلم الرجل، وكأنه يقرأ في صفحات الصراع أو في كتاب
الغيب لأصحابه فيقول: «أحب أن أصارحكم أن دعوتكم هذه ما زالت مجهولة عند كثير من
الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميهما وأهدافها، ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة
قاسية...». فهل نفهم بعد ذلك لغة الصراع بين الحق والباطل؟!!
ثالثًا:
هل
تجاوز القرن 20 بديمقراطياته ولبرالياته ومؤسساته المحلية والعالمية هذا الصراع،
واعترف بحقوق الفكر الإسلامي ومنهجه وتجاوز لغة الصراع والكراهية، وتخطى القهر
العرقي والفكري، وتنازل عن أطماعه وشهواته، وتقديسه لذاته؟ وهل وجد المظلوم من يرد
إليه حقه ويعاقب الظالم؟! أم استغلت جراحات الشعوب ومعاناة الأمم في التمكين
للظلم، وقهر الإرادة، وهضم الحقوق، واستلاب الخيرات؟ أم أنه يشوه - مع سبق
الإصرار، وبضغينة قاتمة - كل فكرة تزاحمه، أو يمكن أن تنافسه، أو تحاول أن تزحزحه
عن تسلطه، واستعمل هذا الفكر الغربي وبعمق وإصرار ضد الفكر الإسلامي والمسلمين؟
وقد عبر عن هذا الباحث البريطاني «أرسكين تشيلورز» في كتابه «الغرب والإسلام...
هتك الذاكرة والخصام» إذ يقول: يتخذ الغرب من قديم الإسلام عدوًّا له، ويحذر
دائمًا منه... وهذا في الحقيقة إعلان عن حقد كامن ومخبوء في الوعي الاجتماعي في
العالم الغربي طيلة فترة تزيد على 1200 سنة.
آفاق الهجرة في الواقع المعاصر
رابعًا:
هل
يمكن تحقيق إيقاع الهجرة على الساحة العالمية أو الإسلامية اليوم؟ لا شك أن
الإسلام في مكة صمد للعاديات وتحديات الجاهلية، ونجح في الانبثاق الذاتي نحو العمل
للإسلام، وكانت له رؤية متقدمة في قراءة الحوادث، وفهم واع لحركة العصر وآليات
الحركة الفكرية والعملية، وعمق ناضج في استراتيجيات قيام الأمم ودفع الشعوب.
فاستطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يختار وبخبرة ونجاح نجاشي الحبشة ليلوذ
المسلمون به، ويهاجروا إلى جواره، وفي اعتقادي أنه أفضل اليوم ألف مرة من مستشار
ألمانيا الذي قبض على «رابح بيطار» وهو في حمايته، وكذلك أولاد «عباس مدني» وهم في
كنف ألمانيا وحمايتها، ليسلمهم إلى أعدائهم. لقد أبى النجاشي أن يسلم المسلمين إلى
وفد قريش قائلًا: والله لا أسلمهم إليكم أبدًا، أنتم أحرار في أرضي، وكم من دول
تدعي الحضارة - ولا شرف لها - وقد أسلمت الكثيرين إلى أعدائهم.
فهل نفهم لغة الهجرة، وهي الكفاح والجهاد في كل ميادين الحياة بنية
رفعة الإسلام وإعزازه حتى يكون الدين كله لله؟ ﴿وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4-5).
قرأ أيضا
التخطيط للهجرة
معطيات الهجرة النبوية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل