العنوان الالتزام والأديب المسلم
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979
مشاهدات 81
نشر في العدد 444
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 08-مايو-1979
إنها مبشرات طيبة تلك التي نراها من سمات الصحوة الإسلامية الزاهرة، في دنيا الإسلام. في مجال الفكر والسياسة والسلوك والأدب، عند الرجل والمرأة على السواء، وهذه الصحوة لها مبرراتها القوية، ولا سيما في هذا العصر الذي وصلت فيه المدنية المادية- شرقية وغربية- إلى أوج تطورها المادي، وابتكاراتها في الصناعة، كما أنها وصلت إلى درك مخيف من الانحطاط في عالم الروح والمعاني الإنسانية، حين استعبدت الناس. لقد تعدت كل نطاق فيما أعطت من أزياء الشذوذ، وأشكال الوحشية، وتحويل البشر إلى أرقام صماء حتى فقد الإنسان المعاصر كل قيمه، وانحدر إلى أدنى مرتبة يتخيلها البشر، وأصيب بأمراض القلق والشذوذ، وبات يصرخ مستغيثًا في عالم تصطخب فيه أصوات الآلات، وتتسابق أرقام الإنتاج بسرعة مجنونة، فضاع الإنسان واختنق، وضاعت الإنسانية والقيم. وهكذا جاءت الصحوة الإسلامية استجابة لنداء الفطرة، واستغاثة الإنسان لإنقاذه من هذا المنحدر، وهي صحوة الإنسان العائد إلى ربه، الذي يفتش عن ذاته، ليودع القلق والضياع، ويتخلص من التيه الذي صنعته هذه الفلسفات المادية الخائبة.
وفي عالم الأدب نرى صورة لهذه الصحوة أيضًا: أصوات إنسانية صادقة بدأت تصدح بأنغامها الحلوة وتنفذ من عالم الصخب. ونتاج الفطرة السوية بدأت ترتسم في لوحات أدبية رائعة ليراها الناس، ولم يكن الأمر سهلًا، لأن هذه الأصوات كانت تخترق السور الحديدي الذي ضربوه حولها، وتفلت من رقباء السوء الذين يترصدون كل النسمات الطيبة ليفسدوها أو يخنقوها، ومع هذا فقد بدأت تباشير الانتصار -إن شاء الله- في الصحافة، وعلى موجات الأثير، وفي الكتب المطبوعة، قطرات تتجمع. وجداول تلتقي لتصبح نهرًا عذبًا دفاقًا يخط طريقه في السهول فيسقي العطشى ماء نميرًا، وينبت الحب الجاف ثمرًا طيبًا بقدر الله.
هكذا رأينا دواوين من الشعر الإسلامي، ودراسات أدبية عن الشعر وغيره وقصص تتوالى على المكتبات، ومقالات ومحاضرات وندوات، كلها علامات بارزة تبشر بمستقبل أدبي طيب إن شاء الله.
وما دام الأمر يختص بالمستقبل المنشود، ويتناول السبيل التي ينبغي أن يسلكها رواد الأدب الإسلامي الحديث، فلا بد من تحديد واضح المعالم، وإيضاح كامل للأسس والركائز التي ينبغي أن يقوم عليها هذا الأدب.
ولا يغيب عن بالنا أن هذا العصر يتسم بالفلسفات المتناقضة التي تتصارع لتطويع الإنسان واستغلاله، وكلها تطرح مناهج ومفاهيم تغطي مجالات كثيرة من هذه الحياة الدنيا.
وكل فلسفة من هذه الفلسفات تسعى لإقناع الناس بأهدافها، ونستخدم شتى الوسائل لهذا الغرض، ولكي تبني مجتمعها الخاص تطبق فيه نظرياتها، وتغري الناس وتجذبهم إلى حياتهم المغرية.
والإسلاميون أهدى الناس بذلك، ما داموا يصدرون عن منهج رباني أصيل فيه صفات الشمول والتوازن والتكامل والثبات، ويحفظ كرامة الإنسان ويحدد له طريقه ومسؤوليته، فضلًا عن أنه جاء موائمًا للفطرة الإنسانية السليمة، ويسعى لخير الإنسانية السليمة، ويسعى لخير الإنسان، ويحقق له حاجاته القريبة والبعيدة وطمأنينته الشاملة.
لهذا لا بد من تحديد الطريق للأدب الإسلامي، حتى لا يضل السائرون فيه، ولا يشوهوا وجهه الطيب بالصور المشوهة للآداب المنحرفة.. ولنأت إلى فكرة الالتزام في الأدب الإسلامي، ولنحاول تحديدها، لأنها ستضع إطارًا عامًا للأديب المسلم والأدب الإسلامي.
والالتزام ليس جديدًا، إنما هو قديم قدم البشرية، وقدم الرسالات السماوية التي أنزلت لترسم للإنسان طريقه في الحياة، لذلك فهناك صور مختلفة للالتزام، لأنه مرتبط بالإنسان نفسه، ولا يبتعد عن فكره وسلوكه وصور مجتمعه.
وكل فلسفة تنظر إلى الالتزام من خلال مبادئها وأهدافها، ومدى انطباق ذلك على الأديب في سلوكه وإنتاجه، ولهذا رأينًا صورًا كثيرة من الالتزام للماركسية أو الخروج عنها نتيجة لما يصدر عن الأديب. وأما ما نراه في-الظاهر- من تناقض بين سلوك الأدباء وإنتاجهم في هذه المذاهب الأدبية المادية فإنه ليس غريبًا، بل هو من خصائص هذه المذاهب، لأنها لا تؤمن بشيء خارج عن حواسها، لا تنظر إلى أبعد ما تطيق الإحاطة به بقواها المحدودة، فالحرية لا يحدها قانون ثابت يتفق مع طبيعة الحياة الكريمة المتوازنة، والأخلاق ليست -عندهم- إلا مواصفات لبيئة معينة وهكذا.
وما نراه من تناقض بين إنتاجهم وسلوكهم ليس إلا تفسيرًا لحقيقة مذاهبهم التي لا تؤمن بغير المحسوس، وفي مثل هذا السلوك الشاذ تعبر عن الفلسفة التي تقوم عليها هذه المذاهب.
فإذا نظرنا إلى الأديب المسلم نرى صورة أخرى، بل ولا بد أن نستحضر تلك الصورة الشاملة التي تحيط به، من أنه إنسان يؤمن برب عليم حكيم، واحد أحد، قادر خبير، أنزل للإنسانية كتابًا وبعث رسولًا يحمل لهم منهجا إلهيًا، وشريعة سماوية، وأنه لا فلاح للإنسان، ولا طمأنينة بغير هذه الشريعة.
وهكذا فالأديب المسلم لا يدخل في إطار الأدب الإسلامي إلا من خلال صفة «الإسلام» التي تميزه من غيره، لأنه يشترك في صفة «الأديب» مع غيره.
وصفة الأديب يكتسبها الإنسان عندما يمتلك الموهبة التي تميزه عن غيره في إحساسه وانفعاله وقدرته على التعبير من ذلك، ونقله للآخرين والتأثير فيهم، ولكن هذه الصفة قد تكون عند المسلم وغيره، وكل منهم يطوعها لأغراضه وأفكاره وغاياته، ومن خلالها تبدو بعض سماته ومكنونه.
ولكن المسلم لا يكتسب هذه الصفة إلا إذا كان مؤمنًا مسلمًا يلتزم بشرع الله سبحانه فكرًا وسلوكًا واعتقادًا، ولا فرق في هذا بين التاجر أو الأستاذ أو الشاعر أو المزارع، لأن صفة الإسلام والإيمان لازمة للمسلمين على مختلف صفاتهم وأعمالهم، والمسلم الصادق في إسلامه، الصادق في إيمانه لا يمكن أن يكون بتفكيره وسلوكه مع الجاهليين والمشركين وأعداء الإسلام.
ولا يمكن أن يقبل من المسلم أن يعيش بين الفاسقات الماجنات، ويرى أمر الرذيلة والفحش باسم الفن، وأن تطلق عليه صفة الأديب المسلم، لأنه تحدث عن التاريخ الإسلامي، أو كتب في قضية إسلامية.. فالأديب المسلم لا يمكن أن يصبح في عداد أدباء الإسلام ما لم يلتزم بالإسلام عقيدة وسلوكًا، وإلا كيف يمكن أن نطلق عليه هذه الصفة، وهو في سلوكه لا يفعل إلا فعل الجاحدين والمفكرين والعاصين عن علم ودراية؟
وكيف نطلق عليه صفة الأديب المسلم وهو يدعو لمناهج الأرض، ويصفق لأباطيل الطغاة، ويحتكم إلى قوانين الطاغوت، ويحارب المسلمين؟ وكيف نطلق صفة الأديب المسلم من وضع طاقة في سبيل الآثام حينًا ولخدمة الباطل أحيانًا؟
وإذا كانت المسؤولية عند الله على قدر المعرفة والطاعة، فإن مسؤولية الأديب أكبر من مسؤولية غيره، وحسابه عند الله عظيم وشديد.
وإذا كان في هذه النظرة شيء من القيد، فإنه قيد على الذين يريدون أن تبقى صورة المسلمين مشوهة، وشخصية المسلم مائعة.
وإذا كان في هذه النظرة شيء من الحسم، فإنه من ضرورات البناء، لا سيما وأن الأدباء رواد يربون الأجيال بالكلمة والكتاب، والخطبة والمحاضرة والشعر وغير ذلك، فكيف نقبل لمن يأخذ هذه المهمة أن يكون في هذه الصورة المشوهة، صورة المنافقين أحيانًا، أو صورة الضائعين أو صورة المستغلين؟
الالتزام في الأدب الإسلامي مسؤولية وريادة
والالتزام في الأدب الإسلامي مسؤولية وريادة، مسؤولية أمام الله عز وجل وريادة أمام الأجيال المسلمة التي تجاهد لنصرة الحق.
والالتزام في الأدب الإسلامي التزام بالإسلام أولًا، والتزام بمنهجه في التفكير والسلوك، فضلًا عن الاعتقاد والتصور، وبعدها التزام في تفسير الأشياء ومعالجة المشكلات من خلال التصور الإسلامي.
ولن يقبل من الأديب المسلم غير الصدق، وأي صدق يكون إذا وقع الانفصام أو التناقض بين أدبه وسلوكه، أو بين سلوكه وفكره؟
ومن الخطر أن نحصر الالتزام بظواهر الآثار الأدبية التي تتحدث عن قضايا إسلامية، تعظ وتزجر، أو تدعو وتأمر، أو تصف وتعجب أو تمدح ما مضى من تاريخنا الزاهر.
ومن الخطر أن نترك الباب مفتوحًا للصور المشوهة للمنافقين والمتاجرين أن يتحدثوا باسم الإسلام. إنها المسؤولية، وإنه الصدق، وإنها الأمانة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وتثور هنا أمور وأمور حول الآثار الأدبية التي تنسجم مع التصور الإسلامي، أين موقعها؟ ما موقفنا منها ومن أصحابها؟
ولا بد عند الإجابة من الفصل بين الواقع الماثل، والحقيقة التي نسعى إليها، فهذا الواقع بما فيه من متناقضات لا يمثل الحقيقة، وينبغي ألا يفرض علينا صورة مشوهة أو يدعونا للزحزحة عن موقفنا مع الحق، ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (سورة الكافرون: 2) هذه ناحية، بل نحدد هدفنا وطريقنا على ضوء ما وضحه لنا كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- مهما كان البعد بين الواقع والهدف، ومهما كانت المشاق.
ومن ناحية أخرى، نعود إلى هذا الواقع لنحدد طريقة معالجته؟ وكيف نعيده إلى الحق؟ ما هو موقفنا من هذا الإنتاج أو ذاك؟ وعلى ضوء التصور الواضح للأدب الإسلامي وللأديب المسلم نعطي الإجابة الواضحة ونحدد الرأي الصحيح.
وربما كان الواقع الثقيل الذي عاشه شباب هذا العصر، واختلاط المفاهيم هو الذي جر كثيرين إلى هذه المواقف الغائمة، وحكمنا على الأدب لا يعفي الحكم على صاحبه كإنسان، لأننا ننظر إلى الأديب بصفة متميزة عن الناس، صفة الأديب، والرائد، ولهذا فإن نفي صفة الأديب الإسلامي عن الأديب لا يمس عقيدة صاحبه، بل ينفي عنه صفة التزام، لأنه لا بد من الالتزام مع صفة الأديب المسلم.
وكم نخطئ حينما نطلق صفة الأديب المسلم على هذا وذاك، فإذا بنا نمنحه الثقة، وندعو شباب المسلمين إلى الثقة به دون تحديد واضح لما نريد من حكمنا، فإذا بهم يرون ما يخيب الآمال، ويصدم الحس ويتنافى مع الإسلام، وفي طريق الأدب الإسلامي لا تزال عثرات وعثرات، ولكن المخلصين من الأدباء، بصدقهم وعزيمتهم يستطيعون أن يزيلوا هذه العثرات، ويتخطوا العقبات ، والله الموفق.