العنوان الالتزام والجدية
الكاتب وجيه يعقوب السيد
تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1521
نشر في الصفحة 53
السبت 05-أكتوبر-2002
خصائص الأدب الإسلامي (٣)
تحدثنا عن أهم خصائص الأدب الإسلامي، التي تميزه عن سائر الآداب وقلنا إنه أدب عقدي، لا يصطدم بثوابت الأمة ومقدساتها، بل يدور في فلك العقيدة، ويلتحم بها، كذلك أشرنا إلى واقعية الأدب الإسلامي، واختلاف مفهوم الواقعية في التصور الإسلامي، عن مفهومه في المذاهب الأدبية المختلفة.
ونضيف اليوم إلى خصائص الأدب الإسلامي أنه أدب ملتزم وإيجابي وهادف. وقد تثير هذه الخصائص بعض الإشكالات بسبب تشابهها مع ما تدعو إليه بعض المناهج النقدية والأدبية الأخرى، وخاصة الواقعية الاشتراكية.
- الالتزام: هناك اختلاف جوهري بين الالتزام في التصور الإسلامي، والالتزام في سائر المذاهب الأدبية، فهو في الاشتراكية، قيد على حرية الأديب وإبداعه، وإلزامه بالتعبير عن قضايا معينة، كالحديث عن الصراع الطبقي والانحياز إلى طبقة العمال، وبذلك يوظف الأدب لخدمة حزب أو طبقة.
أما الالتزام في المفهوم الإسلامي، فهو نابع من الأديب وشعوره بالمسؤولية وأمانة الكلمة والرقابة الداخلية التابعة من ضمير المبدع وبالتالي فإن الالتزام بهذا المفهوم لن يكون عبدًا على الإبداع بأي حال، ولن يكون قيدًا على الفكر، ولن يعمل مسيرة أي جهد علمي.
وإذا كان الأدب ينمو ويزدهر في ظل الحرية، فإن الإسلام يتيح للأديب أكبر قدر من الحرية بمعناها الصحيح، بشرط أن يتحمل مسؤوليته كاملة تجاه أدبه، وما أجمل ما كتبته الدكتورة عائشة عبد الرحمن – رحمها الله – عن الحرية – في كتابها: «قيم جديدة للأدب العربي إذ تقول: «إن الحرية لا تعني الإباحة والفوضى والتحلل، بل هي في صميمها أمانة صعبة ومسؤولية باهظة وقيود صارمة وحرية الكلمة أرقي أنواع الحريات لأنها أداة التعبير الحر ومظهر الاحترام لكرامة الإنسان، ص ٢٤٠، دار المعارف ۱۹۷۰م.
الإيجابية: وتعني أن يكون الأدب حافزًا لهمة الإنسان، ودافعًا له للمشاركة الفعالة في قضايا الإنسان والكون، وهذا يقتضي أن يشتمل الأدب على النماذج الإنسانية والواقعية التي توضح قدرة الإنسان وفاعليته ودوره الإيجابي في الحياة.
إن الإيجابية في التصور الإسلامي – مع الاعتراف بالجوانب السلبية في الإنسان والضعف البشري – تنطلق من الإيمان بقدرة الإنسان الهائلة على الفعل وتطوير الحياة والأدب المنبثق من التصور الإسلامي، يكشف عن هذه القوة الكامنة وجوانبها المختلفة، ولا يتوقف عند لحظات الضعف التي يكون الإنسان عندها سلبيًا، والتي تغرس في الإنسان الشعور المستمر بالعجز والنقص.
- أدب هادف كذلك فإن من أهم خصائص الأدب الإسلامي، أنه يهدف إلى تهذيب الذوق، وتربية النفس، ويشارك في قضايا الأمة، ويدلي برأيه في القضايا الإنسانية الكبرى.
إن الأدب في مفهوم التصور الإسلامي ليس عبثًا أو فوضى، كما أنه ليس مجرد شاهد صامت، يمكن أن يتجاهل محاولات بعض المناهج والمذاهب الأدبية، التي تلغي قيمة الأدب أو تحصرها في المتعة والتسلية والترفيه عن النفس، أو تقصرها على هدف مادي وحيد.
لقد كان للأدب، حتى قبل الإسلام، أهمية قصوى، لأن الأديب كان يعبر عن بيئته وقضاياها، وعن الإنسان وهمومه ولما جاء الإسلام، ومعجزته بيانية، احتفى بالإبداع والمبدعين، وفتح أمامهم طاقات جديدة له وأرشدهم إلى ما ينبغي عليهم صنعه إزاء الأحداث الجارية، فنرى الرسول -صلى الله عليه وسلم-يأمر عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وسائر الشعراء المسلمين بالرد على المشركين والدفاع عن الإسلام، وبذلك أصبح للأدب دور فعال ومؤثر في الحياة، وأصبحت الكلمة أقوى من السيف، وقد جزعت قريش حين علمت أن الأعشى خرج بريد الإسلام، فاعترضت طريقه وما زالت به ترهبه وترغبه حتى عاد عن مقصده.
ولم يكن جزع قريش بسبب إيمان الأعشى كفرد عادي، لأن مئات الأفراد قبله، دخلوا في الإسلام، لكن جزعها يرجع إلى أن الأعشى شاعر كبير، ويمكن أن يكون لشعره تأثير هائل في الناس لو أسلم، لذلك تصدوا له ومنعوه من الخروج.
والأدلة على دور الأدب وأهميته في الحياة كثيرة ومتعددة، وهي تجعلنا نتساءل: كيف حاد الأدب عن غايته، وأصبح هذا الفن الراقي المؤثر طلاسم وشطحات وكيف هانت على بعض الأدباء في زماننا قيمة الأدب، فنزعوا عنه أهدافه النبيلة، وجردوه عن أهم خصائصه بدعوى التجديد في الشكل أو عالمية الأدب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل