العنوان بعد مقاطعة الجماعة الإسلامية: الانتخابات الباكستانية وعود وسط التشكك
الكاتب أمجد الشلتوني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 49
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 04-فبراير-1997
باكستان
- مقاطعة الجماعة الإسلامية للانتخابات أضعف فرص بنازير في تشكيل الحكومة القادمة، بينما فتحت فرصًا أكبر لحزب نواز شريف في تشكيلها
- تجمعات لأنصار الجماعة الإسلامية في الانتخابات السابقة
مع اقتراب الثالث من فبراير القادم كانت الساحة السياسية الباكستانية قد أتمت استعدادها لخوض عملية انتخابية جديدة، ربما كانت الأكثر حساسية منذ نشأة الدولة التي تحتفل هذا العام بنصف قرن على تأسيسها.
وبين الشعارات البراقة التي يرفعها قادة الأحزاب السياسية المتنافسة وسباق الوعود الذي تشهده المهرجانات الانتخابية، يقف المواطن الباكستاني مترددًا تراوده شكوك في أن يسفر المهرجان الانتخابي - على غير عادته ـ عما يصبو إليه من استقرار ورفاهية وازدهار.
ويُعتقد على نطاق واسع أن جملة من الأسباب التي ستدفع الناخب الباكستاني إلى الإحجام عن الإدلاء بصوته، مما يسهم بشكل واسع في تشكيل الخريطة الحزبية في البرلمان القادم، ويشكل تهديدًا لأية حكومة قادمة بالنظر إلى افتقادها للدعم الشعبي الكافي للقيام بمسؤولياتها.
وقد ظلت الآراء السياسية في البلاد منقسمة منذ حل حكومة بنازير بوتو مطلع نوفمبر الماضي حول الأولويات الدستورية في المرحلة القادمة، حيث دعت الجماعة الإسلامية وعدد كبير من الأحزاب وكبار الشخصيات السياسية والفكرية إلى ضرورة محاسبة المفسدين الذين نهبوا ثروات الدولة وحرمانهم من خوض الانتخابات العامة القادمة، ولو أدى ذلك إلى تأجيل الانتخابات، ويبرر هذا الرأي طروحاته بالتأكيد على أن أية انتخابات تجرى قبل إتمام محاسبة المفسدين، فإنها لن يكتب لها النجاح في تحقيق طموحات الشعب واختيار وجوه جديدة تتمتع بالمصداقية والسمعة الحسنة، ويرى أنصار هذا الفريق أن من الضروري إعادة النظر في توزيع المقاعد حسب الكثافة السكانية بالنظر إلى أن التوزيع الحالي للمقاعد يعود إلى مطلع الثمانينيات، وقد شهدت التركيبة السكانية منذ ذلك الحين اختلافًا واسعًا أحدثته ثورة الهجرة نحو المدن، موضحين أن نسبة كبيرة من الإقطاعيين والنفعيين يجدون فرصتهم للفوز في المناطق الريفية، حيث تنتشر الأمية والجهل والمحسوبية الشخصية، وتتمتع هذه المناطق حسب التوزيع السابق بنحو ٧٠% من مقاعد المجلس في حين لا تجد المدن سوى 30% من المقاعد تتزاحم عليها الأحزاب والأفكار السياسية.
وفي الجهة الأخرى يقف المنادون بالإسراع في إجراء الانتخابات مشددين على أن الحكومة الانتقالية لا تملك تخويلًا شعبيًّا بممارسة صلاحياتها على نحو واسع، وأنها ملزمة حسب نصوص الدستور بإجراء الانتخابات في موعدها.
وإزاء هذه الآراء المتضاربة بدت الحكومة الانتقالية في الأيام الأولى لتشكيلها عازمة على إجراء أكبر قدر من البحث في ملفات الفساد، وتجريم المتهمين فيه قبل حلول الانتخابات، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تراجعًا واضحًا عن التعهدات التي قدمها رئيس الوزراء معراج خالد فيما يتعلق بالمحاسبة، وتمثل الموقف الحالي للحكومة بدعوة الشعب إلى ممارسة محاسبة شعبية عبر صناديق الاقتراع، وذلك باستبعاد الفاسدين، وانتخاب النزهاء من المرشحين، وتبدو هذه الدعوة لونًا من الإفراط في التفاؤل لا تدعمها نتائج الانتخابات على مدى السنوات الماضية، كما تبدو محاولة من الحكومة الانتقالية لتبرير تراجعها عن موقفها من المحاسبة، وهو تراجع ليس من المستبعد أن عوامل داخلية تتعلق باشتمال ملفات الفساد على أسماء كبيرة في الدولة ساهمت فيه، بالإضافة إلى عوامل وضغوط خارجية تتعلق ببعض الشخصيات المدعومة خارجيًّا التي كانت المحاسبة ستطيح بها من الميدان السياسي.
الجماعة الإسلامية: المقاطعة هي الحل
على الرغم من الدور البارز الذي قامت به الجماعة الإسلامية عبر مظاهراتها في إسقاط حكومة بوتو، إلا أن ترحيبها بالحكومة الانتقالية جاء مشوبًا بالحذر بسبب بعض الشخصيات التي احتوتها الحكومة، وعلقت الجماعة على ما يبدو آمالًا كبرى على عملية المحاسبة لتخليص الساحة السياسية من العناصر الفاسدة، وأبدت على الصعيد نفسه رغبة في المشاركة في الانتخابات عبر تحديدها لمرشحين في معظم المقاطعات الانتخابية، إلا أن فشل الحكومة الانتقالية في إجراء المحاسبة دفع الجماعة إلى إعلان مقاطعتها في ٢٩ من ديسمبر الماضي، خلال بيان صحفي ألقاه أمير الجماعة قاضي حسين أحمد.
وعلى الرغم من الحجم المتواضع الذي تحظى به الجماعة في البرلمان الباكستاني «۳ مقاعد من ۲۱۷ مقعدًا»، فإن قرارها هذا يكتسب أهمية خاصة بتأثيره على الحماس الشعبي للعملية الانتخابية من جهة، وبتأثيره على الأحزاب السياسية المتنافسة من جهة أخرى.
وعلى الصعيد الأول يشير المراقبون إلى أن نسبة ٤٠% من الإقبال التي شهدتها انتخابات عام ۱۹۹۳م قد لا تتكرر لانتخابات هذا العام، وأما على الصعيد الثاني فإن انسحاب الجماعة الإسلامية يمهد لبروز أكبر لدور الأحزاب المحافظة، ويضعف من فرص الأحزاب الأكثر ليبرالية.
ولعل قراءة سريعة في النتائج التي ستفرزها خطوة الجماعة الإسلامية هذه توضح أن حزب الرابطة الإسلامية «نواز شريف» سيكون الرابح الأكبر، حيث سيضمن قدرًا أكبر من المتعاطفين مع النهج المحافظ لحزبه، وسيتخلص من المنافسة التي أقدمت عليها الجماعة الإسلامية عام ١٩٩٣م التي سببت له خسارة كبيرة في مقاعده أدت إلى حرمانه من تشكيل الحكومة.
وبالمقابل فإن بنازير بوتو وحزبها «حزب الشعب الباكستاني»، قد خسرت بهذه الخطوة مراهنتها على تشتيت الصوت المحافظ، مما أضعف من أملها في السيطرة على عدد من المقاعد الجانبية، وتبدو خطواتها الآن متجهة نحو المحافظة على شعبية حزبها التي تتآكل تحت وطأة الانشقاقات المتعددة، والاتهامات بالفساد واستغلال السلطة دون تقديم إنجازات حقيقية للبلاد.
وفيما يتعلق بعمران خان لاعب الكريكت العالمي الذي يخوض الانتخابات لأول مرة تحت راية حزبه «حركة الإنصاف» فلا يزال من المبكر التنبؤ بأن يشكل ثقلًا سياسيًا خلال هذه المرحلة، وليس من شك في أن عددًا من مقاعد البرلمان ستضمنها حركته على أساس الإعجاب الشخصي والرغبة في إحداث تغيير في الوجوه السياسية، مما يعزز من موقعه ويجعله منافسًا محتملًا في عدد من المقاطعات لحزب نواز شريف الذي لا يوفر جهدًا في اتهام خان بروابط يهودية وجهات صهيونية مصدرها حقيقة زواجه من ابنة الملياردير البريطاني جولد سميث، وهي اتهامات يرفضها عمران خان، ويرى فيها محاولات للتعمية على فساد نواز شريف و حزبه وفشله في إنقاذ البلاد.
وسط هذا الكم الواسع من المهاترات السياسية تقف مؤسسة الرئاسة أمام مجموعة من الخيارات، وتحظى خياراتها هذه باحترام واسع للدور الذي لعبته في المرحلة الماضية، والذي أثبت أن رئيس الدولة فاروق ليغاري يتطلع إلى ممارسة صلاحياته الدستورية بفاعلية عبر قراره بعزل حكومة بوتو، واتخاذ مجموعة من الإجراءات بعد ذلك لضمان ترتيب البيت الباكستاني من الداخل، ومن المؤكد أنه لن يسمح للانتخابات أن تفرز عناصر تهدد إجراءاته هذه، مما يضيف مجموعة واسعة من الشكوك حول مستقبل الانتخابات ويجعل الأيام القادمة ساحة مفتوحة للمفاجآت التي قد تمتد لتشمل تأجيل الانتخابات بمبررات دستورية لإكمال المحاسبة وإجراء إحصاء عام للسكان، وهو مطلب دستوري لم ينفذ منذ الثمانينيات، وتبدو خطوة ليغاري الأخيرة بتشكيل مجلس للأمن القومي يضم رئيس الوزراء وقادة الجيش لتقديم المشورة في الشؤون المحلية آخر حلقة من حلقات البحث عن أسلوب أمثل وآلية أفضل لتسيير شؤون الحكم في دولة يحكمها الجيش على مدى نصف عمرها، فيما شهد النصف الآخر حكومات مدنية ساهم التسلط والحكم الشخصي الفردي في رسم أهم معالمها، فيما ظلت التنمية والرخاء وعودًا على أوراقه الحزبية.