العنوان البعث الإسلامي في تركيا
الكاتب عطية محمد سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975
مشاهدات 10
نشر في العدد 256
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 01-يوليو-1975
- أمة
الخلافة تتحرك من جديد.
- الشباب
التركي يتسابق لحمل راية الإسلام.
- على
العرب أن يصححوا مفاهيمهم التاريخية عن الخلافة العثمانية.
- السلطان
الذي آثر أن يضحي بعرشه دون التضحية بفلسطين.
تشهد تركيا الآن تحولًا كبيرًا في تاريخها الحديث ينبئ بـ عودة الإسلام إلى مواقعه في أرض الخلافة بعد أن أقصي عن المسرح مدة تزيد عن نصف قرن. بذلت خلالها كل الوسائل والمخططات لسلخ الشعب التركي عن الأمة الإسلامية وضمه إلى مجموعة الشعوب الأوروبية المسيحية.
إن أعداء الإسلام يشاهدون اليوم -والدهشة تعقد
ألسنتهم والحسرة تأكل قلوبهم- عودة الأتراك إلى دينهم وهم أكثر إيمانًا وحماسًا من
ذي قبل.. فالآلاف من الشباب التركي المثقف ينضمون كل يوم إلى المسيرة الإسلامية
الكبرى ليشاركوا في حمل الراية التي حملها آباؤهم أكثر من ثمانية قرون كاملة كانوا
خلالها سادة الدنيا شرقًا وغربًا.
لقد صحا الشعب العظيم من غفوته وهب من نومه قويًا
عملاقًا يحطم القيود ويدك الحصون التي وضعت للحيلولة بينه وبين الإسلام.
وعما قريب سيتحقق النصر وترفرف راية الإسلام خفاقة
على ضفاف البسفور كما كانت من قبل تعلن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن
المنافقين لا يعلمون..
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ) (الروم: 4-5).. بينما تأكل الحسرة قلوب
أعداء الإسلام في الشرق وفي الغرب وهم يشاهدون فجر الإسلام يسطع من جديد بعدما
بذلوا كل ما يستطيعون لإطفاء نوره في تلك البقاع إلى الأبد.
وتبدو لنا هذه الحسرة واضحة في كلمات عصمت إينونو
خليفة أتاتورك وشريكه في الإثم الذي ظل يحارب الإسلام بعده أكثر من أربعين سنة
ليقضي عليه بينما تشاء إرادة الله ألا يموت حتى يشهد طلائع الإسلام تتحرك من جديد.
قال عصمت وهو في مرض موته: «إنني لا أكاد أصدق ما
أرى... لقد بذلنا كل ما نستطيع لانتزاع الإسلام من نفوس الأتراك وغرس مبادئ
الحضارة الغربية مكانه فإذا بنا نفاجأ بما لم نكن نتوقع لقد غرسنا العلمانية
فأثمرت الإسلام».
ماذا يجري في تركيا الآن؟
إن العودة إلى الإسلام صارت واقعًا ملموسًا يشاهده
المراقبون في كل بقعة من أرض تركيا فهي في البيوت وفي الشوارع وفي المدارس
والجامعات وهي بين الشباب كما هي بين الشيوخ وهي عند النساء كما هي عند الرجال.
ولإعطاء صورة سريعة عن هذه العودة المباركة نحب أن
نلجأ إلى لغة الأرقام حتى تتضح لنا المجهودات الجبارة التي يبذلها الشعب التركي في
سبيل عودته للإسلام في شتى المجالات الحيوية الهامة:
1- المجال الثقافي والصحفي:
- 30
دار نشر إسلامية يملكها أفراد وهيئات..
- 25
مجلة إسلامية - أسبوعية - نصف شهرية - شهرية.
- 5
صحف يومية إسلامية.
- 1
مكتبة متخصصة للأطفال.
2- المجال التعليمي:
- 100
مدرسة نهارية وليليّة إسلامية للأئمة والخطباء في مستوى الثانوي.
- 10
معاهد عليا إسلامية للدراسات العالية.
- 2
كلية شريعة إحداهما بجامعة أنقرة والثانية بجامعة أرزروم.
- 250
دارًا لتحفيظ القرآن للبنين.
- 10
معاهد لتحفيظ القرآن للبنات.
3- في مجال التوعية الشعبية:
توجد في تركيا هيئات دينية متعددة تدعو إلى العودة
للإسلام أهمها جماعة النور وهي جماعة غير سياسية تعمل في محيط التربية الإسلامية
وقد أعلن نائب رئيس الوزراء في سنة 1967 أن تعداد هذه الجماعة يبلغ أربعة ملايين.
ويجتمع أفراد هذه الجماعة في كل من أنقرة وإسطنبول
والمدن الكبرى بمعدل 45 مجلسًا للمدارسة في دار الجمعية للرجال في كل أسبوع بينما
تخصص ثلاثة اجتماعات مدارسة للنساء خاصة في الأسبوع يتدارسن فيها رسائل النور.
4- الحج:
سمح بالحج لأول مرة بعد حظره لأكثر من أربعين سنة،
في عام 1382هـ وكان عدد الحجاج الأتراك في ذلك العام 18 ألفًا بينما بلغ في العام
الماضي سنة 94هـ 107 آلاف حاج وذلك بنسبة 600 بالمائة عما كان عليه قبل اثني عشر
عامًا فقط.
5- في المجال السياسي:
يعتبر حزب السلام حزبًا إسلاميًا يتبنى الدعوة إلى
العودة بالأمة إلى الإسلام. وقد تكون هذا الحزب قبل ثلاث سنوات واستطاع أن يحرز
تقدمًا ملحوظًا في كسب الجماهير إذ إن له رغم حداثة عهده عشرة نواب في البرلمان.
الرجل الذي أوقد مصابيح الهدى
لا بد لمن يبحث عن أسرار عودة الإسلام في تركيا من
الوقوف بإعجاب أمام شخصية الإمام سعيد النورسي - رضي الله عنه - (1873-1960م) فقد
استطاع هذا الإمام الجليل بما أوتي من رأي صائب وعقيدة راسخة وتخطيط سليم أن يحبط
كل المؤامرات التي دبرت للقضاء على الإسلام في تركيا.
فقد حمل الشيخ بديع الزمان -هذا لقبه في تركيا-
راية الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة حتى آتت أكلها بإذن ربها وهو رغم
أنه لم يتلقَ في شبابه علومًا نظامية في المعاهد والمدارس إلا أن الله -سبحانه- قد
خصه بذكاء نادر وعقلية فذة مكنته من تفهم العلوم الشرعية والثقافة العصرية وجعلت
منه مدرسة فريدة في الفهم الواعي للإسلام والدعوة إليه.
لقد عاصر بديع الزمان جميع الأحداث التي مرت على
تركيا منذ أواخر القرن التاسع عشر وشهد مصرع الخلافة واضطهاد العلماء ومؤامرات حرب
الإسلام فأخذ يجاهد بلسانه وقلمه منتقدًا وموجهًا في المجالين الديني والسياسي، ثم
اعتزل الجانب السياسي وتفرغ للتربية الإسلامية وتأليف رسائل الدعوة مما كان من
ثماره هذا الفتح المبين..
وإني لأرجو أن تتاح لنا الفرصة للكتابة عنه بتفصيل
أوسع في مجلة المجتمع.
تاريخ حافل بالأمجاد
تاريخ الخلافة العثمانية حافل بالأمجاد العظيمة
والمواقف البطولية الرائعة في حماية الإسلام والدفاع عنه والجهاد في سبيله.
لقد حمل العثمانيون راية الخلافة لفترة طويلة
استمرت ثمانية قرون كاملة امتدت من القرن الثاني عشر إلى القرن العشرين وهي أطول
فترة في التاريخ الإسلامي لأي عهد من عهود الخلافة.
لقد تم على يدي الخلفاء العثمانيين فتح القسطنطينية
وإخضاع دول شرق أوروبا كلها لراية الإسلام فكانت جيوشهم ترابط في يوم من الأيام
على أبواب فيينا بالنمسا وشمال البحر الأسود في روسيا كما كانت حدودهم تمتد داخل
القارات الثلاث.
وكان من أشهر خلفائهم السلطان مراد والسلطان محمد
الفاتح وبايزيد وسليم وأخيرًا عبدالحميد..
وقد شوه أعداء الإسلام تاريخ الخلافة العثمانية عن
عمد وأساءوا إليه إساءة بالغة وتبعهم في ذلك المؤرخون العرب الذين أخذوا ينقلون عن
المراجع الأجنبية الموتورة بغير تمحيص ولا روية.
وقد آن الأوان لتمحيص الحقائق التاريخية المجردة
لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
الخليفة الذي ضحى بعرشه في سبيل فلسطين
السلطان عبدالحميد من الشخصيات التي تعمد المؤرخون
الغربيون تشويه سمعته لأنه كان يقف بصلابة أمام مطامعهم الاستعمارية والصهيونية
ولأنه كان يعتزم تقوية الخلافة بدعوته إلى الجامعة الإسلامية.. يكفيه من كل أعماله
مواقفه الخالدة بشأن فلسطين التي كان المؤتمر الصهيوني العالمي يخطط لها بمساندة
بريطانيا لتكون وطنًا قوميًا لليهود مقابل بعض القروض المالية لإنقاذ خزينة
الخلافة من الانهيار الذي كان يتهددها.
دخل هرتزل مندوب المؤتمر اليهودي على السلطان عن
طريق أحد الوزراء وأخذ يتكلم عن طلب المؤتمر من الجناب العالي السماح باقتطاع جزء
من فلسطين لليهود لإقامة وطن لهم مقابل مبلغ ضخم من المال كقرض طويل الأجل للخزانة
إضافة إلى مبلغ خمسة ملايين جنيه إسترليني هدية (رشوة) للسلطان شخصيًا، فاستشاط
عبدالحميد غضبًا وطرد هرتزل والتفت إلى وزيره قائلًا له في ثورة: «من أذن لك أن
تدخل علي هذا الكلب القذر؟!».
وقال هرتزل وهو يغادر مجلس السلطان: «ستدفع ثمن ذلك
غاليًا يا عبدالحميد».
وفعلًا تحقق قول المندوب اليهودي ففقد عبدالحميد
عرشه وقضى بقية حياته في المنفى دون أن يساوم في شبر من أرض فلسطين ولو لم يكن له
غير هذا الموقف لكفاه.
مخططات حرب الإسلام في تركيا
لقد كانت المؤتمرات تعقد بشأن المسألة الشرقية في
برلين ولندن وفيينا وباريس لوضع الخطط لإنهاء الخلافة العثمانية واقتسام أملاك
الخلافة التي كانوا يطلقون عليها لقب رجل أوروبا المريض.
وهم في سبيل تحقيق هذه الغاية قد استغلوا الظروف
الدولية والأزمة المالية لخلق المشاكل الداخلية للسلطان، ثم عمدوا إلى إثارة الفتن
ودفع بعض الضباط الموالين لليهود والمطامع الغربية للقيام بضغط دائم على الباب
العالي.
وجاءت فترة الحرب العالمية الأولى فتحالف السلطان
مع ألمانيا ضد الحلفاء.
وفي أثناء فترة الحرب استغلت بريطانيا وفرنسا
الموقف فاستعمرتا الدول العربية وسخرتاها للدخول معهما في الحرب ضد تركيا مقابل
الوعود الكاذبة.
وبكل أسف نشط العرب لذلك فقاموا بدور كبير في تحطيم
الخلافة ونسف سكة حديد الحجاز وقطع خطوط التلغراف بالإضافة إلى الاشتراك الفعلي في
الحرب ضد تركيا.
وكانت المكافأة التي قدمها الحلفاء للعرب مقابل ذلك
هي وعد بلفور بتوطين اليهود في فلسطين وقرار عصبة الأمم في 30-9-23 بتكليف
بريطانيا بتحقيق وعد بلفور.
إنهاء الخلافة وسلخ تركيا عن الإسلام
كان مصطفى كمال - أتاتورك - ومجموعة من الضباط
يحركون الأوضاع في تركيا بواسطة جمعية الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة كما
كانوا يخططون مع مجموعة كبيرة من الضباط لإحداث انقلاب عسكري يطيح بالخلافة.
وفعلًا تم الانقلاب في سنة 1922 وجمدت صلاحيات
السلطان الإدارية والسياسية، ثم ألغيت الخلافة سنة 1924 وتبع ذلك إجراءات تعسفية
ضد الإسلام:
1 - إلغاء الشريعة الإسلامية في التشريع والقضاء.
2 - تعطيل مجلة الأحكام العدلية واستبدال القانون
السويسري بها.
3 - حظر الكتب العربية والإسلامية.
4 - استبدال اللاتينية بالحروف العربية.
5 - تحريم الأذان باللغة العربية.
6 - استبدال الزي الأوروبي بالزي العربي.
7 - إعلان سفور المرأة التركية.
8 - منع الحج إلى الأراضي المقدسة في الحجاز.
9 - مصادرة أموال الوقف الإسلامي.
10 - اعتبار تركيا جزءًا من أوروبا لا تربطها أي
رابطة بالدول العربية والإسلامية.
انتصار الإسلام
ورغم هذه الحملات الجائرة والمخططات الرهيبة فإن
الإسلام عائد إلى تركيا لا محالة فهو يحقق كل يوم تقدمًا واسعًا وخطوات جبارة.
إن شعب الخلافة قد استيقظ من سباته ليحمل الراية
كما حملها آباؤه وأجداده من قبل.
وهو لن يقف في حدود البسفور وإنما سيحمل دعوة
الإسلام إلى الناس كافة في الشرق وفي الغرب. فطلابهم في الخارج وعمالهم في الدول
الأوروبية وجنودهم أينما ذهبوا يحملون معهم الإسلام. وكمثال لهذا ما فعلوه في
كوريا الجنوبية في سنة 1954 عندما ذهبت فرقة من الجيش التركي للقتال أثناء الحرب الكورية
فنشرت الإسلام هناك، حيث بلغ عدد الذين اعتنقوا الإسلام في غضون عشرين سنة أكثر من
نصف مليون كوري جنوبي.
أعزك الله يا شعب الخلافة فطالما عملت على إعزاز
الإسلام.
ونصركم الله يا جنود الحق فسيروا على بركة الله فقد
طلعت تباشير الفجر الصادق.