العنوان البعد الإسلامي في قضية فلسطين
الكاتب عارف عطاري
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 93
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 02-مارس-1976
تدخل الثورة الفلسطينية الآن عامها الثاني عشر، يصاحب ذلك، كما هو الحال كل عام، تحليلات لنشوء هذه الثورة وأبعادها، بل أبعاد القضية الفلسطينية برمتها، ولكن البعد الوحيد الذي لا تطرقه التحليلات هو البعد الإسلامي الذي أصبح الحديث عنه نوعا من الخجل والخوف بسبب الإرهاب الفكري الذي يملأ أفواه الكثيرين بالماء، أو نوعًا من الألفاظ المكررة التي لا تشير إلى واقع ملموس.
وسأتناول هذا البعد ضمن دوائر ثلاث:
من الناحية التاريخية:
يبدو نوعًا من التكرار أن نؤكد أن قضية فلسطين قضية إسلامية، تعود في جذورها وترتبط في تفاعلاتها سلبًا وإيجابًا بالتاريخ الإسلامي الطويل، فالمعروف أن قضية فلسطين هي الشكل الأكثر تفجرًا للهجمة الصليبية التي اتخذت شكل الاستعمار الأوروبي الحديث الذي جزأ العالم الإسلامي وقرضه قرضًا بدءًا بأطرافه وانتهاء بقلبه، وكان ذروة ذلك سقوط الدولة العثمانية التي مهما قيل في سيئاتها، إلا أنها أخرت الاستعمار الأوروبي القادم من أسبانيا والبرتغال قرونا عديدة. ولقد أدركت أوروبا أن قوة العالم الإسلامي يكمن في وحدته الناجمة عن عقيدته فكان لا بد من القضاء على تلك الوحدة وإضعاف تلك العقيدة، والتقت الأفكار الأوروبية التي عبر عنها كارل بنيرمان في سنة ۱۹۰۷، في خطابه أمام لجنة الخبراء.. يجب أن تفكروا في هذا الخطر المائل في العالم الذي يقع على شواطئ المتوسط الجنوبية والشرقية من مصر إلى الإسكندرونة مرورًا بغزة والذي يمتد غربًا حتى الرباط وشرقًا حتى خليج البصرة، هذا العالم الذي يملك كل مقومات الوحدة، يجب أن تفكروا في غرس جسم غريب بين شطري هذا العالم، جسم غريب يفتت وحدته، وقوي يجعله في حرب دائمة لا تتيح له الفرصة لاستغلال ثرواته وطاقاته، التقت هذه الأفكار الأوروبية بالأفكار الصهيونية التي عبر عنها بن غوريون في كتابه «بعث إسرائيل ونشوئها» لقد أعيد بناء دولة اسرائيل في القسم الغربي من فلسطين التاريخية وهي لا تقل مساحة عن الدولة اليهودية خلال معظم فترة الهيكل الأول والثاني. ولكن خطورة المشكلة، مشكلة الأمن الراهنة ليست مسألة اختلاف حول الحدود بل هي تنبع من تغييرات بعيدة المدى حدثت بالقرب من أرض إسرائيل حوالي ٥٠٠ سنة بعد «باركوبيا» ومن الزلزلة الروحية التي غيرت وجه الشرق الأوسط وآسيا وجميع بلدان شمال أفريقيا ٠٠٠ ص ٤٦٣»
وهكذا نتج عن التزاوج بين الفكرتين هذا المولود غير الشرعي الذي فصل آسيا الإسلامية عن أفريقيا الإسلامية متخذًا شكل الاستعمار الاستيطاني.
تجاهل البعد الإسلامي
يستغرب المراقب إذا تجاهل هذا البعد تجاهلًا يكاد يكون تامًا، فيما عدا الاشتراك في مؤتمرات رسمية فرضتها الظروف أكثر مما فرضتها القناعات، وهي حتى في هذا المجال يشوبها العديد من الشوائب التي تلازم الرسميات.
فالبعد الإسلامي لا يتمثل بالمؤتمرات الرسمية بقدر ما يتمثل في بناء العلاقات المتينة مع شعوب العالم الإسلامي، وبناء العقيدة الإسلامية في نفوس المقاتلين.
يستغرب المرء هذا التجاهل، وهو يسترجع القضية في جذورها، ثم يستعرض الحركة الفلسطينية في النصف الأول من هذا القرن، تلك الحركة التي اتسمت بروح الجهاد، ويبدو ذلك جليًا في أشخاص قادتها وهم في غالبيتهم العظمى مشايخ فلسطين القسام وحرصان السعدي والمفتي وغيرهم وفي اتجاهات أفرادها ودوافعهم.
وكات علاقة هذه الحركة مع العالم الإسلامي علاقة أساسية فعالة تقوم على وعي بطبيعة المعركة وأبعادها.
وجاءت الحركة الإسلامية في ١٩٤٨ إلى فلسطين، أقصد حركة الإخوان ، لتعطي هذا البعد لونًا واضحًا وزخمًا وفعالية، فجسدت محتواه الفكري ماديًا، في الوقت الذي كانت فيه الحركات الشيوعية تطالب بوقف القتال بل تدين القتال وتشجبه وكانت الضربات شديدة لكلا الحركتين، الفلسطينية والإسلامية، فكأننا في الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات، في شبه توقف أو في مرحلة إعادة البناء ثم كانت فتح في انطلاقتها عام ١٩٦٥، وكانت من بيانها الأول وأدبياتها وأحاديث قادتها استمرارًا للحركة الفلسطينية في طابعها الجهادي الإسلامي، وقد أخذ ذلك شكله الرسمي في بيان صدر عام ١٩٦٨ عن اجتماع ثماني منظمات في القاهرة حيث أكد البيان في أحد بنوده أن: تحرير فلسطين واجب عربي وإسلامي وإنساني.
حاولت فتح أن تمسك العصا من الوسط، فلم تتبنأيدولوجية معينة، لتتيح الفرصة لكل من يدعي التحرير أن يدخل المعركة، وكان هذا الموقف عامل قوة وضعف، عامل قوة بحيث أتاح لها أن تقوى أفقيًا لا عموديًا، وعامل ضعف عموديًا من حيث التنظيم والتماسك.
وكانت الحركات والأفكار اليسارية قد انتشرت وقويت في الخمسينيات والستينيات مدعومة بأنظمة عربية وأجنبية، ومدعومة بضرب الحركة الإسلامية في تلك الفترة، وقد رفعت هذه الحركات، مثلها في ذلك مثل الأنظمة التي دعمتها، شعارات التحرير دون أن تقدم واقعًا يدل على ذلك، فكان موقف فتح السابق فرصتها للعمل، حتى لا تفقد مكانتها وتتعرى مواقفها الحقيقية، فكان الدخول اليساري المحلي والدولي إلى الساحة الفلسطينية خاصة الساحة الإعلامية، وفي نفس الوقت ابتعاد العنصر الإسلامي، أقصد التنظيمات الإسلامية، عن الساحة، فيما عدا فترة زمنية قصيرة، وكان تشابك الظروف والاهتمام بالانتصارات العاجلة، وكان وكان، كان ذلك كله، عاملًا في اختفاء الشعار الإسلامي تدريجيًا. من الساحة الفلسطينية، حتى أصبح لحامله نوعًا من الاتهام. وجهدت العناصر اليسارية في جبهة الإعلام، في إزالة وتشويه الصورة الجهادية السابقة في النصف الأول من هذا القرن، ففرضت تعتيمًا كاملًا على جهاد الإخوان عام ١٩٤٨، بل وعكست تلك الصورة اعتمادا على شعور الناس تجاه النظام الناصري، كما تعسفت في تحليلها للحركة الفلسطينية السابقة بحيث تزيل عنها صبغتها الإسلامية، فالقسام، مثلًا، يمثل ثورة رجل الدين الكادح ضد الإقطاع الديني الذي يمثله الحاج أمين، والمجاهدون الفلسطينيون دفعتهم الوطنية ولم يدفعهم الدين.. إلى آخر ما هنالك من تفسيرات اعتباطية، ولو استطاعوا أن يزيلوا من أذهان الناس تلك الصورة نهائيًا لفعلوا.
وهكذا اختفى الشعار الإسلامي من المعركة تدريجيًا فيما خلا الاشتراك في مؤتمرات رسمية، قلما يلتزم من يحضرها بالإسلام.
حين تدخل في نقاش مع الذين يتجاهلون البعد الإسلامي أو يرفضونه تجد التبريرات التالية:
- يقولون: ماذا فعل العالم الإسلامي لفلسطين، ألم تعترف دول إسلامية بإسرائيل وأقامت علاقات معها في مختلف المجالات، مثل تركيا وإيران، برهان يبدو مقنعًا للكثيرين، ولكن يخطر لنا أن نتساءل: لو اعترفت أحد البلدان العربية بإسرائيل هل يسقط ذلك البعد العربي للقضية؟
ثم لماذا لا نرى إلا جانبًا واحدًا من الصورة، أليس هناك دول إسلامية أخرى لا يقل حماسها للقضية عن حماس أي دولة عربية مندفعة للتحرير مثل باكستان أو أندونيسيا، لماذا يفرض على مواقفها تعتيم شبه كامل، وأحيانًا تشويه مقصود (كأن يقال إن ضباطًا باكستانيين اشتركوا في مجازر أيلول)، ثم، هل العلاقات التركية الإسرائيلية أو الإيرانية الإسرائيلية أقوى من العلاقات الإسرائيلية الهندية أو الإسرائيلية الكوبية أو القبرصية، أو أي دولة تصنف في عداد الأصدقاء؟
في الهند قنصلية إسرائيلية وفي تركيا وإيران كذلك، كوبا قطعت علاقاتها السياسية فقط، قبل حرب رمضان بقليل إثر مشادة بين كاسترو والقذافي في مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر.
أما قبرص التي طالب البعض بنقل حرب التحرير إليها لطرد الجيش التركي فلقد بلغت تجارتها مع إسرائيل عام ١٩٦٠ ما يعادل تجارتها مع جميع الدول العربية كما فشلت كل الجهود العربية لمنع إقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين إسرائيل، التي قدمت إليها مساعدات فنية قبل عامين من استقلالها، ولقد زار وزير دفاعها «أويك» إسرائيل عام ١٩٦١، وكذلك وزير المواصلات والعدل. كما أرسل بعض القبارصة لدراسة الزراعة وصيد الأسماك في إسرائيل، كما أقيمت مزرعتان نموذجیتان بالتعاون بين البلدين، وأنشئت غرفة تجارية قبرصية إسرائيلية في كل من القدس ونيقوسيا.
أما في أفريقيا فعندما حاول السفير المصري أن يشرح لنيريري «ما يجب أن يفعله تجاه خطر التغلغل الإسرائيلي قاطعه بقوله: لا نسمح أبدًا لأصدقائنا أن يختاروا لنا أعداءنا أما «لوممبا» فقد كانت تربطه علاقة وثيقة وممتازة مع الممثلية الإسرائيلية في الكونغو.
ودعك من العلاقات بين إسرائيل وبلدان أوروبا الشرقية الصديقة فالجدال فيها نوع من اللغط.
وبعد هذا وذاك تبقى العلاقة مع شعوب تلك الدول أو آراء واتجاهات تلك الشعوب تجاهنا، وهي الأهم من العلاقات الرسمية مع الحكومات، فحتى لو منحتنا الهند أو كوبا التأييد المطلق وقطعت كامل علاقاتها مع إسرائيل، وفي المقابل لو أقامت دول العالم الإسلامي علاقات كاملة مع إسرائيل في الحالتين تبقى الشعوب.
في الحالة الأولى، أي لو قطعت الدول غير الإسلامية كامل علاقتها مع إسرائيل، تبقى قطاعات سكانية منظمة وغير منظمة تؤيد إسرائيل، وقد تقف من حكوماتها موقف المعارضة العلنية أو القلبية، وفي الحالة الثانية، أي لو أقامت الدول الإسلامية علاقات كاملة مع إسرائيل تبقى قطاعات السكان بأغلبها، إن لم نقل بكاملها، غير مؤيدة لإسرائيل، ومعارضة علنًا أو سرًا لذلك الموقف، ودونما حاجة إلى الإعلام ، بينما تحتاج الشعوب الأخرى إلى التواجد الإعلامي الكثيف.
في الهند مثلًا، رغم كل ما يقال عن تأييدها للعرب وعن أفكار المهاتما غاندي بهذا الصدد، وحتى لو تجاهلنا القنصلية الإسرائيلية والعلاقات الرسمية، هناك قطاعات شعبية تؤيد إسرائيل وتحتج على أي تقارب مع العرب، هناك علاقات وثيقة بين الماباي وحزب «براجا» الاشتراكي ففي نيسان عام ١٩٦٠ زار إسرائيل وفد من ذلك الحزب لحضور المؤتمر الاشتراكي العالمي في حيفا، أعلن عضو اللجنة التنفيذية «برج موهان توفان» إثر الزيارة.. لقد أخطأت بلادي عندما لم تقم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل...» كما تحركت المعارضة من أنصار إسرائيل منتقدة عدم استقبال شازار رسميًا عندما زار الهند..
وفي الصحافة، فإن صحيفة «تايمس أوف إنديا» أكثر الصحف الهندية انتشارًا، كتبت أكثر من مرة تطالب بوقف الجمود في العلاقات الهندية الإسرائيلية وبتعديل قواعد السياسة الخارجية فيما يتعلق بالعلاقات العربية الهندية.
كما كتب «فرانك مورس» الصحفي الهندي، في الإكسبرس» الهندية: «ليس شيئًا مستساغًا لبلدان كالهند أن لا تعترف ببلدان تحاول جاهدة أن تطور ذاتها سياسيًا واقتصاديًا مثل إسرائيل.. إذا كنا ملتزمين بعدم الانحياز بحماس حار فكيف نفسر تحيزنا ضد إسرائيل».
قال زعيم حزب «سوانانترا» شري باتل إسرائيل دولة من دول آسيا الديمقراطية ولقد أصبحت دولة حديثة بجهد مضن وحولت الصحراء إلى مزارع خصبة منتجة في حين أن حسادها لا زالوا متخلفين وراءها.. علينا أن نكون وديين لإسرائيل... إذا أرادوا أن يساعدونا في استصلاح الصحراء في راجستان فإن من المتوجب علينا أن نرحب بذلك…
بالإضافة إلى طائفة السيخ التي أهدى زعيمها إلى دايان سيفًا مذهبًا بعد عام ١٩٦٧، بالإضافة إلى جمعية الصداقة الهندية الإسرائيلية، التي تضم شخصيات من النخبة الهندية من شعراء وكتاب وصحفيين، بالإضافة إلى العلاقات المتبادلة بين جمعية المزارعين الشباب الهندية وحركة الكيبوتز، إلى اشتراك طلبة هنود في المعهد الأفرو آسيوي في حيفا.
أما تركيا فقد اضطرت أكثر من مرة إلى سحب مفوضيها وإغلاق مكاتبها في إسرائيل لتحسين علاقاتها مع العرب عام ١٩٥٦.
باختصار، لئن كان هناك تشابه بين مواقف بعض الدول الإسلامية تجاه فلسطين ومواقف الدول غير الإسلامية، فإن هناك فارقًا أساسيًا واضحًا بين مواقف الشعوب في تلك الدول. بل إن الأقليات الإسلامية في دول غير إسلامية، تؤيد العرب، في الفلبين مثلًا، أجبر المسلمون عام ١٩٦٧، آيبان على الخروج من الباب الخلفي للمطار وسدوا الشارع الذي كان مقررًا أن يمر فيه كما حطموا مبنى السفارة الإسرائيلية وحرقوا سيارة السفير.
لقد كان وجود دول إسلامية أو مجموعات سكانية إسلامية كبيرة في بعض الدول عائقًا أمام التسلل الإسرائيلي في آسيا.
وتبقى ملاحظة أخيرة، أن المصلحة هي التي تحكم العلاقات الإسرائيلية مع الدول غير الإسلامية، بيمنا المبدأ أو الخوف من المعارضة الداخلية هو الذي يحكم علاقة إسرائيل بالدول الإسلامية. تقول الجويش أوبزرفر: إن عدم اعتراف الهند بإسرائيل ناتج عن موقف مصلحي، فطالما أن قضية کشمیر قائمة سيبقى موقف الهند كما هو، ولا يتغير، كي لا تخسر الهند الأصوات العربية في الأمم المتحدة، ولا تستطيع إسرائيل أن تفعل الكثير إزاء ذلك والزمن وحده أو تغير دراماتيكي في العلاقات الهندية الباكستانية هو القادر على إحداث تغيير لصالح علاقات أفضل» (۱) هذا وإن الطمع في أموال البترول العربي الذي دفع الكثير من الدول لتأييد العرب.
يقابل ذلك كله نكران عربي للجميل، فنحن في أغلبنا مع الهند ضد باكستان أو على الأقل على الحياد، مع اليونان وقبرص ضد تركيا، مع ماركوس، مع نيريري، مع أثيوبيا، أو على الأقل على الحياد، نغض الطرف عن مآسي المسلمين في تلك الدول، ويتهم بالجنون أو المراهقة من أيدهم ولو كلاميًا.
هذه مجرد خطوط عريضة، ولكن علاقة العالم الإسلامي بقضية فلسطين، بحاجة إلى دراسة شاملة وثائقية، لم يقم بها أي باحث حتى الآن فيما أعلم.
● يقول المتجاهلون أو الرافضون للبعد الإسلامي، إن تبني هذا البعد يتعارض مع المفهوم المعاصر للتحرر الوطني من حيث إنه:
أ- يتعارض مع محاربتنا لإسرائيل عنصرية دينية.
ب- يتعارض مع الحل الديمقراطي العلماني للمشكلة.
ج- يفقد تأييد العالم الخارجي.
د- يخلق مشكلة مع الأقليات غير الإسلامية.
هـ- يضعف المعارضة اليهودية اليسارية خاصة داخل إسرائيل وخارجها.
ولكن لو تركنا الأوهام جانبًا وتمسكنا بالحقائق فماذا نجد؟
فيما يتعلق بالنقطة الأولى والثانية فالحل الديمقراطي للمشكلة هو حل غربي لمشكلة اللاسامية التي لم يعرفها المسلمون، لم تنشأ اللاسامية في العالم الإسلامي، بل في أوروبا حيث نشأت من عقدة المسيحية تجاه صلب اليهود للمسيح، بما يدعون، وهي الحادثة التي ينفيها الإسلام أصلًا. لقد عانى اليهود في أوروبا من المسيحية، هذا صحيح، واليهودي يوضع في مرتبة الزنجي من حيث النظرة… ولكن ما علاقتنا بذلك كله، في التاريخ الإسلامي القديم أتاح لهم الرسول بعد الهجرة أن يعيشوا في المدينة وظلوا حتى نقضوا عهدهم فطردوا، وفي الخلافة الإسلامية عاشوا كأية أقلية.
وفي أواخر القرن الخامس عشر لم يجد اليهود في العالم مكانًا أكثر اطمئنانًا وتسامحًا من القسطنطينية وسرعان ما صار يسكنها أكثر من ٣٠ ألف يهودي هربوا من اضطهاد أوروبا، ووصل اليهود الهاربون من أوربا الشرقية الوسطى عن طريق القسطنطينية إلى صفد (2).
وفي العصر الحديث، في الجزائر مثلًا رفض قادة الحركة الوطنية مساعدة النازيين ضد اليهود حين تسلمت حكومة فيشي الحكم، وقاموا بجهود واسعة الحؤول دون تطبيق القوانين النازية ضد اليهود، وحاول قادة الثورة إقناع اليهود بمساندة الثورة ووجهوا نداء إلى كبير حاخامات الجزائر وممثلي الطائفة اليهودية تطلب منهم التعقل والمساهمة في بناء جزائر حرة وأخوية، ولكن هذه النداءات لم تلق آذانًا صاغية لدى الأكثرية من اليهود، الذين أثروا الحكم الفرنسي، باعتراف جوزيف شختمان، أما مراسل «الجويش تدوي نكيل» فقال في ديسمبر عام ١٩٥٨، كان أكثر من ٨٠ ٪ من اليهود يؤثرون ضم الجزائر إلى فرنسا، وساندوا السلطات الفرنسية في محاولتها القضاء على الثورة، واشتركوا في السلاح أحيانًا كما حصل في مدخل الحي العربي في مدينة قسنطينة، حين قتلوا ستة عرب وجرحوا أربعة، ورغم ذلك رحب قادة الثورة ببقاء من أراد من اليهود في الجزائر.
في مصر، اعترفت الوكالة اليهودية في آذار ١٩٤٦، في تقرير قدمته إلى اللجنة الأنجلو أمريكية، أن ظروف اليهود عامة في مصر أفضل من أي بلد آخر قمنا بمعاينته حتى الآن.
في المغرب دافع محمد الخامس عن اليهود المغاربة خلال الحرب العالمية الثانية حين حاولت حكومة فيشي تطبيق القوانين النازية ضدهم، ورغم ذلك آثروا البقاء الفرنسي ولم يسهموا في القتال.
في تونس، كان زعماء الحركة الاستقلالية التونسية ينتقلون من مسجد إلى مسجد لإقناع المسلمين بعدم الانصياع إلى الدعاية النازية ضد اليهود، ورغم ذلك ساند اليهود الفرنسيين في اعتدائهم على السكان والجنود التونسيين حين طالبوا بالجلاء عن بنزرت.
وبينما كان الاضطهاد المسيحي لليهود في أوروبا عامًا بحيث دفعوا إلى الهجرة تلقائيًا، احتاج الصهاينة ليهجروا اليهود من العراق إلى تفجير خمس قنابل في الكنس والمتاجر، كان آلافا من اليهود يقررون الهجرة إثر كل قنبلة، بينما لم يسجل سوى عدد قليل منهم اسمه للهجرة قبل تلك التفجيرات، ويؤكد مسؤولية الصهيونية عن تلك التفجيرات، كتاب يهود مثل الفريد ليلنتال ولويس کوهین (3).
ومثلما كان الاضطهاد المسيحي اليهود ناتجًا عن عقدة دينية، كان التسامح الإسلامي ناتجًا عن نصوص قرآنية أيدتها ممارسة الرسول- عليه السلام- وأحاديثه وخلفائه من بعده.
وإذا كان هذا بالنسبة لليهود فإنه بالنسبة المسيحيين أوضح، ولا داعي للتغلغل ثانية في أعماق التاريخ.
إن التأكيد على البعد الإسلامي لا يعني العداء أو التجاهل لغير المسلمين، ولكن مرة ثانية يجب ألا يكون ذلك على حساب العقيدة، يجب أن نعرف الحدود التي يؤيدنا فيها هؤلاء، ولا أنكر أن كثيرًا منهم قد امتزجوا بالمسلمين إلى درجة الوحدة والانصهار ولكن المبالغة في ذلك تفقد مبررها، لقد تغنينا زمنًا بالإخوة المسيحية الإسلامية، حتى نرفع الصليب، حضرنا ندواتهم، عينا قساوستهم قادة، تغزلنا بسليمان فرنجية وكميل شمعون وبطانته، في تظاهراتهم الكلامية أمام الأمم المتحدة، قال نزار قباني متغزلًا بفرنجية: «إنه يذهب بصورة الفارس الذي أكسبه الجيل اللبناني إباء وشممًا.
ثم ماذا؟ في حالات الفعل لا الكلام يبدو ذلك سخفًا ولغوًا...
فالفارس الجبلي فرنجية والفرسان الآخرون شمعون والجميل وأنجالهم، وشربل قسيس وسعيد عقل الذي طالما فتحت له مجلة الصياد القومية الاتجاه، صفحاتها، هؤلاء جميعًا أسقطوا كل الأقنعة…
وهكذا كما فعل اليهود في شمال أفريقيا، هؤلاء، نقرع أجراس كنائسهم فيهدمون مساجدنا، نتلو إياب إنجيلهم فيحرقوا مصاحفنا، ننحني لرجال دينهم فيقتلوا مشايخنا، ونهتف قائلين: الصيغة اللبنانية هي الحل الديمقراطي لقضية فلسطين. دعونا من هذا اللغو.
لقد احتاج السناتور الأمريكي جيمس أبو رزق، اللبناني الأصل، أسبوعًا من الشرح ليدرك الخطر الإسرائيلي على لبنان.
وإن كان التأكيد على البعد الإسلامي، يفقدنا تأييد هذه القوى التي يشك في تأييدها أفلا يفقدنا رفض هذا البعد تأييد القوى الإسلامية، التي يضمن تأييدها، من ناحية أخرى، وكذلك إذا كان التأكيد على البعد الإسلامي يخلق مشكلة مع العرب غير المسلمين. أفلا يخلق تجاهل ذلك البعد مشكلة مع المسلمين غير العرب. ولئن كان هذا هو الوضع في بلادنا فإنه في العالم الخارجي أكثر اتضاحًا من باب أولى، يجب أن نسعى لكسب تأييد العالم الخارجي، هذا صحيح ولكن على ألا نخسر أنفسنا، أو نجامل على حساب عقيدتنا، يجب أن نعرف حدود الدعم الخارجي، والخلفية التاريخية التي تتحكم في ذلك.
رغم كل مواقفنا، دعا فيليب بوتر أمين عام مجلس الكنائس العالمي إلى إعادة النظر في قرار إدانة الصهيونية، إذ ليس هناك دليل على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية.
إن العداء التقليدي للإسلام يفرض نفسه فرضًا على مواقف الغربيين، يقول الكاتب اليهودي الفريد ليلنتال: كثيرًا ما كان الحماس الديني للمسيحي الصهيوني يفوق تدين الصهيوني.. إن الكثير من المسيحيين اندفع في تأييد الصهيونية لأن الديانة الإسلامية تعتبر في نظرهم ديانة وثنية متطرفة، فكان تأييدهم لإسرائيل وسيلة من وسائل مقاومة خلق وحدة عربية مسلمة، وتعود هذه المحاباة والتغرض على المسلمين إلى العصور السالفة، أيام حدث الصراع بين المسيحيين والمسلمين وانتشرت القصص الخيالية حول الحروب الصليبية. (4).
ولعل في تجربتنا مع سارتر وعشيقته ما يثبت ذلك. لقد ساد أوروبا شعور صليبي بعد الإنزال التركي في قبرص حتى عاد الحديث هناك حول المسألة الشرقية، هذا الشعور هو نفسه الذي تحاول الكتائب إثارته في أوروبا، وليست التيارات اليسارية والماركسية بأحسن من ذلك، بشكل عام، فكما عارض مجلس الكنائس العالمي قرار إدانة الصهيونية، كذلك فعل الرفاق في صحيفة «يونيتا» الشيوعية الإيطالية، حيث قالت: «إننا لأسباب تتعلق بالمبادئ لا نقبل تشبيه الصهيونية بالعنصرية» واعتبر «بيترونيني» رئيس الحزب الاشتراكي الإيطالي القرار إهانة للحقيقة، وأعرب الحزب الاشتراكي الفرنسي عن سخطه على القرار.
والمعروف أن اليهود متغلغلون في هذه الأحزاب خاصة على مستوى القيادات.
مرة أخرى نريد تأييد العالم، لكن شرط أن لا نبيع أنفسنا مقابل بيان صحفي.
المراجع:
1- أسعد عبد الرحمن، آسيا وإسرائيل مركز الأبحاث، منظمة التحرير.
2- غسان كنفاني، في الأدب الصهيوني، مركز الأبحاث، منظمة التحرير.
3- إلياس سعد، الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، مركز الأبحاث، منظمة التحرير.
4- ألفريد ليلنتال، إسرائيل ذلك الدولار الزائف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل