العنوان البندقية و.. الرجل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أكتوبر-1973
مشاهدات 66
نشر في العدد 170
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 02-أكتوبر-1973
البندقية و.. الرجل
هذه المحن المتعددة التي تئن تحت وطاتها شعوبنا الإسلامية في شتى بقاع الأرض، كيف حدثت؟ ولماذا حدثت؟ وكيف يكون الخلاص منها؟ منذ اللحظة الأولى التي تلقى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكلمة الأولى من الوحي وحتى هجرته عليه السلام. إلى المدينة المنورة هذه المدة الممتدة ثلاثة عشر عاماً، لم يأل الرسول فيها جهدًا في تربية الرجال على المبادئ الإسلامية الحقة التي صافت من بسطاء مكة رجالاً اعترف لمهم العالم بالحنكة والسياسة والقيادة والعدل، وفيما تبقى من حياة الرسول وهي عشر سنين تفرغ فيها -عليه السلام- لإنشاء الدولة الإسلامية التي سادت العالم قرونًا طوالاً.
وتلفت أعداء الإسلام إلى هذه القوة المهيمنة تدك صروحهم وتشل عروشهم وتبنى على أشلائهم دولة ذات سيادة وقيادة وعدالة لم يشهد تاريخ البشرية، على امتداده، شبيها لها. تلفت هؤلاء الأعداء إلى هذه القوة: كيف يهزمونها، ومن ثم يتخلصون من سيطرتها وسلطانها؟! لقد كان أول رأي ارتأوه أن يقاوموها بقوة السلاح، فشهروا في وجهها كل -ما عرفوه من أسلحة، بدءًا بالسيف والرمح وانتهاء بالبندقية وأخواتها، وتوالت انهزاماتهم وارتكاساتهم، وبقيت دولة الإسلام مسيطرة على العالم، باسطة سلطانها على معظم أجزائه.
وراجع الأعداء حساباتهم، فدرسوا هذه الأمة التي لم يهزمها سلاح، كيف قاومت وصمدت؟ وما سر هذه المقاومة وهذا الصمود؟!
وانتهت دراسة خبرائهم وعلمائهم إلى أن السر في ثبات هذه الأمة يكمن في تربية رجالها على أسس متينة من المبادئ الإسلامية العظيمة التي يبثها فيهم القرآن الكريم.
فعرفوا الطريق، فأتوا الأمة من الباب الذي لا تهزم إلا منه، فأشاعوا فيها المنكرات، وزينوا الشهوات، فما هي إلا جولات حتى سقطت الأمة التي قاومت قرونا، فأصبح الحاكم محكوماً والسيد مسودًا، وغدا المسلم في وطنه غريباً كئيبًا، والكافر مواطناً سعيدًا! ورتع الأعداء في بلاد الإسلام وقد سيطرت جيوشهم العسكرية على الأرض. وتحكمت مفاسدهم في أخلاق الرجال.
وشاء الأعداء أن يرحلوا بجيوشهم، فهي تكلفهم غالياً، ولم تعد ذات جدوى بعد أن مكنوا للفساد في الأرض وسلبوا من الرجال الرجولة التي بها سادوا وقادوا.
رحل العدو ولم يزل موجودًا في أندية القمار وفي صالات الخيالة، وعلى شاشة التلفاز وفى المصارف والشركات وفي،... وفي ولم يزل موجودًا في أخلاق الرجال! وكم حاول المسلمون أن يتخلصوا مما تركه لهم الأعداء من مشاكل سياسية في فلسطين وكشمير وإرتريا وغيرها، واستعملوا لهذا كل سلاح، ولكنهم في النهاية زادوا المشاكل اتساعاً وانقلبوا وقد زادوا النكبات ضغثاً على ابالة.
لماذا لم تنفع البندقية؟ لم فشلت الطائرات والصواريخ؟ لماذا يتكرر الفشل ويتحطم الأمل؟
لماذا، ولماذا..؟
جواب هذه الأسئلة يكمن دائما في «الرجل» والخلاص إنما يكمن في هذه السنوات الثلاث عشرة التي قضاها الرسول العظيم -صلوات الله عليه- قبل الهجرة وقبل أن يأذن لأصحابه في استعمال السلاح.
أحمد لطفى عبد اللطيف