; التاريخ يتكلم | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ يتكلم

الكاتب أبو عمرو

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978

مشاهدات 54

نشر في العدد 404

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-يوليو-1978

سنة ٥٧٠ ميلادية هي السنة التي شاهدت عام الفيل، وما حدث لإبرهة الأشرم، ملك اليمن، وكيف هاجمه جيش من الطير، أهلكه وأهلك جنوده.

وقد سجل القرآن الكريم هذا الحادث وخلده بذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل1-5)

وزاد هذا الحادث في مكانة مكة الدينية وزاد في مكانتها التجارية. وكانت الوثنية قد رجعت وتسللت إلى حرمها بعد أن طهره إبراهيم الخليل هو وولده إسماعيل. عادت الوثنية في أول الأمر رموزًا للخالق المعبود، ثم فقدت مع مرور السنين رمزيتها وصارت معبودات.

هذه هي مكة التي استقبلت مولد الرسول عليه السلام، وهذا ما حدث لحرمها من عودة الأوثان والأصنام. ويذكر لنا المؤرخون أن المنطقة قبل المبعث رأت من إرهاصات عن نبي آن وقته. وهي إرهاصات صادقة. لا سبيل إلى الشك فيها.

فقد رفض البعض الوثنية العربية، كما رفضوا الأديان الوافدة. عرفت المسيحية في نجران والحيرة وتخوم الحبشة، وعرفت اليهودية في يثرب وما حولها، وعرفت الصائبة عبدة النجوم والكواكب، وعرفت المجوسية ومع ذلك كله رفضت قلة من الحنفاء هذه العبادات وما بينها من مظاهر التفاوت والخلاف والخصومة. ولا يفوتنا أن نشير أن ذلك كله كان بمثابة التمهيد لظهور دين جديد، إذا أضفنا إليه ما كان يجتاح الوجدان العربي من قلق وحيرة، وتطلع إلى نور يشرق ويغمر الكون، ويمزق الغشاوة ويسقط الأقنعة ويحطم الوثنية وينظف الأفنية والنفوس.

إذن لم تكن مكة مقطوعة الصلة بما حولها وإنما كان كل شيء يؤكد أنها تنتظر شعاع النور. اقتربت منها اليهودية والمسيحية، وأقامت في حرمها الوثنية، ورفض الحنفاء ذلك كله وانتظروا، فكان لابد أن يشرق النور، فكان مولد محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك المولد الطاهر في عام الفيل. وكان في ليلة مقمرة. نور القمر قوي يبشر بالخير. القمر يوشك أن يكتمل بدرًا في ليلة من ربيع الأول.

وضعته أمه في دار أبيه عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي بجوار البيت العتيق. وكان أبوه قد دفن عند أخواله بالمدينة بعد مرض ألم به في طريق عودته من الشام التي خرج إليها في تجارة. وهكذا ولد النبي عليه السلام بعد وفاة أبيه. وضعته أمه يتيمًا في حي بني هاشم بجـوار الحرم المكي، في تلك الليلة المقمـرة بنور نقي.

لما تم لآمنة بنت وهب الوضـع بعثت إلى عبد المطلب عند الكعبة تبلغه أنه ولد له غلام. فاض بالشيخ السرور حين بلغه الخبر، وكان حزينًا على وفاة ابنه عبد الله. مسح السرور ذلك الحزن فقام يسرع إلى زوج ابنه وأخذ طفلها بين يديه وضمه إلى صدره بحب وحنان، وسار به حتى دخل الكعبة، وسماه محمدًا. وكان هذا الاسم معروفًا، ولكنه غير متداول بين العرب.

وأتت مراضع بني سعد إلى مكة لحمل الأطفال إلى البادية وإرضاعهم وهذه عادة متبعة، وكان الإعراض من اليتامى، لذلك لم تقبل مرضعة على محمد اليتيم. ذهبت كل واحدة بمن ترجو من ورائه خيرًا. على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أقبلت على اليتيم بعد أن أعرضت عنه أول الأمر. يبدو أنها لم تجد طفلًا تحمله معها فعادت إلى محمد وأخذته أملًا في أن يكون بركة لها، وانطلقت به مع قومها إلى البادية وقد وجدت فيه بركة كما توقع زوجها الحارث بن عبد العزى. سمنت غنمها وفاض لبنها، وبارك الله لها في كل ما عندها.

كانت الصحراء المكان الطبيعي لنموه وإقامته، وظل هناك في بني سعد إلى أن بلغ الخامسة من عمره ثم عاد إلى أمه، وكفله جده عبد المطلب وغمره بفيض حبه ورعايته.

وكان يجلسه بجواره على فراشه في ظل الكعبة. وأن دل ذلك على شيء إنما يدل على ما كان يتمتع به محمد من مكانة متميزة عند جده، وما له في نفسه من آيات الحب والعطف. ثم كانت وفاة أمه آمنة كانت عائدة به بعد أن صحبته إلى يثرب ليرى الغلام المكان الذي دفن فيه أبوه. وكانت قد حدثته عنه.

في أثناء طريق العودة مرضت آمنة ثم ماتت ودفنت بالأبواء. ولم يعد مع الغلام غير أم أيمن تلك الجارية التي تركها أبوه مع قليل من الإبل وقطيع من الغنم. عادت به أم أيمن منتحبًا وحيدًا. 

منذ أيام كانت أمه الحبيبة تحدثه عن أبيه وعن سفره ومرضه وموته، وها هي تذهب أمام عينيه وتختفي من وجوده، فضاعف ذلك الألم في قلبه والحزن في نفسه. وبقيت ذكراها عميقة في وجدانه، ثم مات جده عبد المطلب بعد ذلك بعامين فحزن لموته حزنه لموت أمه. وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب. وجد في بيت عمه العوض عن جده وأبيه، ولم يجد العوض عن أمه، فلم ينلها أبدًا ولم يبعد عن مسمعه حشرجة احتضارها أمام بصره، وفي جوف الفلاة، ولذلك لم ينس مشهد موتها الفاجع.

وبلغ مبلغ السعي، وصحبه عمه في رحلة قريش إلى الشام، ثم اقترح عليه بعد ذلك أن يخرج إلى الشام في مال السيدة خديجة بنت خويلد التي سمعت عن شمائله وأمانته.

 مما دفعها وهي في الأربعين من سنها أن تتزوج منه وهو في الخامسة والعشرين.

 وتبدأ مرحلة جديدة في حياته بنعمة الزواج السعيد، وتقر عيناه بثمرتها الطيبة، فقد أنجبت له خديجة البنات والبنين، وأرتوى محمد من نبع الحنان وعوض الحرمان الذي لقيه في ماضيه.

 وكان محمد بن عبد الله في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، حين اختلفت أحياء من قريش في ساحة الحرم واحتدمت بينهم الخصومة وأنذرت بالحرب. كان قد تم إعادة بناء البيت الحرام، وارتفع إلى قامة الرجل وحان وقت وضع الحجر الأسود في موضعه واختلفت أحياء قريش فيمن يكون له شرف رفع الحجر الأسود إلى مكانه المقدس، وبدأ الخلاف يشتد بينهم، لولا أن اقترح عليهم أبو أمية بن المغيرة المخزومي وهو يومئذ أكبرهم سنًا، أن يحكموا بينهم أول من يدخل من باب المسجد الحرام فقبلوا جميعًا وكان محمد بن عبد الله أول من دخل، فهتفوا جميعًا

-هذا الأمين.. رضينا بحكمه.

وعرف قصتهم وفكر في الأمر ثم قال: 

-هلم إلى ثوبا.

-ولما أتوا بالثوب، نشره وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه ثم قال: 

-لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعًا. ولما فعلوا، وضعه محمد بيده نقلًا من الثوب، تم آب إلى بيته، وكان أول مـــــــا استقبله هناك بشرى مولد ابنته فاطمة فاقترن مولدها بنجاة قريش من صدام وحرب أوشكت أن تشتعل.

وهذا الخلاف بين القبائل، وهذا الاحتكام لأول مقبل من باب الصفا يدل على أن الحكم بينهم كان ضعيفًا ويدل رضاهم بحكمه وتصرفه في أخذ الحجر ووضعه على الثوب، وأخذه من الثوب لوضعه في مكانه من جدار الكعبة، يدل هذا على ما كان له من مكانة سامية في نفوس أهل مكة، ومن تقدير عظيم لما عرف عنه من سمو النفس ونزاهة القصد.

ألم ينادوه بالأمين حين دخل عليهم ألم تتبدد في الحال سحابة الشجار التي خيمت فوق الرؤوس؟ 

وقد سجل التاريخ ذلك الحادث بكل التفاصيل حتى أجمعت على روايته كل الكتب القديمة. ثم يأتي بعد ذلك المشهد في البيت العتيق تسجيل التاريخ لذهاب محمد إلى غار حراء حيث كان يعتزل الناس ليخلو إلى تأملاته بعيدًا عن صخب الزحام وعبادة الأوثان. وكان يقترب من الأربعين ومن عصر المبعث ومن التحول الخطير ما بين ظلام الجاهلية وفجر الإسلام. ذلك الفجر الذي طال انتظاره.

البقية في الأسبوع القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

121

الثلاثاء 19-مايو-1970

نحو منظمة إسلامية - مولد النور

نشر في العدد 10

93

الثلاثاء 19-مايو-1970

في ذكرى المولد!

نشر في العدد 58

65

الثلاثاء 04-مايو-1971

المرأة المسلمة في ظلال النبوة