العنوان التجربة البرلمانية للحركة الإسلامية في اليمن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
مشاهدات 80
نشر في العدد 1176
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
منذ بدأت تجربة المجالس النيابية في اليمن في نهاية الستينيات، تميزت تجربتان مختلفتان في شطري البلاد التي كانت مجزاة ويحكمها نظامان متناقضان متعاديان...
وسوف نركز حديثنا هنا على دور الحركة الإسلامية في الحياة البرلمانية، لما كان يعرف -سابقًا -بالجمهورية العربية اليمنية «الشمال»؛ حيث شارك الإسلاميون في تجارب متعددة للمجالس النيابية.. بينما انعدمت تلك المشاركة فيما كان يعرف باليمن الديمقراطي سابقًا «الجنوب» نظرًا لطبيعة النظام الشيوعي في «عدن» آنذاك.
ولعل من المناسب الإشارة في البداية إلى أن الحركة الإسلامية في اليمن «الشمال» سابقًا قد دخلت في مضمار العمل السياسي العام منذ الأيام الأولى لبدء العهد الجمهوري في عام ١٩٦٢٠م، رغم أنها كانت في طور التأسيس في تلك الفترة.
ولذلك فإن الإسلاميين في اليمن لم يترددوا في الدخول في المجالس النيابية الأولى حرصًا على التواجد في ساحة القرار السياسي المؤثر. مستفيدين من سمعتهم عند رجالات اليمن ومشايخ قبائلها باعتبارهم تلاميذ «أبو الأحرار اليمنيين القاضي محمد محمود الزبيري»، وورثة راية «حزب الله» الذي أسسه الزبيري.
وعندما تشكل «المجلس الوطني»، في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني، كان الأستاذ عبده محمد المخلافي - رائد الحركة الإسلامية في اليمن- أحد أعضاء المجلس المكلف بإعداد دستور دائم للبلاد.
ومع أن الأستاذ «المخلافي» كان في العقد الرابع من عمره، إلا أن احترام مشايخ اليمن وتقديرهم له، أدى إلى نجاح الإسلاميين داخل المجلس الوطني - رغم قلة عددهم - في ضمان أن يكون الدستور الدائم إسلاميًا في قواعده ومنطلقاته، وهو هدف سعى إليه الإسلاميون للتصدي لموجة التيارات اليسارية المتطرفة التي كانت تعصف باليمن آنذاك، فجاء الدستور الدائم ليحسم هوية اليمن، ويقطع الطريق على كل توجه مخالف للنهج الإسلامي.
مجلس الشورى الأول: ۱۹۷0،۱۹۷5م:
في عام ١٩٧٠م بدأت أول تجربة نيابية في صنعاء وفق الدستور الدائم، حيث أسس مجلس الشورى الأول وكان للإسلاميين فيه نفوذ كبير داخل المجلس، حيث تولى الشيخ عبد الله الأحمر - أبرز أنصارهم - منصب رئاسة المجلس. فيما كان المحامي عبد السلام خالد -أحد مؤسسي الحركة الإسلامية يتولى منصب أمين عام مجلس الشورى!
لم يتجاوز عدد الإسلاميين داخل المجلس عدد أصابع اليدين، لكنهم نجحوا في توجيه غالبية الأعضاء للتعاطف مع الطرح الإسلامي، يساعدهم - في ذلك -غلبة العلماء والمشايخ الأعضاء في مجلس الشورى.
وكان أبرز إنجازات الإسلاميين في مجلس الشورى الأول هو إصدار القوانين الإسلامية المنظمة لشؤون المجتمع المختلفة، وإضافة إلى ذلك كان لهم دور هام أثناء مناقشات اتفاقية الوحدة؛ حيث طالبوا بضرورة حسم الهوية الإسلامية للوحدة في وجه إصرار الشيوعيين في «عدن» على فرض مفاهيمهم اليسارية.
مجلس الشعب التأسيسي ۱۹۷۸، ۱۹۸۸م:
في عهد الرئيس السابق أحمد حسين الغشمي تم تشكيل مجلس الشعب التأسيسي بالتعيين، ليمهد لعودة الحياة النيابية للبلاد، بعد إيقاف العمل بالدستور الدائم عام ١٩٧٥م.
وفي تشكيلة الأعضاء المعينين، كان هناك اثنان من قيادات الحركة الإسلامية، إضافة إلى عدد من المتعاطفين معهم... وقد أصدر المجلس عددًا كبيرًا من القوانين، لكنها كانت كلها محكومة بالجو العام الذي كان يعلن التزامه بالشريعة الإسلامية في مواجهة النظام الماركسي في عدن!!
مجلس الشورى الثاني ۱۹۸۸، ۱۹۹۰م:
شاركت الحركة الإسلامية في اليمن في انتخابات ۱۹۸۸م بصورة قوية وواضحة، إذ كانت قد بلغت مستوى متقدمًا من الانتشار الشعبي. إضافة إلى زيادة نفوذها داخل جهاز المجتمع والدولة.. وقد استطاع الإسلاميون تحقيق فوز كبير جعلهم أكبر كتلة منظمة داخل مجلس الشورى، حيث بلغ عددهم ٤٧ عضوًا.
ونظرًا لطبيعة النظام السياسي الحاكم. آنذاك - في صنعاء فلم يكن هناك أي صفة رسمية لأي عضو في البرلمان، بل كان الجميع ينشطون على أساس كونهم من المستقلين... وبصفة عامة لم يكن لمجلس الشورى الجديد دور بارز في الحياة السياسية آنذاك..
أما الإسلاميون فقد حرصوا طوال فترة المجلس القصيرة على التأكيد على الهوية الإسلامية لليمن عند إقرار بعض الاتفاقيات التي لم يكن هناك مفر من الموافقة عليها، مثل اتفاقية إعلان مجلس التعاون العربي، كما قاد الإسلاميون حملة قوية في مايو ١٩٩٠م عند توحيد شطري اليمن للفصل بين الوحدة، وبين الدستور، الذي عارضوه بقوة جلبت عليهم كثيرًا من المشاكل السياسية والإعلامية.
مجلس النواب الأول ١٩٩٠. ١٩٩٣م:
ظهر الإسلاميون بقوة في هذا المجلس وقادوا المعارضة ضد الائتلاف المكون من الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي الذي امتلك غالبية من نواب الحزبين مكنته من تحرير كل القوانين التي أرادها الائتلاف.
ونظرًا لإدراك الإسلاميين - ٤٧ عضوًا - لحقيقة القوى داخل المجلس، فقد حرصوا على ربط كل القوانين بالمشروعية الإسلامية العليا، وهو أمر يصعب تجاهله في بلد كاليمن.
مجلس النواب الثاني ٠٠٠٠١٩٩٣
حقق الإسلاميون نجاحًا مدويًا في انتخابات أبريل ۱۹۹۳م، وحصلوا على المركز الثاني ب ٦٢ مقعدًا نيابيًا .. إضافة إلى ما لا يقل عن عشرين نائبًا متعاطفًا أو متحالفًا معهم ضمن كتلة المستقلين أو في حزب المؤتمر الشعبي ذاته.
وقد نجح الإسلاميون في تحقيق هدف استراتيجي لهم خلال عام ١٩٩٤م، عندما وافق البرلمان بالإجماع على إجراء تعديلات دستورية واسعة حققت كل المطالب التي سعى لها الإسلاميون منذ قيام الوحدة عام ۱۹۹۰م.
كما يحسب للإسلاميين الدور الكبير الذي قام به الشيخ عبد الله الأحمر - رئيس تجمع الإصلاح، ورئيس مجلس النواب الحالي - في الحفاظ على استمرار دور المجلس أثناء الأزمة السياسية التي استمرت تسعة أشهر، وانفرط فيها عقد كل المؤسسات الوحدوية باستثناء مجلس النواب.
ومن أهم القوانين التي نجح الإسلاميون في طرحها على المجلس، قانون المصارف الإسلامية الذي استكمل البرلمان مناقشته في سبتمبر الماضي، ولم يبق إلا إقراره بصورة نهائية بعد استكمال ملاحظات الحكومة حوله.
الإسلاميون.. والآخرون:
ليس هناك خلاف في أن النواب الإسلاميين أثبتوا وجودهم داخل مجلس النواب اليمني، إذ كان لهم دور بارز عندما كانوا في المعارضة جعلهم قطب رحاها.. وبرغم ذلك يقول د. فارس السقاف -رئيس مركز دراسات المستقبل - للمجتمع: «إن الأحزاب السياسية - على العموم- تنظر إلى مشاركة الإسلاميين في البرلمان نظرة شك لتخوفها من قدرة التيار الإسلامي على كسب جولات الانتخابات والقضايا المطروحة في البرلمان!!.
أما الأستاذ عباس المؤيد - أحد أبرز النواب الإسلاميين في مجلس النواب الحالي - فيؤكد أن الكتلة البرلمانية للتيار الإسلامي حريصة على اعتماد أسلوب الحوار واللقاءات المستمرة للتغلب على أي مشكلة تطرأ داخل المجلس، وتكريس مبدأ قبول رأي الأغلبية واحترام رأي الأقلية.. طالما اتفق الجميع على الثوابت الإسلامية والوطنية.
وقد تميزت الكتلة البرلمانية للتيار الإسلامي في البرلمان أنها تضم عددًا كبيرًا من المتخصصين في كافة المجالات التربوية والقانونية والاقتصادية.. وظهر تفوقهم واضحًا أثناء مناقشة التعديلات الدستورية والأزمة السياسية وقانوني محاكمة شاغلي الوظائف العليا في الدولة والمصارف الإسلامية.
نظرة نحو المستقبل:
يحدد الأستاذ عباس المؤيد الدور المستقبلي للتيار الإسلامي داخل مجلس النواب من خلال المحاور التالية:
1- تفعيل الدور الرقابي للمجلس على أجهزة الدولة ومؤسساتها.
2- استكمال كل القوانين الضرورية وإحلالها محل بعض القوانين الشطرية التي لا تزال قائمة بعد مرور خمس سنوات على الوحدة.
3- متابعة القضايا العامة التي تثار في المجلس وتختص بمشاكل المواطنين.
وفي كل الأحوال. يؤكد الإسلاميون في اليمن على اهتمامهم بالمشاركة البرلمانية وعلى اتباعهم نهج التغيير السلمي لتحقيق أهدافهم المعروفة في أسلمة كافة جوانب الحياة المجتمعية واستكمال ما تبقى من القوانين الإسلامية وخاصة في المجال الاقتصادي، ويبقي أن كتلة التيار الإسلامي في البرلمان اليمني صارت تتحمل مسؤولية تاريخية في أداء دورها المأمول في تجسيد الدورين الرقابي والتشريعي، ولاسيما بعد اتخاذ نواب المعارضة جانب السلبية في أعمال البرلمان، الأمر الذي جعل كل الأنظار تتجه إليهم لترى ماذا سيصنعون؟ وكيف سيوفقون بين مشاركتهم في السلطة وبين كونهم نوابًا للشعب يتحملون مسؤولية الرقابة؟
فهل ينجح الإسلاميون في تحقيق دورهم الرقابي والتشريعي، هذا ما ستوضحة الشهور الباقية من عمر المجلس الحالي.