العنوان التفسير اليساري لقتل المصريات أزواجهن في مصر
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 49
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
- هل يتحمل الإسلام إسقاط المبررات الماركسية على تعاليمه؟
إن بعض الكتاب اليساريين أرجعوا
أسباب حوادث قتل النساء لأزواجهن في مصر إلى القانون المستوحى من الشريعة
الإسلامية الذي يبيح تعدد الزوجات ويجعل حق الطلاق بيد الرجل، وهؤلاء بهذا القول
ما قاموا به من تدمير في أخلاقيات المجتمع منذ سيطروا على توجيه ثقافة الشعب وما
بثوه من فتن وتحريض بين أفراد المجتمع، وتحريض النساء على أزواجهن، والعمال على
الملاك، والفقراء على الأغنياء، وبين الأهل والأقارب، وما سموه بالصراعات الطبقية
حتى أصبح أفراد المجتمع جميعهم في قلق واضطراب كل يتربص بالآخر ويكيد له ويستعمل
العنف أحيانا، وأضفوا عليه شرعية وسموه بالعنف الثوري ضد من سموهم بالمستغلين
والمتسلطين حتى انتزعت الرحمة من القلوب، وشاع الفقر والشقاء في الشعوب، فأقضوا
مضاجع الأزواج والأسر وحطموا العلاقات العائلية التي كانت تقوم على السكينة
والمودة والرحمة التي جعلها الله من آياته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إليها وَجَعَلَ
بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21).
بين التاريخ.. وعصر العنف
الثوري
لم يسأل هؤلاء أنفسهم لماذا لم تحصل
هذه الحوادث في تلك الأوقات التي كانت تسود فيها أحكام الشريعة الإسلامية قبل أن
يتسلموا قيادة التوجيه الفكري ويسيطروا على أجهزة الإعلام والنشر ويتمكنوا من نشر
أفكار التحريض والفتنة والعنف الثوري والكفر والإلحاد وزعزعة إيمان الناس بخالقهم
الذي كانوا يخافونه ويتوكلون عليه في أرزاقهم فلا يخشون إملاقًا امتثالًا لقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:
31)، فالجرائم هي الجرائم سواء كانت قتل الزوجات لأزواجهن أو الأزواج لزوجاتهم أو
الأولاد لآبائهم وأمهاتهم أو الآباء والأمهات لأولادهم، وكل ذلك حصل في مصر
والاتحاد السوفيتي والصين وأمريكا وأوروبا.
الخلل
وهل يعقل أن يقول أحد: إن سبب
اغتصاب الفتيات بهذه البلدان كان لعدم توافر الجنس لأولئك المجرمين، ثم ألا نسمع
كل يوم أن هناك مجرمين يغتصبون الفتيات ثم يقتلونهن؟
فهل قال أحد: إن سبب ذلك يرجع
إلى أحد القوانين السارية في تلك البلاد؟ أم أن ذلك كله يرجع إلى خلل في تلك
المجتمعات سببه عدم هيمنة الدين والأخلاق، إن أوامر الدين يجب أن تسود كلها، فلا
نأخذ منها فقط قانون الأحوال الشخصية ونترك التربية وقانون الجنايات والاقتصاد، إن
هذا يسمى ترقيع:
نرقع دنيانا بتمزيق
ديننا
فلا ديننا يبقي ولا ما نرقع
فتشوا عن سبب التخبط
نحن فشلنا في ديننا ودنيانا بسبب
التخبط، فتارة نكون اشتراكيين، وتارة رأسماليين، وتارة انفتاح، وتارة انغلاق،
وتارة مع الشرق، وتارة مع الغرب، حتى أصبحنا مثل الغراب في سيره، وكثر النصابون
والسراق، وانتشرت الرشوة والفوضى وعم الفقر، فلا الشاب يجد له مسكنًا إذا تزوج ولا
الطالب يجد له عملًا إذا تخرج، وسيطرت على الناس الضغوط النفسية وانتشرت المخدرات
والجرائم، ومن قام يعظ الناس ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحثهم على التمسك
بالدين والأخلاق ويشيع بينهم الأمل والاطمئنان والإيمان بما أعده الله للمؤمنين
الصابرين، وترك التهافت على الدنيا والرضا بما قسم الله لهم في أرزاقهم مع السعي
والعمل بإخلاص، قالوا له: إنك رجعي تخدر الجماهير.
شريهان وعدوية
والصحافة لا تفسح المجال إلا للأفكار
التي تخدم أصحاب السلطة والنفوذ أو تكثر من نشر أخبار الجرائم وأخبار الفنانين
والفنانات والممثلين والممثلات وقد رأينا أنها أشغلت المجتمع بأخبار عدوية وشريهان
ومن غير "ليه"، وملأت صفحاتها بالمقالات والتحقيقات حول هذه
الموضوعات، وإذا كانت نوال السعداوي وأضرابها من اليساريين والعلمانيين يطعنون في
أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمرأة والطلاق وتعدد الزوجات ويرجعون أسباب
جرائم النساء إلى هذه الأحكام، فإننا نتحداهم أن يذكروا لنا حادثة واحدة من هذا
النوع طيلة المدة التي طبقت فيها الشريعة الإسلامية منذ خمسة عشر قرنًا، وقد أصبح
من المؤكد أن الجرائم لا تكون إلا حيث تطبق القوانين المخالفة للشريعة، فسبب الثأر
هو عدم إقامة حد القصاص وسبب الفساد في الأرض هو سبب عدم حد الحرابة، وسبب السرقات
هو عدم إقامة حد السرقة، وسبب انتشار الفساد من الزنا واللواط والاغتصاب والخمر
والمخدرات هو بسبب عدم إقامة حدود الجرائم، وإقامة المجتمع الإسلامي العادل الذي
يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، وسد ذرائع الظلم والفساد.
تبريرات غير صحيحة
أما الطلاق وتعدد الزوجات فلم يكن
ذلك سببًا في جريمة، هم يقولون إن قتل المرأة لزوجها وتقطيعه وإخفاء أجزاء جسمه
بعد تمزيقه لأنه هددها بالطلاق والطرد من بيتها مع أولادها ليتزوج بامرأة أصغر
منها سنًا، هذا ما قالته المرأة المجرمة تبريرًا لقتلها زوجها بتلك الطريقة،
وأولئك الكتاب قبلوا تبريرها هذا وطالبوا بنزع حق الطلاق من يد الرجل ومنع تعدد
الزوجات السبب هذه الجريمة، وإذا فرضنا الاستجابة لهذا الطلب ومنع الرجل من الطلاق
ومن التزوج بأخرى ثم قتل زوجته ومزقها، وقال: إنه فعل ذلك لأنه لم يستطع أن
يتخلص منها إلا بهذه الطريقة فهل نقبل تبريره هذا؟
القانون الشرعي
ونعود لتعديل القانون حسب طلبهم
فنقول: إن هذه الآراء لا تنم عن وعي وتفكير ولا عن إخلاص لحل مشاكل المجتمع،
وإنما تنم عن انحراف في التفكير، فلو أن الرجل نفذ تهديده وطلق زوجته وتزوج بامرأة
أخرى، هل يعطيه القانون الشرعي الحق في طرد زوجته مع أطفالها، ونبادر
ونقول: لا، بل الشرع يقول إن الرجل إذا طلق زوجته تبقى في البيت أولًا مدة
العدة لا يخرجها ولا تخرج من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وهذه الفترة ربما
يذهب سوء التفاهم بين الزوجين وتعود المياه إلى مجاريها بينهما، وهذا هو الهدف من
فرض الشرع إبقاءها وسكناها معهم، وعليه أن يوفر لها السكن والنفقة ما دامت حاضنة
لأولاده، أي أنه لا يستطيع أن يطردها مع أطفالها ولا يعطيه القانون الحق في ذلك بل
يبقيها في البيت الذي كانت فيه أو يستأجر لها بيتًا آخر يليق بها ويتسع لها
ولأولادها.
مفارقة الأزواج
لقد أثبتت التجارب والوقائع أن الزوج
لا يفارق زوجته التي عندها أطفال إلا إذا بلغ السيل الربى، ولم يستطع العيش معها
وغالبًا تكون هي السبب في إثارة المشاكل وتعقيد الأمور، وهؤلاء الكتاب يعلمون أن
أكثر قضايا قتل الزوجات لأزواجهن سببه علاقات غير شرعية وغرامية مع شخص آخر وتتآمر
مع عشيقها على قتل زوجها، ومراكز الشرطة والمحاكم تشهد بذلك فهل يكون العلاج أن
يسمح القانون بأن تدخل الزوجة عشاقها في بيت زوجها وعليه أن يستقبلهم بكل حفاوة
وترحيب؟، وتقول نوال السعداوي: «إن القانون المصري المستوحى من الشريعة الإسلامية
يجعل خيانة الزوج مشروعة»، ولا أدرى أي قانون هذا الذي يجعل خيانة الزوج مشروعة،
وقد جعل الإسلام الرجل الزاني المتزوج يستحق الرجم.
اللهم إلا إذا أرادت نوال السعداوي
أن يسمح للمرأة بخيانة زوجها إذا رضي بذلك كما في كثير من الدول التي تطبق
القوانين الوضعية، وواضح من هذه الحملة كلها أنهم يريدون أن يفسحوا المجال للفسق
والفجور، وأن تكون للدعارة مؤسسات ترعاها باعتبار أنها حق طبيعي للمرأة كما
يزعمون، ولم يكتفوا بفروع هوليود في بلدانهم التي تعج بالجرائم والفضائح، والغريب
أن يأتي من يقول إن 90% من أحكام الشريعة الإسلامية مطبقة في هذه
المجتمعات، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى
الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا
تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
الطلاق في الشريعة
أما من ناحية الطلاق في الشريعة
الإسلامية فإن الإسلام قد أحاطه بأحكام تجعله لا يقع إلا إذا استحالت المودة
والرحمة بين الزوجين، وأصبحت حياتها جحيمًا لا يطاق وجعله بيد الرجل لأنه هو الذي
يحرص أكثر على بقاء العلاقة الزوجية، وأنه لن يلجأ إلى الطلاق إلا مقابل تضحيات
مالية واجتماعية مما يجعله يفكر مرات في إيقاع الطلاق، وإذا جعل بيد القاضي فلن
يكون ذلك في صالح المرأة لما تقتضيه الإجراءات من نشر الأسرار التي قد تضر بالمرأة
وأهلها، قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ
ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 130)، وأما إذا كان بيد المرأة وهي
أكثر انفعالًا من الرجل يسهل عليها أن توقعه كلما اختصمت مع زوجها، ولن تبالي
بالنتائج وكيف يجعل لها الحق أن تطلقه وهو الذي يملك البيت والقائم بالإنفاق عليه،
أما في قوانين الغرب فإن المحاكم لا توقع الطلاق إلا إذا ثبت زنى الزوج أو الزوجة،
وكثيرًا ما يتواطآن ويلفقان وقائع لأجل أن يتمكنا من الطلاق، وبتتبع ما يجري في
الغرب نجد أن كثيرًا من الممثلات تعلن عن رغبتها في الطلاق والزواج من رجل آخر،
وتقول الصحف إنها شوهدت مع فلان أو فلان في حفلة أو رقص قبل أن يطلقها زوجها، وهذه
الحال هي ما يسعى إليها دعاة التغريب في البلاد الإسلامية.
تعدد الزوجات
أما تعدد الزوجات الذي أصبح سببًا
لهجوم أعداء الإسلام على قانون الأسرة عندنا، فإن هؤلاء يعلمون أن الإسلام ليس أول
شريعة تبيح التعدد فقد كان موجودًا عند اليونان والصينيين والهنود والبابليين
والآشوريين والمصريين، ولم يكن له عند هذه الأمم حد، فالديانة اليهودية كانت تبيح
التعدد بلا حد وكان أنبياء بني إسرائيل لهم زوجات كثيرات وفي التوراة أن نبي الله
سليمان كان له سبعمئة امرأة من الحرائر وثلاثمئة من الإماء، وما جاء في المسيحية
من أن الله خلق لكل رجل زوجة هو على سبيل الموعظة إلا الوجوب، وليس في الأناجيل نص
أن عقد الرجل بزوجة ثانية يكون العقد الثاني باطلًا وما وجد عندهم فهو حرمة التعدد
على الأساقفة، وأن تعدد الزوجات عندهم بقى إلى القرن السابع عشر، ويقول الأستاذ
العقاد: «إن اقتناء السراري كان مباحًا في المسيحية كتعدد الزوجات وإن الذي يجد من
الرق وتعدد الزوجات هي ظروف المعيشة»، ولذلك أباح المسيحيون في هذا العصر بالتعدد
في الدول الإفريقية نزولًا على الواقع الاجتماعي، وفي سنة 1949م طالب أهالي
بون بألمانيا أن ينص في الدستور الألماني على إباحة تعدد الزوجات بسبب نقص السكان
وبسبب الحرب، والواقع أنه ليس لدى الغربيين في هذا العصر الواقع الذي يدعوهم إلى
التعدد لتساهلهم في مسألة الزنا والعلاقات غير الشرعية، وكثيرًا ما نسمع أن الزعيم
فلان هو ابن غير شرعي لفلان، بينما لا يمكن أن يقر ذلك عندنا نحن معشر المسلمين،
ونحن نعترف أن للتعدد سيئاته وحسناته، ولو التزم الناس بأوامر الدين لما كانت هناك
مشكلة، فقد كان التعدد أيام الصحابة ولم تكن هناك مشاكل، والعيب في أولئك الذين
يطبقون وليس في القانون نفسه، وإذا أساء الناس استعمال القانون فهم المسؤولون لا
التشريع وفي كل مكان وزمان يوجد المخالفون وليس من شك أن الزوجة الواحدة هو الزواج
المثالي في الإسلام وأقرب إلى الفطرة أو حصن للأسرة، وهناك ضرورات تلجئ إلى التعدد
فقد يكون واجبًا اجتماعيًا وأخلاقيًا إذا كثرت العوانس في البيوت، ومازال عقلاء
الغربيين ينادي بعضهم بالتعدد ليمنعوا تشرد النساء وانتشار الفاحشة وكثرة الأولاد
غير الشرعيين.
نظرة إنصاف
ومن نظر إلى أحكام الإسلام نظرة
منصفة من غير تشنج ولا تعصب ولا إفراط ولا تفريط ولا تسيب ولا جمود وأجال بعقله
وفكره في مشاكل الناس وطبائعهم، ونظر إلى النصوص نظرة واعية بأفق واسع واستلهم
نصوص القرآن والسنة من غير خضوع للتقليد، فإنه سيجد إن شاء الله ضالته إذا خلصت
النيات وحسن القصد، والحق أبلج والباطل أهوج، والحق مؤيد من الرحمن والباطل مدعم
من الشيطان، ولكنه خناس وكيده ضعيف، كما قال تعالى في كتابه
الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ
الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76).
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ
الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا
وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه،
وأرنًا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل