العنوان تأملات تاريخية- التقوى ضمانة المستقبل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 15-أبريل-1986
يروي ابن عبد
الحكم في كتابه النفيس المسمى «سيرة عمر بن عبد العزيز» فيقول: لما حضرت الوفاةُ
عمرَ، دخل عليه «مسلمة بن عبد الملك» وقال: إنك - يا أمير المؤمنين - قد فطمتَ
أفواهَ أولادك عن هذا المال، فحبذا لو أوصيتَ بهم إليَّ أو إلى من تفضله من أهل
بيتك.
فلما انتهى من
كلامه قال عمر: أجلسوني. فأجلسوه فقال: قد سمعتُ مقالتَك، يا مسلمة! أما قولك: إني
فطمتُ أفواهَ أولادي عن هذا المال، فإني - والله - ما منعتهم حقًّا هو لهم، ولم
أكن لأطعمهم شيئًا ليس لهم. وأما قولك: لو أوصيتَ بهم إليَّ أو إلى من تفضله من
أهل بيتك، فإنما وصيي ووليي فيهم اللهُ الذي نزَّل الكتابَ بالحق، وهو يتولى
الصالحين. واعلم - يا مسلمة - أن أبنائي أحدُ رجلين: إما رجلٌ صالحٌ متقٍ، فسيغنيه
اللهُ من فضله، ويجعل له من أمره مخرجًا، وإما رجلٌ طالحٌ مُكبٌّ على المعاصي، فلن
أكون أولَ من يعينه بالمال على معصية الله تعالى. ثم قال: ادعوا لي بنيَّ. فدعوهم
وهم بضعةَ عشرَ ولدًا، فلما رآهم ترقرقتْ عيناه وقال: بنفسي فتيةٌ تركتُهم عالةً
لا شيءَ لهم. وبكى بكاءً صامتًا. ثم التفت إليهم وقال: أيْ بنيَّ، إني قد تركتُ
لكم خيرًا كثيرًا، فإنكم لا تمرون بأحدٍ من المسلمين أو أهل ذمتهم إلا رأوا أن لكم
عليهم حقًّا. يا بنيَّ، إما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النارَ، وإما أن نفتقرَ ويدخلَ
الجنةَ، ولا أحسبُ إلا أنكم تؤثرون إنقاذَ أبيكم من النار على الغنى. ثم نظر إليهم
في رفق وقال: قوموا عصمكم اللهُ، قوموا رزقكم اللهُ.
فالتفت إليه
مسلمة وقال: عندي ما هو خيرٌ من ذلك، يا أمير المؤمنين.
فقال: ما هو؟
قال: لديَّ ثلاثمئةِ ألفِ دينارٍ، وإني أهبها لكم ففرقْها فيهم أو تصدقْ بها، إذا
شئتَ.
فقال له عمر: أو
خيرٌ من ذلك يا مسلمة؟
فقال: وما هو يا
أمير المؤمنين؟
فقال: رُدَّها
إلى من أخذتَ منه، فإنها ليست لك بحق. فترقرقتْ عينا مسلمة وقال: رحمك اللهُ - يا
أمير المؤمنين - حيًّا وميتًا، فقد ألنتَ منا قلوبًا قاسيةً، وذكرتَها وقد كانت
ناسيةً، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذكرًا. ثم تتبع الناسُ أخبارَ أبناء عمر من بعده،
فرأوا أنه ما احتاج أحدٌ منهم ولا افتقر. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ على موت أحدِ الذين
كانوا يختمون خطبهم بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} حتى ضُبِطَ ابنه
ومعه الأموالُ والذهبُ يريد الخروجَ بها عن طريق المطار، وقد سنَّ أبوه من قبل
سياسةَ الانفتاح، ولا دينَ في السياسة، ولا سياسةَ في الدين.
وعُلِمَ أن
ابنةً للذي كان قبله، امتلكتْ أرضًا تساوي ملايينَ الجنيهات، وقبلهما اشترط
«فاروق» عند خروجه أن يحملَ ما يريد، ضمانًا لأبنائه، فشتَّتَه اللهُ وأبناءَه في
أنحاء الأرض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل