العنوان التوقف يعني النهاية
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 50
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
التوقف يعني النهاية
النظرة الأولى لأي شيء، كثيرًا ما تحمل إلى ساحة الشعور فيضًا من
الأحاسيس والمعاني، خاصة إذا كان هذا الشيء يتوافق مع حاجة فطرية أو حسية أو
معنوية لدينا.
وأنت حين نظرت إلى الكعبة الشريفة لأول مرة لا بد وأنك استشعرت الكثير
من الأحاسيس التي لا تضاهى، إلا أنني وأنا أقف وألقي النظرة الأولى باتجاه أطهر
بقعة على وجه الأرض، أدركت أن الحركة حياة والتوقف عنها موت.. ورأيت صورة مجسدة
لما ينبغي أن تكون عليه الحياة السليمة: حركة متواصلة مستمرة، لا تتوقف إلا لتبدأ،
وسط هذا الطوفان الرائع من الحيوية أيقنت أنه لن تقوم قائمة لمن تسول له نفسه
بالتوقف ولو للحظات لأنه لو حدث وتوقف أحد عن الحركة لداسته الأقدام وانتهى!!!
وحاولت أن أجري عملية تفكير على كل كيان، يرنو ويتطلع إلى القوة
والعظمة فرأيت أن العضو الأكثر حركة هو العنصر الأكثر قوة ومرونة وتحملًا للصدمات،
إذ كلما ازدادت حركة أعضائنا كلما ازددنا قوة وكلما تحسن مستوى المهارات عندنا.
وتوسعت قليلًا لأرى أن الفرد الأكثر حركة هو الفرد الأقدر على تحقيق
قدر أكبر من الفائدة لمجتمعه، ثم ازددت توسعًا لأرى أن هذه الحقيقة ربما كانت أكثر
وضوحًا على مستوى الأمم.. ثم أحببت أن أطرق المجال الذي يثير عند البعض منا الكثير
من المخاوف والحذر: إنه العقل الذي كثيرًا ما نرفض أن نخضعه لنفس المنطق الذي
ينطبق على سلامة الحركة الإنسانية أو الكونية.. إلا أنه في الحقيقة ما كان ليشذ
بمقومات استمراره عن باقي الأعضاء سواء أعضاء الجسد الواحد أو الأمة الواحدة أو
العالم الواحد. وهو بذلك يخضع لنفس النظام ويطرأ عليه ما يطرأ على باقي الكيانات
التي تؤدي مهامًا أساسية، فهو إن تعود نمط تفكير واحد، صعب عليه طرق أنماط أخرى!!
وإن فرض عليه النظر من جانب واحد، ضاق ذرعًا بالنظر من عدة جوانب وعدة
زوايا.. وإن وضع في قالب معين.. ضمر، وضعف وأصابه السقم، وتحول إلى عبء على الكيان
البشري وعاش متطفلًا على عقول وأفكار الآخرين.
وهو كغيره من الأعضاء يمتلك قدرة دفينة عالية لن تظهر وتثمر إلا
بالمران المستمر وليس من مران للعقل أفضل من التفكير، التفكير الذي دعا إليه
القرآن دائمًا ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي
أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الروم: 8)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).
هذا التفكير الذي يعطي حرية حركة العقل حتى يتقوى، ويمنحه الأجواء
السليمة لتنقيته وحمايته من طغيان الأمزجة والأهواء.
هكذا شاء الله لأطهر الأرض أن تظل حاملة لمقومات الحياة، وهكذا شاءها
أن تكون المثل والمنطلق لنظام سير الحياة.. فالحركة المتناسقة، والحركة الموجهة
والحركة المدروسة على جميع الأصعدة تعطي الحياة بشكلها الإسلامي.. فحاولي أن
تساهمي في تشجيع هذه النوعية من التحركات وحاولي أيضًا أن تهيئي لها الحرية
اللازمة حتى تستطيع أن تعلو وتسمو.
ابتهال قدور
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل