العنوان الثقافة والجريمة
الكاتب د. أحمد عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 22
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
تعاني المجتمعات العربية اليوم من ظواهر سلبية عديدة، مثل عقوق الوالدين والقسوة الزائدة تجاه الأهل والأرحام والجفوة بينهم وكثرة التقاضي، ونكث الوعد والميل إلى العدوان على الآخرين وجرائم مختلفة على النفس والمال والعرض. فما صلة هذه الظواهر بالفكر السائد في المجتمع؟ وما علاقة الثقافة بالجريمة؟ هذا هو موضوع هذه المقالة.
إن الإنسان يبدأ الإحساس بمن
حوله بعد ميلاده بقليل، ثم يشعر دون فهم أنهم مصدر الوفاء بمطالبه من الغذاء
والرعاية. فهو يأخذ منهم دائمًا بلا مقابل ولهذا يتعلق بهم ولا يطيق فراقهم. وربما
تكون السنة الأولى من حياة الإنسان هي التي تبرز إلى الوجود نزعته الاجتماعية
السلبية هذه التي تأخذ من المجتمع كل شيء ولا تعطيه شيئًا. وفي نهاية السنة
الأولى، عادة يستطيع الطفل المشي والانتقال اعتمادًا على نفسه. وعادة ما تشجعه
الأسرة على ذلك. وفي هذه المراحل المبكرة من الطفولة، تحرص الأسرة على تعليم الطفل
أساسيات السلوك النافع وتغريه به كما تعمل على تنفيره من الأشياء الضارة والمؤذية.
وتكون «ذات» الطفل هي المحور لكل ذلك، فالنفع المطلوب نفعه هو والضرر المكروه ضرره
هو أيضًا، وهذه هي الأنانية الإيجابية الضرورية لحفظ الحياة من الأخطار والأضرار.
ومع نمو الطفل جسديًا وعقليًا تبدأ الإشارة إلى الآخرين من حوله، كالإخوة والأخوات، فالأم تنهاه عن ضرب أخيه،
وقد تطلب إليه إحضار لعبة لأخته الصغيرة الباكية، وتلك هي بداية دوره كعنصر
اجتماعي، أو كآخر إيجابي مفيد لبيئته، وإن كان الغالب في حياته أنه لا يزال يأخذ
بلا مقابل. ومع تقدمه في العمر سنة بعد سنة، تتطور قدراته البدنية والعقلية
وبالقدر نفسه يقل اعتماده على الآخرين، وتزداد مطالبتهم له بأن يسهم في العطاء، وتفرض
الظروف الحياتية على الطفل الوعي بمبدأ التبادل كأساس للحياة، فلكي يأخذ شيئًا
يتحتم أن يعطي شيئًا في مقابله وإلا فإنه لن يناله.
وفي المجتمعات العلمانية، تقف
التربية بالفرد عند حدود الأخذ والعطاء، أو لنقل إنه يقف بها عند هذه الحدود؛
فالفلسفة السائدة تمجد الفردانية والاعتماد على النفس والاستقلال عن الآخرين، بل
تذهب أيضًا إلى إدانة الأخلاق الإيثارية التي تحث الفرد على معاونة الآخرين. وقد
صار الأفراد في المجتمعات العلمانية -كما يقول نيكولاي هارتمن- عوالم منفصلة،
تتلاقى وتتلامس، فتحتكّ أسطحها ببعضها بعضًا، لكن أعماقها تبقى مطوية لا تمس ولا
تلبث أن تبتعد دون أن يتحقق وعي الفرد بالفرد الآخر وتلك هي خيبة أمل الإنسان
الكبرى.
فالنزعة الاجتماعية الغيرية
تتوقف عند مستوى الأخذ والعطاء، أو البيع والشراء، ولا يمكن أن تصل إلى مستوى
العطاء بلا مقابل، وفي كثير من الأحيان تهبط عن مستوى الأخذ والعطاء، فيعمد الفرد
إلى الأخذ ويرفض العطاء، إذ إنه يرتد إلى مرحلة الطفولة السلوكية، ويأبى أن يرد
للأسرة أو للمجتمع الكبير بعض الديون التي في عنقه، وقد تعجزه الوسائل المشروعة
لنيل أغراضه الأنانية، فيعمد إلى الجريمة والعدوان، ولهذا يقال إن الجريمة في بلد
كالولايات المتحدة هي إفراز للثقافة العلمانية السائدة فيها.
ويشير القرآن الكريم إلى هذه
الحقائق في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: 100) وقوله تعالى ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَانَ خُلِقَ
هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا
* إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19-22) والإنسان هنا هو الإنسان الكافر
بالله وبالبعث والجزاء وليس الإنسان من حيث هو؛ فالإنسان بفطرته يملك الاستعدادات
ليكون كائنًا اجتماعيًا إيجابيًا يؤثر أخاه على نفسه ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7، 8)، و«كل مولود يولد على
الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
إن الإنسان أناني، قتور إلا
المصلين المؤمنين؛ لأن التربية الإسلامية لا تقف بالإنسان المسلم عند حدود الأخذ
والعطاء أو الشراء والبيع، ولكنها تصعد به إلى مستوى العطاء بلا مقابل دون أن تدين
الأنانية الإيجابية المشروعة؛ فعلى الفرد المسلم أن يرد كل أو بعض الديون إلى
الوالدين والأسرة والمجتمع الكبير، وأن يكون مصدر عون وعطف ورحمة لكل محتاج، وعليه
أن يقدم لغيره الكلمة الطيبة، والنصيحة والاحترام والتعاطف القلبي، والمشاركة
الوجدانية والمال -إن استطاع- وهذا العطاء كله جزء من عبادته التي فرضها الله
عليها؛ فالإيثار الإسلامي عبادة، ويكفي أن نتذكر أن الزكاة ركن من أركان الإسلام،
لا يصح دين المسلم دون أدائها. والتربية الإسلامية تنجح نجاحًا باهرًا في الارتقاء
بالفرد المسلم إلى مستوى البذل والتضحية بعكس التربية العلمانية، فالإيمان بالبعث
والحساب والجزاء يصنع الأساس المكين المقنع للسلوك الاجتماعي الإيجابي، فلا يقف
الفرد عند مستوى الأنانية العدوانية أو الأنانية المشروعة، أو مجرد الأخذ والعطاء،
وإنما يرتفع على كل هذه المستويات حتى يبلغ مستوى التضحية دون انتظار الجزاء من
الناس. وهكذا تبرأ المجتمعات الإسلامية من أخطار الجريمة والقسوة والظلم والعقوق
ويندر العدوان ويقل التقاضي، وتلك هي بعض نعم الله على المؤمنين.
اقرأ أيضًا:
حوار "المجتمع" مع المستشرق الأمريكي فرانك فوجال
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل