العنوان المجتمع التربوي (1165)
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
الجرأة في الحق عند السلف
عقيدة التوحيد تدفع صاحبها إلى المعالى وتجعل منه إنسانًا يصنع الحياة ويأبى العيش الذليل.
خشية العلماء لله ومراقبتهم له جعلت لهم الهيبة في قلوب السلاطين فاستجابوا لنصحهم.
إن من أهم ما ترمي إليه عقيدة التوحيد تحرير معتنقيها من عقدة الخوف مما سوى الله، ودفعهم إلى دروب العزة الإيمانية الشامخة، ليكونوا رجال صدق وجند حق من الذين يصدق عليها وصف ربهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: ۳۹). وإننا لنلحظ في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم حرصًا واضحًا على تحرير نفوس أتباعه من تلك العقدة التي تحول بين من اتصف بها وبين المعالي، وتجعل منه كائنًا خاملًا تافهًا يقبل العيش على هامش الحياة دون أن يضيف إليها شيئًا وهذا هو ميت الأحياء، لذا فقد كان فيما يبايع عليه أصحابه الجهر بكلمة الحق مع احتمال تبعات ذلك، وقد جاء التصريح بهذا في حديث النقيب عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- حيث يقول في نهاية حديث البيعة: «... وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» «متفق عليه».
وجاء عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (رواه مسلم).
بل ويحذر صلى الله عليه وسلم أتباعه من الخنوع والرضا بالواقع السيئ فيقول: «... كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض...» (رواه أبو داود والترمذي). وقد فقه سلفنا الصالح هذه التوجيهات فانطلقوا أسودًا في ميادين الحياة، يقوِّمون ما اعوجَّ، ويردون كل شارد إلى الجارة بكل ما أوتوا من قوة الإمداد الرباني، وعزيمة المؤمن المجاهد الأبي، فسطروا عبر سفر الحياة صفحات من نور أعلى الله بها ذكرهم، وجعلت منهم قدوة لمن يأبى بعدهم، والمقام هنا مقام تمثيل، لذا فقد اخترت أمثلة للذكرى.
بين معاوية وأبي مسلم الخولاني:
روي أن معاوية -رضي الله عنه- حبس العطاء فقام إليه أبو مسلم الخولاني فقال له: يا معاوية إنه ليس من كدِّك ولا من كدِّ أبيك ولا من كدِّ أمك، فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال: مكانكم وغاب عن أعينهم ساعة، ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الغضب من الشيطان، والشيطان خُلق من النار، إنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، وإني دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا من كد أبي، فهلموا إلى عطائكم.
لقد صدع أبو مسلم مما راه من الحق أمام أمير المؤمنين وخليفة المسلمين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه، إذ ليس لأحد عصمة بعد المعصوم، وكلمة الحق لا تعني بحال الخروج عن الطاعة أو نقض البيعة لمن ارتضاه المسلمون لإقامة شرع الله فيهم، لذا فقد أذعن معاوية للحق، وأقر بصحة مقولة أبي مسلم، وله في الفاروق -رضي الله عنه- أسوة عندما قال مخاطبًا رعيته يومًا: من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمه. فقام إليه أحد أفراد الرعية قائلًا: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بسيوفنا. فيقول عمر: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه.
أبو حمزة الأعرج بين يدي سليمان بن عبد الملك:
روى ابن الجوزي في صفة الصفوة: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم فجاءه، فقال: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال: صدقت، فكيف القدوم على الله عز وجل؟ قال: أما المحسن: فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم. قال: اعرِض نفسك على کتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: يا أبا حازم وأنَّى أصيب ذلك؟ قال: عند قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار:13-14). قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. قال: فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: اعفني عن هذا. قال سليمان: نصيحة تلقيها، قال أبو حازم: إن أناسًا أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين، ولا اجتماع من رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا شيخ. فقال أبو حازم: كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
قال سليمان: اصحَبْنا يا أبا حازم تُصب منا ونُصب منك، قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئًا قليلًا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات. قال: يا أبا حازم ادعُ لنا بخير، قال: اللهم إن كان سليمان وليُّك فيسره للخير، وإن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: یا غلام هات مائة دينار، ثم قال: خذها يا أبا حازم، فقال: لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي. فكأن سليمان أعجب بأبي حازم.
فقال الزهري -ليقلل من شأنه-: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط. قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني. قال الزهري: أتشتمني؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أمَا علمت أن للجار على جاره حقًّا؟ قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كان الأمراء يحتاجون إلى العلماء، وكان العلماء يفرون بدينهم من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء، فاستغنوا به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا. ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء يهابونهم. قال الزهري: «كأنك إياى تريد وبي تعرض» قال: هو ما تسمع. «صفة الصفوة ج ٢ ص ٩٤».
إنه نموذج من نماذج الجرأة عند السلف الذين امتلأت قلوبهم بخشية الله، فلم يعد فيها متسع للخوف من سواه، إذ كل ما فوق التراب تراب، ورحم الله عمر بن عبد العزيز إذ يقول: «كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره».
شيخ الإسلام ابن تيمية في مواجهة غازان التتري:
لقد كانت حياة شيخ الإسلام المباركة سلسلة متصلة من الجهاد في ميدان السنان والبيان، وفي مقارعة أهل البدع والظلم والطغيان، لقد حمل -رضي الله عنه- الراية مقبلًا غير مدبر حتى مكَّن الله به لعقيدة السلف ومنهاجهم في الدعوة والإصلاح، وهاكم هذا الموقف من مواقفه الإيمانية في مواجهة أحد طغاة عصره، ألا وهو غازان التتري الذي زحف من إيران نحو حلب، وهزم جمع الناصر حتى خلت دمشق من أعيانها وأمرائها بعد فرارهم إلى مصر، ولكن شيخ الإسلام وكما هو المأمول منه بقي صامدًا مع عامة الناس وذهب في وفد لمقابلة هذا الغازي، فلما واجهه قال له: أنت تزعم أنك مسلم فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك كانا كافرين وما غزوا بلاد الإسلام بعد أن عاهدانا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. ثم قرب غازان الطعام للوفد فأكلوا إلا ابن تيمية فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ ثم إن غازان من شدة ما أوقع في قلبه من الهيبة والمحبة سأل: من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه. ثم طلب منه غازان الدعاء، فقام الشيخ يدعو: «اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا فانصره وأيده، وإن كان قد قام رياءً وسمعة وطلبًا للدنيا فاخذله وزلزله ودمره واقطع دابره»، وغازان يؤمن على دعائه ويرفع يديه. قال البالسي: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدم ابن تيمية إذا أمر بقتله، فلما خرجنا من عنده قال قاضي القضاة نجم الدين: كدت تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك من هنا. فقال: وإني والله لا أصحبكم. قال البالسي: فانطلقوا عصبة وتأخر هو ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخواتين والأمراء أصحاب غازان، فأتوه يتبركون بدعائه وهو سائر إلى دمشق، فما وصلها إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما أولئك الذين أبوْا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتار فسلبوهم ثيابهم وما معهم.
ولو كان المقام يتسع لكان لنا المزيد من الوقفات، والتي تُجسد نهج السلف في تبليغ الحق والصبر على لوائه.
النافذة التربوية
فلنحترم أوقاتنا
شيء عجيب جدًّا ذلك الذي نلاحظه عند بعض شباب الصحوة الإسلامية، تراه مضيعًا لوقته ولوقت غيره ليس مباليًا بجنايته التي جنى، ولا مهتمًّا بعمره الذي مضى، وهو في غفلة غير منتبه «أن الوقت هو الحياة»، ورحم الله أبا علي الدقاق والذي انتبه لهذا المعنى فأنشد يقول:
كل يوم يمر يأخذ بعضي *** يورث القلب حسرة ثم يمضي
فاليوم يمضي كما تمضي الساعة والدقيقة، لكن من منا يتحسر على وقته الذي ذهب ولن يعود؟
لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حال أهل الجنة فقال: «ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله -عز وجل- فيها» (صحيح الجامع الصغير: 5322).
إنها والله ساعات وأيام وليالٍ تلك التي يهدرها أولئك البعض جاهلين أن الوقت نعمة سيسأل عنها المرء يوم القيامة، عن شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، فاحرص أخي الداعية يا من اخترت هذا الطريق الطويل على الاستفادة من وقتك فيما ينفع من قراءة أو كتابة أو تحضير درس أو خاطرة، أو سماع شريط أو طلب علم، أو حفظ قرآن أو... أو... فإن نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؛ حيث إن هذه القاعدة مضطردة وخصوصًا في مرحلة الشباب والمراهقة وتوفر المال، وصدق من قال:
إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أي مفسدة
وهناك آخرون يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم؛ وذلك أثناء بعض الزيارات الأخوية -الطويلة نوعًا ما- أو خلال اجتماعات العمل، وذلك بأن تجد أولئك البعض يتأخر عن موعد الاجتماع دون مبرر يُذكر حتى أصبح ذلك هو ديدنهم! والبعض الآخر يضيع وقت الاجتماع بأحاديث جانبية أو اتصالات هاتفية! وهنا تقع المسؤولية على مدير الاجتماع الذي من واجبه حفظ وقته ووقت الآخرين، وإدارة الوقت بما يعود على العمل بالفائدة المرجوة.
إن الالتزام بالمواعيد ظاهرة حضارية تنم عن وعي صاحبها بأهمية الوقت لديه وأثره في تنمية ذاته وشخصيته، ولهذا فلنحترم أوقاتنا وأوقات غيرنا.
عبد اللطيف محمد الصريخ
الجهاد سبيل تحقيق العدالة في الأرض
الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض، وهذا التكليف يوجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيث كان، ويزيلوا أسبابه، لا ليحكموا الأرض ويستولوا على المرافق ويستذلوا الأنفس لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض، وهذا ما يُعرف بالجهاد في سبيل الله.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 244).
وسبيل الله هو سبيل الحق، فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه فهو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم وإنقاذ المظلومين فهو في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق وحمايته والدفاع عنه فهو في سبيل الله.
والقرآن الكريم يدعو في كثير من الآيات للقتال في سبيل الله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾. (النساء: 74- 75).
فالقتال في الإسلام ليس للتحكم في الرقاب وإذلال العباد، بل في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين الذين استغاثوا بالله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 79).
والطغيان هو مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز الحد والمقدار فهو طاغٍ، وكذلك إذا تجاوز الإنسان الحد وعلا في الأرض وراح يفسد فيها ويستعبد الناس ويسلبهم حقوقهم ويحرمهم ثمرات الأرض وخيراتها فهو طاغوت، والقتال في سبيل الطاغوت ندَّد به القرآن وجعله شعار الكفار.
غاية القتال
أما القتال في سبيل الله فهو الذي غايته أن تكون كلمة الله هي العليا دون أن يكون هناك غاية شخصية أو علوٍّ في الأرض ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).
وقد ورد في الحديث أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
فالمسلم في جهاد دائم لا ينقطع أبدًا لتحقيق كلمة الله في الأرض، أي لتحقيق النظام الصالح الذي يسعد البشرية.
والأمة الإسلامية منتدبة لرفع الظلم عن الأفراد والجماعات في أقطار الأرض.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾(البقرة:143). وليس في هذا الأمر إظهار فضل أمة على أخرى، أو جرح كبرياء أمة من الأمم، لأن الله الذي وضع هذا الانتداب لم يجعله لشعب من الشعوب، ولا وقفًا على جنس من الأجناس، ولكنه جعله للجماعة التي تدين بأصوله مهما كان لون هذه الجماعة وجنسها، ونصوص القرآن واضحة في أن الإسلام دين عام للناس كافة.
ولهذا نرى الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل سفراء إلى ثمانية ملوك وأمراء مجاورين لجزيرة العرب يدعوهم إلى الإسلام بكتب أرسلها، فرفض هؤلاء دعوته، فمنهم من قتل سفيره، ومنهم من مزق الكتاب مع تهديد الرسول الذي يحمله، فكان لزامًا على المسلمين أن يحاربوا هؤلاء بعدما تبين لهم أنهم قتلوا الدعاة، وفتنوا أتباعهم بألوان الظلم والعذاب.
فالإسلام أباح الحرب، ولكنه أحاطها بسياج من الرحمة لم تألفها مدنية القرن العشرين، فقد سنَّ أحكامًا وأوجب مراعاتها لتخفيف ويلات القتال، وهي خير ما عُرف من قوانين الرحمة بالإنسان.
مفاهيم دعوية
أهمية الأخلاق في حياة الداعية
أخي الداعية إلى الله.. إنك وريث الأنبياء والمرسلين، فأنت من أكبر رجال الأعمال، قال الإمام ابن القيم: «إن أفضل ما يشتغل به العبد في الدنيا هو الدعوة إلى الله عز وجل». قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (فصلت: 33).
وأنت -أخي الداعية- محط أنظار كل من حولك، فكلٌّ يرقب حركاتك وسكناتك، والدعوة بالاقتداء هي أعلى مراتب الدعوة إلى الله، فموقف واحد ربما يكون أوقع من ألف خطبة عصماء، والرجال مواقف.
فلا يليق بالداعية أن يظهر في المجتمع العام بالحرص على إقامة أوامر الله -وفي الوقت نفسه- يرتكب أعمالًا يأباها الخُلق الكريم والإيمان الحق.
يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي في كتابه خلق المسلم:
ربما قدر الطفل على محاكاة أفعال الصلاة وترديد كلماتها، وربما قدر الممثل من إظهار الخضوع وتصنع أهم المناسك، لكن هذا وذاك لا يغنيان شيئًا عن سلامة اليقين ونبالة المقصد.
والحكم على مقدار الفضل وروعة السلوك يرجع إلى مسار لا يخطئ وهو الخلق العالي.
روى الإمام أحمد في مسنده أن رجلًا قال: یا رسول الله، إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». ثم قال: يا رسول الله، إن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط -بالقطع من الجبن- ولا تؤذي جيرانها، قال عليه الصلاة والسلام: «هي في الجنة».
محمد عباس الباز
منهاج السعادة للحياة السعيدة
بقلم: د.جاسم المهلهل الياسين
فإن راحة القلب وسروره، وزوال همومه وعمومه، هو المطلب لكل أحد، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور والابتهاج، وقد اختلف الناس في مفهوم السعادة وأسبابها، فبعضهم يرى أن السعادة في صحة البدن، وبعضهم يراها بجمع المال، وبعضهم يراها أن تكون في المسكن والمركب والمأكل... وغيرها.
فمنهم من أصاب كثيرًا منها فعاش عيشة هنيئة، وحيِي حياة طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التعساء، فالسعادة كلها مجموعة في طاعة الله ورسوله ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71)، والشقاوة كلها مجموعة في معصية الله ورسوله ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:36)، والله الموفق المستعان به على كل خير وعلى دفع كل شر، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ والضنك أشد درجات الضيق والقلق، هذا هو حال هؤلاء القوم الذين فقدوا السعادة الحقيقية في الدنيا، فضلًا عن السعادة الأبدية في الآخرة.
ولكيلا أطيل عليك الحديث، ندخل في صلب الموضوع ألا وهو كيف تحصل على السعادة في الدارين؟
السبب الأول: الإيمان والعمل الصالح وهو أساسها وأعظمها، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).
ذكر الإمام القرطبي -رحمه الله- معنى الحياة الطيبة «وهي راحة القلب، وطمأنينة النفس، والقناعة برزق الله، وإدراك لذة العبادة، وسعادة القلب، وانشراح الصدر، وسعة البال، وما شابه ذلك من الراحة».
وأساس الطاعة الإيمان بالله ورسوله، وقوامها فعل المأمورات واجتناب المنهيات عن رضا وقبول، وإذعان وتسليم.
والسبب الثاني: الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا كما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (رواه مسلم). فأخبر صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره، وذلك لإيمانه بالقضاء والقدر خيره وشره.
والسبب الثالث: الإكثار من ذكر الله تعالى، وهو من أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). فلذكر الله أثر عظيم في حصول هذا المطلوب. ومن أعظم الذكر الإقبال على القرآن، بتدبره وفهم معانيه، والتوقف على الحدود والضوابط، وكان عليه الصلاة والسلام يحرص على أذكاره صباحًا ومساء، وعلى الاستغفار في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وعلى الدعاء والابتهال إلى ربه وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن تغشته الآثام وأحاطت به الذنوب؟! ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: 57).
والسبب الرابع: التوكل على الله والثقة به سبحانه وتعالى، ومتى اعتمد القلب على الله، وتوكل عليه، ولم يستسلم للأوهام ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الشكوك والظنون، وارتاحت الأعصاب، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3) أي كافِيهِ جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (الأحزاب: 3) فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تزعجه الحوادث.
والسبب الخامس: لا تختر من الأصحاب إلا الأخيار.
واختر من الأصحاب كل مرشد *** إن القرين بالقرين يقتدِي
وصحبة الأشرار داء وعمى *** تزيد في القلب السقيم السقما
فإن تبعت سنة النبي *** فاجتنبن قرناء السوء
واعلم أن صحبة الأخيار المرشدين الناصحين شفاء للقلوب من أمراضها، ووقاية للنفوس من أهوائها، تهدى إلى الحق وتعين عليه، وتقوي الرغبة فيه والحرص عليه، بخلاف صحبة الأشرار الغاوين فإنها داء وبيل، وعماية عن سواء السبيل، تصد عن الحق والهدى، وتقود إلى الباطل والردى، وتحول دون الخير، وتحرض على الشر. وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي في حسن اختيار الصاحب: إذا أردت صحبة أحد فراعِ فيه خمس خصال: العقل، والخلق الحسن، والصلاح، وألا يكون حريصًا على الدنيا، وألا يكون كذابًا.
واعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارًا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة، وإلا فالأمر بالعكس.
والسبب السادس: التحذير من طول الأمل.
وأفلس الناس طويل الأمل *** مضيع العمر كثير الخطل
نهاره يمضيه في البطالة *** وليله في النوم بئس الحالة
وفي البيتين علاج لمرض خطير وخيم العاقبة يصيب ضعاف النفوس خفاف العقول، وهو طول الأمل في الحياة والصحة والعافية والنعيم، ومن شأن من طال أمله أن ينسى آخرته، ومن نسيها لم يعمل لها، ومن لم يعمل لها قدم إليها وهو مفلس من الأعمال الصالحة التي لا نجاة لعبد إلا بها.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (رواه البخاري)، فلا تستطل الأجل وبادر بصالح العمل، ولا تركن إلى البطالة والنوم والكسل، وادخر في صحتك وحياتك ما ينفعك في مرضك وبعد مماتك، ذلك هو العلاج الوافي والدواء الشافي لمن يبغي السلامة، وينشد السعادة في دنياه وآخرته.
وعلى الإنسان أن يجعل الأمور النافعة نصب عينيه، وأن يعمل على تحقيقها، ولا يلتفت إلى الأمور الضارة ليلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم والحزن، أن يستعين بالراحة وجماع النفس على الأعمال المهمة.
وأخيرا.. فإن هناك أسبابًا كثيرة ومتنوعة تقود إلى أبواب السعادة، ولكن أحببنا الإيجاز والاقتصار على هذه الأسباب الستة لأنها باعتقادنا شاملة تقوم مقام غيرها.
ونقول أخيرًا: ينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم، فالأهم، وميِّز بين ما تميل نفسك إليه وتشتد رغبتك فيه، فإن ضده يحدث السآمة والملل والكدر، واستعن على ذلك بالفكر الصحيح والمشاورة، فما ندم من استشار، وادرس ما تريد فعله درسًا دقيقًا، فإذا تحققت المصلحة وعزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل