; الجزائر وسياسة التوازن بين الشرق والغرب | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر وسياسة التوازن بين الشرق والغرب

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-أبريل-1986

• بالخدعة تمكن الاشتراكيون من السيطرة على زمام الحكم بعد إعلان الاستقلال عن فرنسا.

 

• حاول الفرنسيون أثناء حرب التحرير استغلال ظاهرة التعددية العرقية لشق صفوف المجاهدين وإحباط الثورة.

 

قام الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد بزيارة للاتحاد السوفيتي في أواخر شهر مارس الماضي التقى خلالها بالزعماء السوفييت، حيث ناقش معهم العلاقات الثنائية بين البلدين والأوضاع الدولية التي تبعث على القلق، وعلى رأسها قضية الشرق الأوسط وجنوب إفريقيا ومشكلة الصحراء، ولاحظ المراقبون أن هذه الزيارة تأتي كدلالة أخرى على النهج الجديد لسياسة النظام الجزائري الذي يهدف إلى التوازن في علاقات الجزائر مع الدولتين العظميين؛ حيث إن زيارة بن جديد الأخيرة لموسكو تأتي بعد زيارته الناجحة التي قام بها للولايات المتحدة الأمريكية في وقت سابق من عام 85 المنصرم.

 

وقد علقت الصحفية الأمريكية باربارا سميث على العلاقات الجزائرية الأمريكية بعد تلك الزيارة بقولها: «إن أفضل علاقات لأمريكا مع دول شمال إفريقيا هي الآن مع الجزائر التي نددت بها أمريكا ذات مرة ووصفتها بأنها دولة ماركسية وعميلة للاتحاد السوفيتي». ثم تقول الصحفية الأمريكية: «إن أمريكا ترى أن الملك الحسن الثاني يتعاون معها بسبب إحساسه بالضعف، ولكن الرئيس الشاذلي بن جديد الذي زار الولايات المتحدة الأمريكية عام 85 يُعد براغماتيًّا واقعيًّا».

 

انفتاح ساداتي

وقد رافقت هذه السياسة الجديدة لحكومة بن جديد حالة انفتاح على الطريقة الساداتية أدت إلى ظهور أثرياء جدد في المجتمع الجزائري جمعوا ثرواتهم من النهب والمحسوبية والرشوة، وقد أدى ذلك إلى بروز ظاهرة غلاء فاحش في المعيشة أثقلت كاهل المواطنين المسحوقين بشكل لا يطاق، فقد وصل سعر كيلو اللحم مثلًا إلى 20 دولارًا، وسعر كيلو البطاطس -الغذاء الشعبي الأساسي- إلى 6 دولارات، وسعر البصل إلى 6 دولارات للكيلو كذلك، وقس على تلك أسعار المواد الأساسية الأخرى التي أصبحت لا تطاق منذ انتهاج الحكومة لهذه السياسة الانفتاحية الجديدة بما فيها الإيجارات، مما تسبب في حدوث أزمة شديدة في السكن تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فلجأت الحكومة إلى معالجة الزيادة في عدد السكان بحملة كثيفة لتنظيم النسل، لتكرس بذلك القرار فشلها وعجزها الكامل عن حل المشكلة بطريقة علمية معقولة.

 

ومن ذيول سياسة الانفتاح تلك الخسارة المتلاحقة على المصانع الثقيلة والشركات الوطنية التي منيت بضعف الإنتاج، مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة والتضخم. وكانت قلة إنتاجية المصانع والشركات الوطنية وهبوط سعر النفط وراء لجوء الحكومة إلى اقتراض ديون ضخمة من البنوك الخارجية، مما زاد الطين بلة بالنسبة للحكومة والمواطن المغلوب على حاله.

 

مطاردة الإسلاميين

لا أحد ينكر أو يجهل دور حملة راية الإسلام في الثورة الجزائرية التي ضحت بمليون جزائري في سبيل التحرير وطرد الفرنسيين من الجزائر، الذين حاولوا خلال استعمارهم لها محو الشخصية الإسلامية والقضاء على رموز الإسلام الأساسية. لكن دعاة الاشتراكية والقومية الذين تسللوا إلى صفوف المجاهدين المسلمين استطاعوا بمهارة من ليِّ عنق الجهاد من جهاد في سبيل الله والوطن إلى ثورة اشتراكية، بعد أن كادت ثمرة الجهاد أن تنضج وأصبح خروج الاستعمار الفرنسي من البلاد قاب قوسين أو أدنى. وبتلك الخدعة تمكن الاشتراكيون من السيطرة على زمام الحكم بعد إعلان الاستقلال عن فرنسا وبادروا إلى تصفية دعاة الشريعة الإسلامية وأبعدوهم عن مراكز الحكم في الدولة، وكانت لكل حكومة ثورية طريقتها الخاصة في تنفيذ هذه المهمة. لكن الشعب الجزائري ظل متمسكًا بدينه الإسلامي الحنيف وبرزت في الساحة الجزائرية حركة نهضة إسلامية نشطة أخذت تجتذب الشباب الجزائري في الجامعات والمعاهد والمصانع والمتاجر والحقول، وارتفع عدد الفتيات المحجبات في الجامعات والشوارع، وأصبحت الكتب الإسلامية متداولة في كل مكان، وأصبحت المساجد قبلة الشباب الملتزمين الذين حاولت الحكومات الثورية إغراءهم بالكرة والسينما والنساء والرقص المختلط، وغير ذلك من الملذات الدنيوية الدنيئة التي فشلت كلها في إلهاء الشباب الجزائري المسلم عن التمسك بدينه والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة، مما جعل السلطات تطاردهم وتتهمهم بإثارة الشغب والدعوة إلى العنف وتزج بالعشرات منهم في السجون والمعتقلات، حيث يقضون الشهور العديدة دون تقديمهم للمحاكمة، ويتعرضون لألوان مختلفة من التعذيب كإحراق اللحى والتعرض لصعقات كهربائية في أماكن حساسة من الجسد ومنع أقاربهم من زيارتهم أو رؤيتهم.

 

نعرات قبلية

إن في الجزائر تنوعًا عرقيًّا يهدد دائمًا بشق الجبهة الداخلية، حيث تطالب القبائل البربرية بين الحين والآخر بإحياء ثقافتهم البربرية إلى جانب الثقافتين العربية والفرنسية، وقد حاول الفرنسيون خلال فترة احتلالهم للجزائر ثم أثناء حرب التحرير استغلال ظاهرة التعددية العرقية لشق صفوف الجزائريين وإحباط الثورة، وفي السنوات الأخيرة برزت المشكلة القبلية البربرية من جديد والتي غذتها وشجعتها سياسة الانفتاح والحرية النسبية التي بدأت مع عهد الرئيسي الشاذلي بن جديد، والذي وجدت حكومته أن دعاة القبلية البربرية هم أربح ورقة يمكن للحكومة استخدامها لمجابهة المد الإسلامي المطرد في الجامعات والمعاهد، وهذا هو السبب في انطلاقة النعرات البربرية من نفس هذه الجامعات والمعاهد.

 

ففي أكتوبر 1985 شهدت بعض الجامعات والمعاهد الجزائرية مظاهرات طلابية بربرية كانت ترفع شعارات ضد سياسة التعريب في التعليم وتنادي بإدراج الثقافة البربرية في التعليم، إلى جانب العربية والفرنسية، وكانت أحداث مدينة «تيزي أوزو» أعنف هذه المظاهرات القبلية؛ حيث خرج الجمهور إلى استاد المدينة ثم امتدت مظاهراتهم إلى المدارس الثانوية وإلى جامعة تيزي أوزو، حيث وقعت عدة مصادمات بين المتظاهرين ورجال الأمن. وقد لوحظ في الندوات التي كانت تعقد في جامعة تيزي أوزو كثافة عدد أنصار البربرية الذين كانوا يحرصون على حضور تلك الندوات للتعبير عن أفكارهم المعادية لسياسة التعريب. ويؤكد بعض المسؤولين الجزائريين أن فرنسا وإسرائيل وراء هذه الحركة البربرية.

 

هذا وهناك فكرة تلوح بها بعض الأطراف للاحتفال هذه السنة عام 1986 بذكرى القديس أوغسطين لأول مرة في الجزائر باعتباره رمزًا مسيحيًّا من مواليد المنطقة، ولكن هذه الفكرة ما هي إلا وسيلة أخرى بيد الحكومة لإثارة النعرات الطائفية والعرقية لعرقلة الصحوة الإسلامية، ولا شك أن هذه الإجراءات كلها تندرج تحت سياسة الانفتاح الساداتي، التي من خلالها حاول الرئيس السابق أنور السادات إثارة الفتنة الطائفية وتشجيع فكرة العودة بمصر إلى «الفرعنة» والثقافة «الهيلوغروفية» لضرب الإسلاميين الذين أقلقوا النظام وكادوا يقضون عليه باغتيال رمزه في أكتوبر عام 1980. فهل تنتهي سياسة الانفتاح بالشاذلي حيث انتهت بالسادات، أم سيكون الرئيس الجزائري من الذين يتعظون بغيرهم؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل