العنوان الجهاد الأفغاني.. مدرسة لمن أراد!
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشاهدات 85
نشر في العدد 630
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 26-يوليو-1983
قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37) وقال علي رضي الله عنه «وما أكثر العبر وأقل من يعتبر»... وفي ضرب الأمثال والقصص في القرآن آيات وعبر... وبالتفكير والاعتبار تميز المسلم عن غيره من البشر.... وإن العالم المتطور الذي نعيشه في زماننا هذا قد تزاحمت فيه اللقطات المصورة التي تحرك العقل البليد علاوة على اللب الأصيل وفي هذا المقال سأقف عند الصورة الأفغانية وعند لقطة واحدة واضحة في الاتحاد والبيعة والجهاد...
* بيعة إلى أي مدى؟ وما هي حقوقها؟
إن المصطلحات في الفقه الإسلامي ليست شعارات فارغة كما هي عند أصحاب الطرح الفكري المادي ومن دار في فلكهم أسماء لا مسميات لها على الحقيقة وأرضها بل بريق تتمتع به العيون من بعيد فإذا ما أتيت إليه لم تجده شيئًا، فإذا ما وجدته فهو بين أن يحرقك بشرره أو يخنقك بنتنه... هذا من المصطلحات المادية.... أما المصطلحات الفقهية فهي في الواقع وللواقع فإن لكل مصطلح مدلوله وشروطه وحقوقه مترتبة عليه وواجبات لازمة له... والبيعة لعبد رب الرسول سياف في أن يكون أميرًا للجهاد تعني أن تطرح هذه التساؤلات من قبل الذين لا زالت جذوة الإيمان تنير قلوبهم ولم تطفئها رياح الكفر والفسوق والعصيان:
- ما حدود وإلزامية البيعة؟ هل هي قطرية أفغانية محدودة أم هي إسلامية عامة؟؟
- ماذا يعني الأمر الذي يصدره أمير الجهاد لعموم المسلمين... هل هو للوجوب؟؟ أم للندب؟ هل هو على الكفاية أم على العين؟؟
- ما علاقة حكام المسلمين مع هذا الأمير الجديد المبايع... هل هو رئيس لعصابة كما يصوره الشرق الشيوعي؟؟ أم هو العنصر المتطرف كما يسميه الغرب المادي؟؟ أم هو الأخ المسلم الذي أمرنا الله سبحانه بموالاته ونصره وتولي طريقه ومنهجه مع معاداة أعدائه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 72-73).
وهذه التساؤلات تفرض نفسها الآن على الساحة الإسلامية بل أخذت تدور على ألسنة الشباب في كل مكان... فهل تجتمع هيئات ولجان الفتوى الموجودة في العالم الإسلامي لتبين للمسلمين حقيقة الإجابة عن هذه الأسئلة حتى لا يتصرف الشباب بمعزل عن العلم الشرعي فتجتمع هذه الهيئات لا لتجيب على الأسئلة ولكن لتصب الاتهامات والتصنيفات عليهم!!
* مغالطات في فهم الاحتياج الجهادي
إن من المغالطات التي يتفصح فيها الدعاة ويبرروا وجودهم بعيدًا عن حركة الجهاد ويكتفوا بزاد العمرات والركعات والاعتكاف والمدارسات... أن نراهم قد نصبوا أنفسهم مفتين عن الأمير فيقولون: إن الحركة الجهادية لا تحتاج إلى رجال!! ثم يبدأ يفلسف هذه النظرية ويقعد لها القواعد بحيث تصبح هذه القضية بدهية لا تحتاج إلى دليل!!... والحقيقة إن هذه مغالطة أتت نتيجة للجهل بالأمور الآتية:
أ- إن الحركة الجهادية حركة متكاملة تحتاج إلى الرجال كما تحتاج إلى المال وكما تحتاج إلى الإعلام والتخطيط وكما تحتاج إلى الوعي والتأميل لأن الحركة الجهادية الثورية لا بد لها من النظرية التي تواكب الحركة... وهكذا فالجهاد يحتاج إلى هذه كلها فلماذا نقصر الرجال على الأفغان، والمال على جهة والإعلام على جهة، هكذا نقسم الاحتياجات على الشعوب... بل الأصل أن الاحتياج بعمومه ينصب على كل المسلمين كل بحسبه...
ب- إن المجاهدين إن كانوا في بداية الأمر لم يحتاجوا إلى الرجال فهم بعد جهاد وقتال استمر ثلاث سنوات قد استشهد فيه عدد كبير من القياديين لا بد وأنهم يحتاجون إلى رجال قادة يقومون بسد الفراغ الذي بدأ يظهر في قطاعات المجاهدين.
ج- إن الجهاد إن كان في أول الأمر يحتاج إلى الرجل الذي يمسك بالسلاح.. فهو الآن يحتاج إلى الرجل الطبيب الذي يمسك بالمشرط ليعالج أثر السلاح ويحتاج إلى الرجل الذي يدير وينشئ المستشفيات.
وإلى الرجل الذي يقيم الملاجئ والمشاريع الخيرية التي تنفق على الجهاد... ويحتاج إلى الرجل الذي يعيش في مخيمات المهاجرين... معلمًا وموجهًا ومفقها ومخففًا آلام الهجرة والغربة، وآلام اليتم والفقر مستشعرًا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما».
ء- إن وجود المقاتل المسلم الذي ليس من الجنسية الأفغانية بجانب المجاهد الأفغاني ليعطيه الدفعة والشحنة الإيجابية التي تجعله ينغمس في الجهاد لدرجة أن الرب يضحك من صنيعه كما ورد بالحديث.... يكفي أن يعرف المسلمون العرب أن الأفغان ينظرون إلى المسلمين العرب أنهم أبناء الصحابة! فتصور الهمة التي يشعر بها المجاهد الأفغاني عندما يشعر أن الذي يقاتل معه وبجانبه من سلالة الصحابة رضوان الله عليهم.
فإذا تقرر ذلك فإني أوجه الدعوة إلى من يريد أن لا يموت على شعبة من النفاق، إلى من عجز عن الجهاد المسلح... إنه لا مناص من السقوط بالنفاق إلا بتحديث النفس بالجهاد... وتحديث النفس له صور أعرفها على كل جهة باختصاصها، ولذلك أوجه النداء إلى:
- الحكومات الإسلامية أن تكف عن موالاة وتولي من لهم يد في محاربة المجاهدين وليعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار» متفق عليه.
من حديث أبي هريرة... وحديث الطبراني الذي أخرجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخاف مؤمنًا كان حقًّا على الله أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة» فهذه الأحاديث وغيرها تبين خطورة من أخاف مسلمًا فكيف من ساعد على قتل مجاهد!!... وعلى ذلك فعليهم أن يقطعوا العلاقات الثقافية والدبلوماسية مع الروس وحكومة كابل الموجودة، ويعترفوا بالاتحاد كممثل وحيد للأفغان.
2- إلى صيدليات الأدوية الخاصة والتابعة لمستشفيات الدولة أن تصرف من الأدوية ما يناسب احتياج المجاهدين والمهاجرين بحيث يكون الإنفاق نابعًا من الإحساس بالوجوب والإلزام لا من باب النقل والتصدق!!
3- إلى مؤسسات الخطوط الجوية في كل بلد مسلم أن تخصص لكل طبيب أو مدرس أو عالم بأي أمر من الأمور التي يحتاجها الجهاد- تذكرة مجانية ذهابًا وإيابًا ليقضي إجازته الدورية في مستشفيات المجاهدين ومعسكرات المهاجرين... ولو تصورنا ذلك فإنه سيكون متواجدًا على طول السنة ما لا يقل عن مائة طبيب.
4- إلى أصحاب الوقف الذين يريدون أن يخرجوا من الوقف التقليدي- الأضاحي، موائد الإفطار... إلخ- إلى ميادين الجهاد حيث إنشاء معاهد التأهيل المهني للجرحى ومن فقدوا بعضًا من أعضائهم في ميادين المعارك، وكذلك بناء المتاجر والعمارات التي يكون ريعها للمجاهدين والمهاجرين.
* لماذا يتحرك المسلمون للقضية الأفغانية؟؟
أ- هل هو نتيجة للشعور بالرابط الإيماني فقط؟!
ب- هل هي استجابة إنسانية لحال المظلومين؟؟
ج- هل هو قميص عثمان يتمسح به كل من يريد أن يوصف بأنه مجاهد؟؟
د- هل هي فرصة لاستقلال قضية تستجيب لها النفوس المسلمة بفطرتها، كما هي القضية الفلسطينية ومتاجرة القيادة القديمة والحديثة فيها؟
هـ- أم هو الحرص على إيجاد دولة إسلامية عقائدية تكون ملجأ للمسلمين، وتمثيلًا حركيًّا واقعيًّا كان الدعاة يحلمون به؟ دولة إسلامية تكشف الزيف وتزيل الأقنعة عن الوجوه، دولة تكون المنطلق والقدرة والمنارة للمرتجفين الخائفين من تطبيق الإسلام.... نعم إنها هي ولا شك غاية المخلصين من الدعاة الموحدين...
وفي الختام نحن بحاجة إلى دعاة يعملون على زيادة إيمانهم من خلال الجهاد والتحرك في ميادينه كما يتزود غيرهم من خلال جلسات الذكر، نريد العالم الذي يقبل على مشاكل المسلمين بروح العالم المجاهد كما كان ابن تيمية رحمه الله... بل إننا نحتاج إلى أدق من ذلك نحتاج إلى أن تكون القضية الأفغانية تملك الفكر والنفس والقلب فيكون المسلم عظيم الاهتمام بها على قدم الاستعداد أبدًا، إن دعي أجاب، أو نودي لبّى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه، وجده ولعبه لا يتعدى ميدان الجهاد الذي يتفكر فيه، تقرأ من قسمات وجهه وترى في بريق عينيه وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من ألم دفين.
أما الداعية الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا عابثًا ماجنًا فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين -بتصرف من رسائل الإمام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل