العنوان الجهاد الشيشاني ضد الغزو والقيصري والبلشفي
الكاتب شمس الدين عثمان طاش
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 938
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
الوضع العسكري في القفقاس عام 1847
الظلم والقسوة في عهد القياصرة دفع بالمسلمين
إلى الهجرة فرارًا بدينهم وصونًا لأعراضهم وحفاظًا على هويتهم الإسلامية.
قصة سكن 200 عائلة شركسية لقرى الأردن.
تناقض مصالح الدول الكبرى أوقف الزحف الروسي
جنوبًا. المسلمون لم يقفوا أمام التحديات الظالمة مكتوفي الأيدي في سائر بلاد
المسلمين السوفييت.
نهاية حياة شامل العسكرية
... بعد أن تفرغ الروس كليًا لمواجهة الأوضاع
في القفقاس بعد معاهدة باريس تمكنوا خلال الثلاث سنوات التالية من إخضاع شيشانيا
السفلى وبلاد القبائل الشركسية، واضطر شامل للانسحاب مرة أخرى إلى داغستان حيث ظلت
القوات الروسية تلاحقه إلى معقله الأخير «جونيب» التي وصفها القادة والعسكريون
بأنها حصن طبيعي لا يفتقر إلى شيء من مقومات الحصون سوى إلى حامية كافية للدفاع
عنه، ولكن شامل لم يكن معه سوى أربعمائة من مريديه وكانت نسبتهم إلى أعدائهم حسب
التقارير العسكرية تساوي (1 - 40) أما بالنسبة للعدد والسلاح فكانت المقارنة مفقودة..
وعندما رأى شامل أنه لم يبق على قيد الحياة من مريديه سوى (50) رجلًا.. فأمر
بالتراجع إلى مداخل القرية.. وكان قائد الحملة الروسية هو الجنرال «بارياتينسكي»
القائد العام الذي عين بدلًا عن الجنرال «نيدهاردن»... كان هذا الجنرال يتمنى أن
يأخذ شاملًا أسيرًا إن أمكن لأن ذلك بالنسبة له أعظم انتصار يحققه في التاريخ
العسكري، ولذلك أعطى أوامره لإقناع المدافعين بالتسليم.. كما وأن شاملًا نفسه كان
قد تأكد من عدم جدوى المقاومة، وأن العدو إن استولى على الموقع عنوة فإن الخسائر
ستكون جسيمة خاصة بين الأطفال والنساء، ولذلك تجاوب مع نداء التسليم وأرسل اثنين
من مريديه للمفاوضة.. وبطبيعة الحال كانت شروط القائد العام أن يتم الاستسلام بدون
شروط.. وجاء الكولونيل الأرمني «لازاريف» الذي كان يعرف شاملًا شخصيًا ووعده بأن
حياته وحياة جميع من معه ستكون بأمان.. وعندها امتطى الإمام حصانه وتقدم نحو
القوات الروسية التي ما أن شاهدت ذلك الرجل الأسطورة الذي حاربوه (25) عامًا حتى
ارتفع هتافهم.. وهنا شحب وجه الإمام ولوى عنان فرسه ليعود إلى القرية.. ولكن ذلك
الأرمني الداهية لحقه، وقال إن الجنود إنما كانوا يحيونه ويكرمونه بهتافهم وأقنعه
بالعودة... فعاد الإمام ومعه خمسون من مريديه هم كل ما تبقى من أصل (400) مريد..
وهكذا أُرسل الإمام إلى روسيا لمقابلة القيصر بعد أن استسلم في 25/8/1859 وظل
معتقلًا حتى عام 1870 حيث سمح له بعد توسط الخليفة العثماني مراد الخامس بالحج إلى
بيت الله الحرام والإقامة بالمدينة المنورة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى أن توفي في 4/2/1871 رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل
خير.. وهكذا انطفأ مشعل من مشاعل الإيمان وسقط قائد مسلم حمل راية الجهاد ضد الظلم
والكفر.. ولكن هل سقطت الثورة وانتهى الصراع بين الحق والباطل.. لا لم ينته ولن
ينتهي بإذن الله إلا بانتصار الحق واندحار الظلمة.
الروس يخططون لتفريغ القفقاس
.... بعد تلك النتيجة القاسية والنهاية المؤلمة
لقائد تلك الثورة أخذ الروس يخططون من جديد لإخلاء القفقاس وتفريغه من سكانه وأهله
خاصة المسلمين منهم فعادوا يشجعونهم بكافة الوسائل والمغريات على الهجرة إلى
البلاد الإسلامية.. وللهروب والخلاص من ذل الاستبداد والقهر، فاستجابت قبائل عديدة
من القفقاسيين معظمهم من الشراكسة والشيشان لتلك الدعوة وتركوا أوطانهم والتجأوا
إلى الحكومة العثمانية التي وزعتهم على كافة ممتلكاتها المترامية الأطراف وتقول
الروايات التاريخية إن الشراكسة وحتى عام 1862 كانوا لا يزالون يحتفظون بحكومة محلية
في «سونشي»، ولكن في تلك السنة شن الروس عليهم حربًا استمرت لمدة سنتين إلى أن تم
أخيرًا طرد 600,000 شركسي من بلادهم وتم استيطان رعايا من الروس بدلًا عنهم..
واستمر الروس في عملية التهجير تارة بالإغراء وتارة أخرى بالضغط والإكراه الأمر
الذي أجبر أعدادًا هائلة من تلك الشعوب على الهجرة..
هجرة شيشان الأردن
بعد استسلام الإمام شامل عمل الروس كما قلت على
تضييق سبل العيش على السكان المحليين وعندما تشدد الروس في إجراءاتهم التعسفية
قامت ثورة بقيادة الإمام «الحاج كونتا»، وذلك في عام 1867 ثم قامت ثورة في عام
1877 وفي عام 1905 قاموا بثورة أخرى مطالبين باسترداد أراضيهم التي أقطعوها
للقوزاق والروس.. ولكن كل تلك الثورات كانت تقمع بمنتهى الشدة والقسوة.. أما
الثورة التي تحملت مهمة ذلك الصراع الطويل مع الروس فقد كان على رأسها في عام
(1901) العالم الفاضل محمد أمر النوراني.. هذا الشيخ الورع تنبأ لأتباعه بأن تلك
البلاد وكل روسيا ستتعرض لظلم الإلحاد الذي بعد ظلم الروس القياصرة بالنسبة له
أمرًا هينًا.. وقال إن السعيد من استطاع الهجرة والهروب قبل أن يحل ذلك الظلام..
ودوت هذه الصرخة ولاقت قبولًا من قبل تلاميذ الشيخ.. كما لاقت تشجيعًا من الروس
فقدموا يد المساعدة لمن يود الهجرة، وهكذا تجمعت في شهر شعبان من عام (1319) هجرية
حوالي (700) أسرة وخرجت تاركة الأهل والوطن مهاجرة بدينها وعقيدتها حسب تعليمات
العالم محمد أمر - ولدى التوفيق ما بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي يصادف
أول شعبان عام 1319 هـ لـ 13/11/1901م وقد انتقل هذا الإمام لجوار ربه في 13 ذي
القعدة/1319 في بلدة «ألوار» التركية قرب محطة سكة حديد «قلعة حسن».. وهناك تم
توزيع هؤلاء المهاجرين من قبل الأتراك في كافة أرجاء الدولة العثمانية.. وبعد وفاة
الإمام الذي كان قد أوصى بالإمامة لصهره زوج ابنته الشيخ العالم الفاضل الحاج عبد
الله بن عاد لكيري توجهت فئة من هذه الجماعة قاصدة أراضي الأردن وكان عدد الأسر
التي وصلت إلى الأردن على فترات حوالي (200) أسرة توزعت على الزرقاء وصويلح
والسخنة وكان تاريخ وصول أول فوج من هؤلاء المهاجرين إلى الزرقاء هو يوم السبت
21/3/1903.. وفي عام 1912 وصلوا إلى الأزرق واتفقوا مع الشيخ حديثة الخريشة على
السكن في الأزرق لأنها مناسبة لتربية المواشي لجودة مراعيها ووفرة مياهها.. وكان
المهاجرون الشراكسة قد سبقوهم بالوصول إلى الأردن حيث وصل أول فوج منهم عام 1878،
أي قبل الشيشان بحوالي ربع قرن وسكنوا في خرائب عمان - التي أصبحت اليوم عاصمة
المملكة الأردنية الهاشمية - وسكنت أفواج أخرى في وادي السير وجرش وناعور والرصيفة
وصويلح... وكانت كل هذه المواقع التي استقر فيها المهاجرون من الشراكسة والشيشان
خالية من السكان بل بالأحرى كانت لا توجد فيها مستوطنات سكنية مستقرة، وكانت
القبائل البدوية في المنطقة ترتادها في بعض فصول السنة طلبًا للماء والكلأ.. وهذه
القبائل رحبت بوجود مستوطنات سكنية بينها وتعاون الجميع وفي خلال فترة وجيزة توطدت
بينهم أواصر الصداقة والتعاون وأصبحوا أسرة واحدة وتعمقت هذه الروابط بعد قيام
إمارة شرقي الأردن الذي قام بتأسيسها الملك عبد الله بن الحسين في عام 1921..
وشيشان الأردن يحمدون الله تعالى على الدوام لأنه وفقهم بالاستيطان في هذا البلد
الطيب أهلًا وأرضًا..
الثورة البلشفية الشيوعية الملحدة
وقبل أن نتعرض لفضائع ومظالم زبانية هذه الثورة
الملحدة ضد الإسلام والمسلمين التي فاقت وحشية ما ارتكبه جلادو القياصرة.. أجل قبل
ذلك أرى أن نستعرض بعض الأسباب التي ساهمت وساعدت بل أدت إلى سقوط أعظم أباطرة
الروس نيقولا الثاني، وهو في قمة عظمته بعد أن حقق تلك الانتصارات المذهلة على
الأتراك والإيرانيين، وها هو يكاد يتم احتلال القفقاس بعد أن عجز عن ذلك (20)
قيصرًا من أسلافه منذ عهد إيفان الرهيب عام 1552 كما دانت له شعوب آسيا الوسطى
بالإضافة إلى ما حققه على الجبهات الأوروبية.. وفوق هذا وذاك حقق ذلك الحلم الذي
كان هاجس الروس منذ قديم الزمان بالوصول إلى شواطئ الأستانة والمياه الدافئة، وذلك
عندما أرغم الحلفاء على توقيع اتفاقية باريس السرية في 10/4/1915، والتي جاءت من
خلال رسالة قدمها وزير خارجية القيصر آنذاك المدعو سازانوف إلى سفيري دولتي
بريطانيا وفرنسا جاء فيها ما يلي: ترغب الحكومة الروسية عند نهاية الحرب في ضم
الأراضي الآتية إلى ممالكها وهي مدينة الأستانة «إسطنبول» مع ضفاف البوسفور
الغربية وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل وتراقيا الجنوبية حتى خط أينوز- ميدية وسواحل
آسيا الصغرى الواقعة ما بين البوسفور وحتى نهر سفاريا مع بعض المراكز على خليج
إزمير وجزر بحر مرمرة وجزيرتي إيمروز وتيدوس الواقعتين قرب مدخل الدردنيل على أن
لا يخل ذلك بما لفرنسا وإنكلترا من حقوق على تلك الأراضي.. ورغم قساوة شروط هذه
المعاهدة فإن الحليفتين بريطانيا وفرنسا اضطرتا للموافقة عليها تحت ضغط الظروف
القائمة آنذاك والتي استغلها الروس بما هو معروف عنهم من خبث ودهاء حتى في يومنا
هذا، وما زال هذا مبدأهم في التعامل مع أصدقائهم، كما أشرت إلى ذلك في بداية القسم
الأول من هذا الكتابات.. وكما نعلم كان عام 1915 هو العام الثاني من أعوام الحرب
العالمية الأولى، ولم تكن الحليفتان بحاجة إلى إثارة الروس ولذلك وافقتا على هذه
الاتفاقية.. أما الروس فكانت فرحتهم بذلك لا مثيل لها وكيف لا، وقد تحقق أخيرًا
حلمهم الطويل ووصلوا إلى المياه الدافئة بدون سفك قطرة دم واحدة لا بل حققوا ما هو
أعظم من ذلك بأن تصبح القسطنطينية عاصمتهم الدينية... ولكن تأتي الرياح بما لا
تشتهي السفن.. إذ إن الحلفاء وما أن شعروا في عام 1917 بأن ميزان الحرب قد مال
لصالحهم وأن النهاية باتت قريبة عادوا إلى مراجعة الأمور من جديد ووضع خطط
لاستعمار الشرق الأوسط، فوجدوا أن معاهدة باريس التي فرضها عليهم الروس تحول دون
إحكام الاستعمار في هذه المنطقة لأن الروس دخلوا كشريك مزعج سيظل يخلق لهم المشاكل،
لذا فلا بد من إيجاد وضع يمكنهم من التملص من هذه الاتفاقية، وبالطبع كان اللجوء
إلى القوة والحرب أمرًا مستبعدًا لأن جيوشهم كانت منهكة ولا يمكن التكهن
بالنتائج.. إذن ما العمل؟ واستقر الرأي على وجوب.. إشعال حرب روسية- روسية..
ووجدوا فرصتهم وضالتهم في ذلك السياسي الروسي الهارب لينين الذي انطلق على متن
قطار من باريس ووصل أخيرًا إلى روسيا، وما كاد يطلق صيحته الأولى مناديًا بخلع
القيصر حتى يتنازل هذا عن العرش ويسجن هو وأسرته ثم يُعدمون فيما بعد.. تم الأمر
بكل تلك البساطة وقال الناس إنها صدفة تاريخية ومنهم من حاول أن يعزو ذلك إلى
كرامة من الله بها على لينين - نسي هؤلاء أن لينين ملحد لا يعترف بوجود الله.. أما
التاريخ فيقول إنها ليست صدفة لأن الصدفة لا تتكرر، وقد رأينا نحن أبناء اليوم كيف
أن تلك الحالة وعلى قدر كبير من التشابه قد وقعت على مسمع ومرأى منا قبل أحد عشر
عامًا.. أشعل لينين ثورة أكلت اليابس والأخضر وجلبت على تلك الشعوب مظالم لا مثيل
لها. ورحم الله الشاعر العربي إذ قال:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ** وإن كنت تدري
فالمصيبة أعظم
... لذا دعونا نعود إلى الموضوع الأساسي وهو
الثورة البلشفية الإلحادية التي تسلمت راية محاربة الإسلام والمسلمين من القياصرة.
اليهود يندسون بالثورة
وهكذا ومن خلال خلق نزاع روسي/روسي تملص
الحلفاء من وعودهم للقيصر وبكل تلك البساطة أيضًا... وحتى يكون بالإمكان إلهاء
الروس الجدد عن مخططات الحلفاء في المنطقة إلى أطول وقت أوعز الحلفاء إلى زعماء
الصهيونية، بأن يندس بين قادة الثورة عدد من مفكريهم وأساطين السياسة لتسيير
الثورة بالشكل الذي يضمن تحقيق أحلام اليهود في فلسطين.. ودعونا نستعرض توقيت بعض
الأحداث العالمية وتزامنها الدقيق لكي نرى مدى ارتباطها ببعضها.. فالثورة الشيوعية
أعلنت في 17/10/1917 وبعدها بـ (15) يومًا وفي 2/11/1917 أُعلن وعد بلفور.. وكانت
أولى قوافل الهجرة اليهودية التي حلت في فلسطين قد جاءت من روسيا.. ولا بأس هنا من
أن نتعرض أيضًا ونسأل عن السبب الذي جعل اليهود يناصرون الثورة الروسية البلشفية..
وللجواب عليه فإن ما هو معروف أن القياصرة لم يكونوا يعارضون إنشاء دولة يهودية في
فلسطين، ولكنهم كانوا يرفضون أن تكون القدس عاصمة «لإسرائيل»، لأنهم يعتبرونها
عاصمة للمسيحيين وبسبب موقف القياصرة هذا كان الخلاف بين الصهيونية والروس، فكانت
الثورة فرصة ثمينة استغلها اليهود بكل طاقاتهم وجندوا لها كل إمكاناتهم وتولى
العديد من زعمائهم مناصب قيادية عالية في الثورة لا بل إن اليهودي «زينوفييف» أصبح
رئيسًا لمجلس السوفييت الأعلى، وهو الذي تولى أيضًا رئاسة مؤتمر باكو الذي دعا
لينين لحضوره كافة مسلمي العالم والذي انعقد في 1/9/1920.. وقد قام اليهود بلفت
نظر لينين وساعده الأيمن ستالين إلى وجوب استقطاب الشعوب الإسلامية في القفقاس
وآسيا الوسطى لتقف مع الثورة ريثما يتم القضاء على قوات القيصر المتواجدة في أراضي
هذه الشعوب، والتي لم تعلن ولاءها للثورة وانطلاقًا من هذه النصيحة اليهودية أخذ
لينين الجزار وساعده الأيمن السفاح ستالين يصدران البيان تلو البيان الموجهة إلى
المسلمين في المناطق الإسلامية في القفقاس، وآسيا الوسطى للقضاء على قوات القياصرة
المتواجدة في تلك المناطق، كما وجها نداءات مماثلة إلى كافة مسلمي العالم وخاصة
إلى من أسموهم بـ «مسلمي الشرق» تتضمن الدعوة للثورة على بريطانيا وفرنسا، ولكن
هذه النداءات وخاصة النداء الأول كله مغالطات وإدانات تتوضح أمام ذهن القارئ الذي
يقرأها بعواطف متجردة عن الأهواء الحزبية والتعصب الأعمى، ومع أن هذا النداء من
حوالي صفحتي فولسكاب فإنني أرى أن من حق كل مسلم على وجه هذه البسيطة أن يقرأه
وخاصة أولئك الذين لا يزالون يعتقدون أن الروس هم الذين سيعيدون لنا فلسطين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل