العنوان المجتمع تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري الحلقة (2).. الجوكر.. ووضع العصا في العجلة!
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2005
مشاهدات 63
نشر في العدد 1678
نشر في الصفحة 36
السبت 26-نوفمبر-2005
■ بن بركة.. مصلحة التجسس تلقت من باريس توجيهًا لإيقاعه «في فخ» وتخييره ما بين التعاون أو الخطر!
■ الاستقلال كان في إطار تبعية كاملة متبادلة حافظت فيها فرنسا على جميع مصالحها الاقتصادية.
■ كان يقول إن المغرب يحتاج إلى ملكية دستورية حيث يسود الملك ولا يحكم وطالب بانتخاب الحكومة.
■ دعا إلى الفصل بين السلطات وتنظيم انتخابات تشريعية ومحلية ديموقراطية فور الحصول على الاستقلال.
تلقى المكتب التابع لـ«مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس في الرباط، من باريس توجيهًا يقضي بإيقاعه «في فخ» لوضعه أمام الأمر الواقع وتخييره بين أمرين تحت الإكراه والتهديد: إما التعاون مع مكتب المصلحة بالرباط أو أن مستقبله السياسي سيتعرض للخطر. ومن أجل تنفيذ هذا المخطط قام عملاء مصلحة التوثيق الخارجي والاستخبارات العامة بالمغرب بإجراء عدة تحقيقات سرية ودقيقة للإجابة عن «150 سؤالًا لها علاقة بتحديد موقع المعني بالأمر» ولكن بما أن بن بركة لم يكن شخصًا ضعيف الإرادة، ولم تكن في حياته ثغرة يمكن التسلل منها صعب إيقاعه في الفخ.
وأفتح هنا قوسًا لأقول بأن تقرير «150 سؤالًا لها علاقة بتحديد موقع المعني بالأمر».
الشهير هو بمثابة كشف شعاعي للأشخاص. معروف ومطبق لدى مختلف أجهزة الاستخبارات في مختلف بقاع العالم.
نقطة الضعف الوحيدة التي كانت في حياة بن بركة كانت متعلقة بالجانب المالي، ولكن بن بركة كان ذكيًا ومنهجيًا، فقد كان يخطط جيدًا لمصاريفه المالية، مكتفيًا براتبه كرجل تعليم وخلال ١٩٤٠ و ١٩٥٠ كان يعيش حياة عادية ومتكتمة، بدون دعوات أو حفلات ولا سجائر أو خمور، ولم يكن يرتاد النوادي أو جلسات الخمر أو الخرجات العامة والسهرات الليلية، كما لم تكن له صحبة سيئة، وكان قليل الأصدقاء. كانت عادته أداء الصلاة خمس مرات في اليوم والذهاب إلى المسجد بشكل دائم عندما يسمح له وقته بذلك، إذ إنه كان غارقًا ليل نهار في الشؤون السياسية والتحركات داخل حزب الاستقلال.
لكن السلطات القضائية التابعة لسلطات الحماية الفرنسية في المغرب لجأت إلى وسيلة أخرى لمضايقته، ووضع العصا في العجلة لتعطيل سيره حيث قامت باعتقاله مباشرة عقب توقيع عريضة المطالبة بالاستقلال عام ١٩٤٤ لمدة سنتين، إذ وجهت
المحكمة إليه تهمة التخابر مع الألمانية المعادية «كانت الحرب العالمية الثانية قائمة وقتها». وفي عام ١٩٥١ نفاه الجنرال «جوان» - المقيم العام الفرنسي بالمغرب- إلى الجنوب المغربي، وفرض عليه الإقامة الإجبارية لعزله وإبعاده عن الرباط، وعن الحزب الذي في ذلك الوقت خلق شبكات سرية للمقاومة المسلحة بالمدن الكبرى. استمرت الإقامة الإجبارية حتى عام ١٩٥٣، وعندما حل الجنرال غيوم محل الجنرال جوان، نفاه بدوره مرة أخرى إلى جبال الأطلس حتى بدأ سبتمبر من عام ١٩٥٤ بهدف إبعاده عن شؤون الحزب والمقاومة المسلحة في المدن التي كان يقودها محمد الزرقطوني
فشل الاستخبارات
كان بن بركة شديد الاحترام للسلطة وللقانون، فقد كان حريصًا على ممارسة عمله السياسي في ظل الشرعية القانونية، وفقًا للقوانين التي تنظم النشاط السياسي والنقابي في البلاد وفي التجمعات التي كان ينظمها كانت لديه دائمًا الجرأة لقول ما يفكر فيه بصراحة عالية، من غير أن يلقي بالًا لرجال الاستخبارات الفرنسية الحاضرين الذين يسجلون ما يقال وما يحدث، مدققين في برنامج الاجتماعات، وما إن كان قد جرى احترام جدول أعمالها وكانت مواقف بن بركة تعتبر بمثابة الدليل على فشل مصلحة الاستخبارات العامة ومكتب مصلحة التوثيق الخارجي.
في نهاية كل اجتماع كان عناصر الاستخبارات يعدون تقاريرهم لرواية ما حدث وتسجيل ملاحظاتهم، لكن بعض هؤلاء لم يكن يتردد في زيادة أشياء من عنده على لسان بن بركة من أجل خلق مشكلات إضافية له مع سلطات الحماية، كان العديد من هؤلاء العناصر من جنسيات كورسيكية، ولذا لم يكونوا يقبلون بأن يكون هناك سياسي مغربي محنك ومثقف ومعتز بجنسيته المغربية، ويرفض أن يمد إليهم يده لتحيتهم كما يفعل رفاقه في الحزب. ولا تترك قراءة هذه التقارير التي كتبها العملاء الكورسيكيون، خصوصًا في مرحلة ما بين ١٩٤٠ و ١٩٥٦، أدنى شك حول وجود كراهية قوية بل أحيانًا نزعة عنصرية. موجهة ناحية بن بركة، ونظرًا لأنهم لم يكونوا قادرين على إيذائه بطريقة مطابقة للقانون كانوا يعوضون عن ذلك بتضخيم الأحداث فيتقاريرهم لتسمينها.
حزب الاستقلال
كان العديد من قادة حزب الاستقلال رجالًا أثرياء، جلهم من مدينة فاس، ويقيمون جميعًا تقريبًا في الأحياء الراقية بكل من فاس والرباط والدار البيضاء ومراكش وآسفي وأجادير. وقد اعتادوا على إقامة «ولائم» وحفلات ليلية فيما بينهم بالمناوبة، حيث يستمعون إلى طرب الملحون الذي تؤديه مغنية جميلة، لكن هذه الحفلات كانت بمثابة اجتماعات سرية لنخبة الحزب، وكان المهدي بن بركة يشارك في هذه الحفلات عادة، حيث كان يتناول الكلمة لمدة ساعتين أو ثلاث ليقول ما يفكر فيه علنًا حول الحماية الفرنسية في المغرب، والسياسة الفرنسية العامة المطبقة في المستعمرات الفرنسية الأخرى وتفقير الشعب وانتشار الأمية والتخطيط للمقاومة المسلحة لإرغام فرنسا على الانسحاب.
بين هؤلاء الأثرياء من حزب الاستقلال كان هناك مخبرون يعملون لفائدة الاستخبارات العامة ومكتب مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسيين، ومن خلالهم كان كل ما يحصل في تلك الاجتماعات «السرية» يصبح معروفًا ومقيدًا في التقارير التي يعدها هؤلاء. لذا كان كل ما يقوله بن بركة موثقًا، خاصة في الفترة ما بين ١٩٤٣ و ١٩٥٥.
وكانت هذه التقارير الضخمة مصنفة كالتالي: ملف المهدي بن بركة «رقم 1» خاص بالاستخبارات العامة في الفترة ما بين ١٩٤٠ و ١٩٥٦.
ملف المهدي بن بركة «رقم 2» خاص بمصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس
فرع المغرب في الفترة ما بين ١٩٤٨ و ١٩٥٦ إن القراءة المتأنية لهذه التقارير وتحليل ملف بن بركة الذي قام به العقيد «مارتان» وأنا شخصيًا في المكاتب التابعة لإدارة مكافحة الشغب، خلال سنوات الستينيات سمحت لنا بملاحظة أن الشرطة الفرنسية السرية لتلك الفترة كان لديها ميل إلى تضخيم الوقائع وتهويلها وتحريفها، والحقيقة الدامغة هي أن الوقائع المسجلة عن بن بركة في تقارير الاستخبارات العامة تختلف كثيرًا عن تلك المسجلة في تقارير مصلحة التوثيق الخارجية ومحاربة التجسس الأقرب إلى الصحة.
في عام ١٩٥٥ قررت الحكومة الاشتراكية الفرنسية التي كان يقودها إدغارفور الشروع في مفاوضات مع المغرب من أجل الاستقلال، عبر وفد مغربي مكون من شخصيات من مختلف التيارات السياسية، وقد أشرفت مصلحة التوثيق الخارجي -فرع المغرب بالتعاون مع الاستخبارات العامة - على وضع قائمة بأسماء أعضاء الوفد بعناية فائقة لاستبعاد الأشخاص غير المرغوب فيهم أو المشكوك في ولائهم، وشكل بن بركة أحد أعضاء هذا الوفد الذي ذهب إلى إيكس لیبان في فرنسا للتفاوض حول الاستقلال عام ١٩٥٥. كما كان هناك أشخاص آخرون سينشئون مع بن بركة عام ١٩٥٩ حزب «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» بدأت المفاوضات في ٢٠ أغسطس ١٩٥٥، أي سنتين بعد نفي السلطان محمد بن يوسف والعائلة الملكية إلى جزيرة مدغشقر، واستمرت ثلاثة أشهر تقريبًا وقادت إلى اتفاق مجحف حول الاستقلال. فالنتائج كانت كارثية على الشعب المغربي، فلا بن بركة ولا السياسيون - الذين كانوا يشاطرونه مواقفه وكانوا أقلية في الوقد المفاوض - استطاعوا تحقيق إنجاز كبير في هذا الاتفاق التاريخي مع فرنسا.
لقد كانت نتائج المفاوضات بعد ثلاثة أشهر معروفة سلفًا في خطوطها الكبرى لدى رجال فرع مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس بالرباط، ولدى الحكومة الفرنسية والإقامة العامة بالمغرب. فقد بات مؤكدًا أن المغرب سيحصل على استقلاله في علاقته بفرنسا وليس على استقلال تام كما كان يجري ترويج ذلك في وسائل الإعلام، وشعر بن بركة ورفاقه بأنهم كانوا ضحية فخ نصب لهم عبر الزج بهم في وفد المفاوضات المعروفة نتائجها سلفًا، ووجدوا أنفسهم غير قادرين على الانسحاب من الوفد والتراجع أو حتى الإدلاء بتصريحات للصحافة أو تنظيم اجتماعات لإدانة مهزلة المفاوضات، فبوصفهم أعضاء في الوفد الرسمي المفاوض كان عليهم الالتزام بالصمت إلى نهاية المفاوضات التاريخية، لقد صارعوا بقوة في محاولة لتغيير مسار الأمور. ولكنهم كانوا أقلية داخل فخ رهيب يقودهم يومًا عن يوم نحو هاوية سحيقة تدعى استقلال المغرب.
أما بالنسبة للوفد الفرنسي الذي كان يرأسه «أنطوان بيناي» وزير المالية في حكومة «إدغار فور» فإن المفاوضات المغربية - الفرنسية في إيكس ليبان قد حققت جميع أهدافها. فرجال الأعمال الفرنسيون أصبحوا مطمئنين على أن مصالحهم المالية والاقتصادية سيجري الدفاع عنها، والمصالح الكبرى الفرنسية كانت تدرك أنها لن تخسر بعد الاستقلال، فالبنوك والمالية والصناعة والفلاحة والمناجم والعقار في المغرب ستبقى حكرًا على الفرنسيين.
إن المهدي بن بركة ورفاقه وافقوا على أن يكونوا في الوفد الذي فاوض حول شروط استقلال المغرب عام ١٩٥٥ قد اقترفوا خطًا سياسيًا جسيمًا بقي محفورًا في تاريخ المغرب الحديث المستقل، أو بالأحرى التابع لفرنسا حتى يومنا هذا. وقد قام بن بركة بعد شهور من توقيع اتفاق إيكس ليبان بنقد ذاتي واعترف علنًا -في مرارة - بهذا الخطأ السياسي في الوقت نفسه احتفل حزبا الاستقلال والشورى والاستقلال - في جلبة - بالنتائج التي تم التوصل إليها في ذلك الاتفاق، بوصفها انتصارًا لهم، فيما رأى فيها بن بركة ورفاقه الذين استدرجهم معه إلى هذا الفخ من غير قصد ثمرة توافق غير متكافئ أكثر مما هي انتصار على فرنسا. كان ذلك الاتفاق في الشكل يعني الاستقلال في إطار تبعية كاملة متبادلة، لكن في العمق حافظت من خلاله الاستعمارية الفرنسية التي قدمت تنازلًا على الجبهة السياسية - على جميع مصالحها الاقتصادية.
لم يكن بن بركة ورفاقه يعلمون عام ١٩٥٥ أنهم قد سقطوا في فخ «مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس» لأن رجال الاستخبارات الفرنسية هم الذين قرروا إشراكهم في الوفد المفاوض. وقد شكلت تلك المفاوضات موضوعًا لعدة تقارير مفصلة أنجزها رجال مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس وكانت هناك نسخة من كل تقرير على حدة ضمن ملف بن بركة رقم ٢ الذي يشمل الفترة ما بين ١٩٤٨ و ١٩٥٦ موجودة في أرشيفات المصلحة المذكورة -فرع المغرب رهن إشارة إدريس حصار رئيس ديوان الكولونيل محمد الغزاوي في الإدارة العامة للأمن الوطني بين ١٩٥٦ و ١٩٦٠، وقد تم نقل هذه الأرشيفات التي استرجعها العقيد مارتان عام ١٩٦١ إلى الأرشيفات الخاصة بمصلحة «الكاب1»، ثم فيما بعد إلى الأرشيفات الخاصة بـ «إدارة الدفاع عن التراب الوطني». «المخابرات المغربية» لدى إنشائها عام ۱۹۷۳ ، وقد سنحت لنا الفرصة «العقيد «مارتان» الخبير في جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية وأنا» لقراءة تلك الوثائق مرات عدة.
كان بن بركة يهتم بكل شيء في حزب الاستقلال، فهو كان موجودًا في الكتابة العامة وفي المالية والتوثيق والاجتماعات كان رئيس الجوقة في الحزب الذي يعمل من ١٥ إلى ٢٠ ساعة يوميًا بدون توقف أو كلل. لذلك أطلق عليه أصدقاؤه في الحزب لقب «الدينامو» أو «الجوكر»، بالنظر إلى الدور المهم الذي كان ينهض به منذ فترة طويلة، وأيضًا بالنظر إلى تعدد مواهبه، وفي حزب الاستقلال كان هناك تیاران متنازعان: تيار الشباب من جيل بن بركة ذي ميول ماركسية- لينينية، وتيار المحافظين المحيطين حول علال الفاسي، وكان هذا التيار الأخير يرى في الأول مجموعة من الشباب «عديمي التجربة السياسية ومن ذوي الأفكار الشيوعية الخطيرة التي يمكن أن تهدد استقرار البلاد وأن تقودها نحو مستقبل مجهول». لكن الهوة بين التيارين ظهرت في الفترة ما بين ۱۹٤٨ - ۱۹۵۰ ووصلت أوجها عام ١٩٥٥ عندما برز الخلاف بشأن اتفاقية إيكس ليبان، وتعيين محمد الغزاوي على رأس الأمن في بداية الاستقلال والتجاوزات التي قام بها، واتسعت هذه الهوة إلى أن أدت إلى القطيعة النهائية بإنشاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أعلن عنه رسميًا يوم ٨ سبتمبر ١٩٥٩ من طرف بن بركة وأصدقائه.
الفصل بين السلطات
بدأ بن بركة خلال عامي ١٩٥٥ – ١٩٥٦ يقول بدون توقف وبشكل علني بأن المغرب يحتاج إلى ملكية دستورية حيث يسود الملك ولا يحكم أو يتدخل في الشؤون السياسية للبلاد. وكان يطالب بأن يتم انتخاب الحكومة في مغرب الاستقلال بالاقتراع العام، لكي يمكنها أن تحكم البلاد بكل حرية بعد الحصول على الضوء الأخضر من البرلمان المنتخب من طرف الشعب في الاقتراع المباشر، وأن على الحكومة أن تقدم الحساب للبرلمان وليس للملك، وأن السلطة بيد الحكومة التي ستكون هي المسؤولة عن السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، وأن السلطة التشريعية يجب أن تكون من اختصاص البرلمان المنتخب بشكل ديمقراطي، في إطار الشفافية والنزاهة من دون تزوير الانتخابات وأن السلطة القضائية يجب أن تكون بيد القضاة، وأن تكون المحاكم مستقلة، ودعا إلى الفصل بين السلطات، وإلى ابتعاد الملك عن هذه السلطات الثلاث وإلى تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية ديمقراطية فور الحصول على الاستقلال، وهذه المطالب لم تفقد أهميتها بعد مرور نصف قرن من الزمن.
لقد كان بركة صريحًا ومباشرًا في جميع تصريحاته وتحليلاته السياسية، فقد كان يريد نظامًا فريدًا من نوعه: اشتراكية تقودها المؤسسة الملكية التي لا يزال المغرب بحاجة إليها من أجل ضمان استقراره ومستقبله، وخصوصًا كضمانة في العلاقة مع البنوك الغربية ورجال الأعمال الفرنسيين الذين يسيطرون على مقاليد البلاد- لكن الملك محمد الخامس وولي العهد الحسن كانا يرفضان عام ١٩٥٦ سماع أي اقتراح بملكية على النمط الغربي كما يطالب بن بركة، فالمغرب بالنسبة لهما كان بحاجة إلى ملكية على الطراز المغربي مع كل ما يعنيه ذلك من تركيز جميع السلطات في يد الملك الذي يسود ويحكم، وكان الملك، الذي كانت شعبيته قوية بعد نيل الاستقلال في حاجة إلى دعم حزب الاستقلال من أجل التحكم في الأوضاع الداخلية، وفرض سلطته بهدوء واستتباب الأمن والنظام في بلاد لم يكن فيها بعد قوات عسكرية ولا قوات أمن ولا شرطة ولا قوات مساعدة.
في مغرب هذه المرحلة كان هناك آلاف الأشخاص المسلحين في مختلف مناطق البلاد. من جهة كانت هناك شبكات عدة للمقاومة المسلحة التي قاتلت بين ١٩٥٣ و ١٩٥٥ في المدن من أجل الاستقلال، وقد تم إحصاء أعضاء جيش التحرير المغربي، وحدد عددهم في ٥٤٠٠ فرد في مايو ١٩٥٦. كان على رأس كل شبكة على حدة قائد يتبعه عدد من المقاتلين، وكانت الفوضى منتشرة داخل هذه الشبكات، وفي «جيش التحرير الشعبي» بسبب عدم وجود قيادة موحدة، وتحول بعض هؤلاء المقاتلين الذين كانوا يقومون بدور التجسس في الماضي إلى تجارة الرقيق والمخدرات والتهريب والأعمال القذرة، وكانت أغلبية أعضاء جيش التحرير من المناطق القروية حيث الحياة صعبة في الكثير من الأحيان، لأن هدف زعماء هذه الشبكات كان الابتعاد عن المدن، حيث ينتشر جواسيس الاستخبارات العامة الفرنسية ورجال مكتب التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس.
دخل الملك محمد الخامس وحزبـا الاستقلال والشورى والاستقلال طيلة أشهر في مفاوضات مع زعماء هذه الشبكات وقيادة جيش التحرير الشعبي، من أجل جمع أسلحة مقاتليهم والانضمام إلى الجيش المغربي الذي كان يجري الإعداد لتشكيله أو إلى الأمن الوطني. وفي مايو ١٩٥٦ ظهرت «القوات المسلحة الملكية» التي أشرف عليها الملك وكان يترأسها ضباط فرنسيون وإسبان، وتضم آلاف القوات من شبكات المقاومة السابقة التي حلت نفسها، وعهدت إلى ولي العهد مولاي الحسن مسؤولية القيادة العليا لهذه القوات المسلحة وكان إلى جانبه مساعدون غير مدربين جيدًا عملوا سابقًا في صفوف الجيش الفرنسي مثل مذبوح وحبيبي والشلوائي وأبي الحمص والصفريوي وأوفقير، أو في صفوف جيش الجنرال فرانكو الإسباني مثل أمزيان والكتاني وبعض زعماء جيش التحرير الشعبي أمثال بن حمو الذي تمت ترقيته إلى رتبة عقيد في تلك الفترة.
الطبقة السياسية: في الشهر نفسه. مايو ١٩٥٦ أنشئت الإدارة العامة للأمن الوطني من قبل الملك ووضع على رأسها محمد الغزاوي الذي عين بظهير ملكي، وعين هذا الأخير مجموعة من المفتشين والضباط كان من بينهم الحداوي وحدو الشواد وإدريس حصار، وكذلك الحسين الصغير أحد قادة جيش التحرير الشعبي في منطقة الدار البيضاء -مدرس السلطان، الذي عين رئيسًا للدائرة الأمنية السابعة في «درب البلدية» بالدار البيضاء مقر الشرطة السياسية التي أنشئت هي الأخرى في نفس تلك الفترة لشن حرب سرية ضد أولئك الذين رفضوا إلقاء السلاح والسير وراء الملك وحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، وكان يشتغل مع الحسين الصغير عدد من المقاتلين السابقين في جيش التحرير الشعبي، من بينهم شخص كان يعمل مرصصًا ورقي مباشرة إلى مفتش شرطة عام ١٩٥٦ ثم مساعدًا للشرطة السياسية إلى جانب محمد الغزاوي بين ١٩٥٦ و ١٩٦٠ ، ولعب أدوارًا رئيسة في عمليات التصفية الجسدية ضد المعارضين والجرائم السياسية في تلك المرحلة.
محمد الغزاوي
لقد التمس حزب الاستقلال، الذي كان يهيمن على الحياة السياسية في بداية الاستقلال من الملك محمد الخامس تعيين محمد الغزاوي على رأس إدارة الأمن الوطني، لأن هذا المنصب كان أكثر أهمية في تلك الفترة من جميع المناصب الوزارية بل أكثر أهمية من رئاسة الوزراء.
كان الغزاوي من أعيان حزب الاستقلال المقربين من علال الفاسي، وكان شديد الكراهية للمهدي بن بركة «الدينامو» و«الجوكر» بالنسبة للحزب وللطبقة السياسية المغربية، كما أن الغزاوي كان يتمتع بقوة يستمدها من ثرواته الطائلة وتفرع مشروعاته الاقتصادية، فقد كان يعد الثري الأول في البلاد، لأن ثروته كانت تفوق ثروة العائلة الملكية.
بوصوله في مايو ١٩٥٦ إلى إدارة الأمن الوطني، حدد الغزاوي هدفه في تصفية قدماء المحاربين في المقاومة الذين رفضوا التخلي عن السلاح والتعاون مع القصر وحزب الاستقلال، من دون رحمة، وكذلك في تصفية قادة وأعضاء حزب الشورى والاستقلال الذي تم القضاء عليه نهائيًا بعد ذلك، ثم استعادة الأمن في البلاد بعد عامين أو ثلاثة من المقاومة المسلحة بين ١٩٥٣ و ١٩٥٥ ، لكن دون نسيان القضاء على المستقبل السياسي لبن بركة، وكان الغزاوي يتوافر على الضوء الأخضر من لدن الملك لتنفيذ مخططه الدموي، من أجل تقوية مكانته على رأس أسلاك الأمن والشرطة في البلاد. وقد اتبع طريقة محددة في تحقيق هذه الأهداف حيث اعتمد على قدماء المقاومين الموجودين في الدائرة السابعة بالدار البيضاء، بدءًا من الحسين الصغير نفسه، لاغتيال المئات من الأشخاص، كما اعتمد على ميليشيات حزبه الاستقلال، وبعض عناصر الدائرة السابعة للقضاء على رجال حزب الشورى والاستقلال أما مع المهدي بن بركة فقد اتبع مخططًا مختلفًا، إذ زج به في ملف اغتيال عباس المساعدي الذي كان يعد في بداية ١٩٥٦ كرجل مسلح يمثل خطرًا سواء بالنسبة للقصر أو لحزب الاستقلال. لقد تم التخطيط لاغتيال المساعدي في جبال الريف بين ١٩٥٤ و ١٩٥٥ من طرف عناصر الدائرة السابعة الذين أشرفوا هم أنفسهم على تنفيذ العملية بمشاركة اثنين من السياسيين كانا يقدمان على أنهما زعيمان في جيش التحرير الشعبي، وهذان الشخصان لا يزالان على قيد الحياة حتى اليوم رغم أنهما قد بلغا من الكبر عتيًا، لكن بن بركة الذي كان قد دخل في مفاوضات مع المساعدي من أجل الانضمام إلى حزب الاستقلال لم تكن له يد في عملية الاغتيال التي دبرها الغزاوي وقادها الحسين الصغير وحاولا إلصاق التهمة به لتدمير مساره السياسي منذ بداية العام ١٩٥٦.
تحالف سياسي
كان بن بركة طيلة السنوات الأولى للحصول على الاستقلال الرجل السياسي الأول في البلاد، ففي حزب الاستقلال الذي سيطر على الحياة السياسية بكاملها تقريبًا كان هو الزعيم الأكثر شهرة وظهورًا وكفاءة. وقد حاول تقوية الحزب من خلال التحالف مع نقابة «المكتب المغربي للشغل» الذي كان يتبعه نحو ٥٠٠ ألف من العمال في الفترة ما بين ١٩٥٦ - ١٩٥٨ ، إذ كان يرى أن هذا التحالف السياسي. النقابي الكفيل بجذب الآلاف من الأتباع الجدد للحزب هو القادر وحده على دفع القصر الملكي إلى المزاوجة بين الاشتراكية والملكية الدستورية على غرار ما هو حاصل في أوروبا، كان هذا هو الهدف الرئيس لبن بركة ومبرر بقائه طيلة أعوام ومن أجل تحقيقه كان يسافر كثيرًا داخل المغرب لوضع أصدقائه ورجاله الأوفياء وأتباعه في مواقع المسؤولية والمناصب العامة والمؤسسات العمومية وشبه العمومية، لكن كل ذلك كان يتم وفقًا للقانون الجاري به العمل. وفي المقر المركزي للحزب بالرباط سيطر بن بركة على كل ما يتعلق بالمهام الإدارية والمالية. وكان يشرف على جدولة الاجتماعات واللقاءات الدورية للحزب في الرباط وخارجها، ويتابع بنفسه جدول أعمال اللقاءات ويقوم بكتابة المحاضر والتقارير، وكانت هذه التقارير توجه عادة إلى مسؤولي حزب الاستقلال في الرباط، وتحديدًا محمد الغزاوي، ولكن هذا الأخير الذي كان يخلط بين مصالحه الشخصية وأموره المهنية المتعلقة بالأمن وبين مسؤولياته في الحزب، كان يوجه تلك التقارير إلى مكتب إدريس حصار، وقد أصبحت هذه التقارير في بداية الستينيات تصل إلى يد الجنرال «مارتان» ومصالح«الكاب1».
لقد مكننا الاطلاع على تلك التقارير الخاصة بحزب الاستقلال «الجنرال «مارتان» الموظف في جهاز المخابرات الأمريكية وأنا» خلال سنوات الستينيات من فهم كل ما كان يحصل تقريبًا داخل حزب الاستقلال قبل انشقاقه عام 1959 وإنشاء «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» في نفس السنة. وحسب هذه التقارير فإن العلاقات كانت متوترة جدًا بين المهدي بن بركة والغزاوي بسبب تداعيات قضية عباس المساعدي، والتي صارت نقطة سوداء في الحياة السياسية لبن بركة حتى أيامنا هذه.
يتبع