; الحرب على حكومة حماس بين الفوضى والأمر الواقع | مجلة المجتمع

العنوان الحرب على حكومة حماس بين الفوضى والأمر الواقع

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 29-أبريل-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1699

نشر في الصفحة 26

السبت 29-أبريل-2006

  • مساعي غربية لإنشاء منظمة مالية عليا بإدارة منظمة التحرير تتولى تحويل وتوزيع الأموال على الفلسطينيين لتستعيد المنظمة وفتح بريقهما الشعبي المفقود!

  • خطة الفوضى المقترحة من المفترض أن يشترك في تنفيذها قوى محلية وإقليمية ودولية!

لقد أطلق إشراك حماس في العملية السياسية تجربة فريدة من نوعها، وسوف يكون لنتائجها تأثير كبير على مستقبل فلسطين وإسرائيل والشرق الأوسط بشكل عام.

هذه الكلمات صدرت عن العميد الإسرائيلي، مايكل هيرزوج الباحث في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في دراسة نشرتها مجلة فورين أفيرز في عددها الصادر في مارس الماضي.

 هيرزوج ممثلًا لرؤية خاصة يخلص في دراسته إلى نتيجة مغلقة مفادها أن وقت ترويض حماس قد فات أوانه ويفند قابلية الترويض لعدم توافر الشروط اللازمة وهي توافر نظام سياسي قوي ومتوازن وحر نسبيًا، مترافقًا مع توازن قوى مقابل يجبر الإسلاميين الفلسطينيين على الالتزام بقواعد اللعبة بشروط الاعتدال وتوافر الوقت اللازم لكي يأخذ الاستيعاب مداه كما يرى شروط تفتقدها الساحة وهي الفلسطينية.

إذًا ما هي صورة المشهد المقبل وفي قلبه «الانقلاب الأخضر» بحسب تعبيرات البعض؟ 

وبسبب هدف زاوية الرؤية لهذه القراءة السياسية، سنتعرض لمركبين اثنين فقط من جملة مكونات المشهد العام لهما تماس مع هذا المتغير الجديد وهما الطرف الأمريكي و«الإسرائيلي» وموقفهما تجاه فوز حماس وحكومتها الجديدة. 

في المنظور الأمريكي والإسرائيلي تقع حماس في قلب الظاهرة الإسلامية تلك الظاهرة التي تتسيد الآن الأفقين العربي والإسلامي، وتتمظهر بأشكال مختلفة في محصلتها تشكل القوة الثقافية المهيمنة في المنطقة وهي تعيش لحظة تطورية - انتقالية بحسب الباحثة مارينا س. أوتاواي في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

ومن مظاهر تطور الظاهرة الإسلامية حراكها النوعي في الساحة السياسية وتطور خطابها السياسي بشكل ملحوظ يمكن للمراقب تلمسه بشكل واضح في ما يتعلق برؤيتها النظرية للتغيير والتعاطي مع الأنظمة السياسية القائمة.

استثمر التيار الوسطي المعتدل في الظاهرة الحراك السياسي الذي أنتجته «الفوضى البناءة» بأداتها «الدمقرطة» التي تعتمدها إدارة المحافظين الجدد في التعاطي مع المنطقة، وكان من نتائج هذا الاستثمار السياسي وصول القوى الإسلامية للجلوس تحت قباب برلمانات المنطقة، والمفاجأة الكبرى كانتقفز حماس - النسخة الفلسطينية للظاهرة - من فوق قبة البرلمان مباشرة إلى سدة الحكم وفي أكثر المناطق الجغرافية التهابًا وتماسًا مع المصالح الأمريكية. 

حماس اللاعب الفلسطيني الجديد تجمع في بنيتها اللون الوسطي المعتدل بخطابه الإصلاحي، لكنها تشرك معه برنامج المقاومة باعتبارها حركة تحرر وطني تقاوم الاحتلال وهذه المساحة الأخيرة هي التي جعلت الإدارة الأمريكية تضعها في دائرة الإرهاب وفق معايير الفرز الأمريكي المتعسف.

بعد فوز الحركة مباشرة شكلت وزارة الخارجية الأمريكية طاقمًا خاصًا مهمته إجراء دراسة تفصيلية لمسح المنظمات والمؤسسات المدنية والخيرية داخل فلسطين ومدى علاقتها بحماس تمهيدًا لإستراتيجية الحصار الاقتصادي بغية خنق وإفشال حكومة حماس الجديدة، على أن تقوم قنوات إمداد مالية بديلة لتلبية الحاجات الإنسانية على غرار فكرة وكالة تطوير فلسطين، وهي من اقتراح أفرايم سينيه ومفادها إنشاء منظمة مالية عليا بالمسمى المذكور بإدارة منظمة التحرير وبرئاسة شخصية مقبولة من قبل الغرب مثل وزير المالية السابق سلام فياض بحيث تتولى هذه المنظمة تحويل وتوزيع الأموال على الفلسطينيين في الداخل وبهذا تستعيد المنظمة وفتح بريقهما الشعبي المفقود.

وعلى الجانب الإسرائيلي: كلّف الجنرال جيورا إيلاند رئيس مجلس الأمن القومي لطرح أفكار خاصة بغية مواجهة مرحلة ما بعد فوز حماس، وتولى طاقم برئاسة وزيرة الخارجية ليفني لبلورتها في خطة متماسكة. 

ولمواجهة حكومة حماس شكلت ثلاث لجان في لجنة واحدة، الأولى برئاسة فايسجلاس رئيس مكتب الوزراء ومهمتها تنسيق حركة المال بين المالية «الإسرائيلية» والفلسطينية بخصوص إيرادات الجمارك غير المباشرة التي تجبيها «إسرائيل» على البضائع الفلسطينية المستوردة عبرها وتحول جزء منها لخزينة السلطة الفلسطينية وفق اتفاقية باريس الاقتصادية.

 ولجنة ثانية يديرها منسق شؤون الاحتلال الجنرال يوسف مشلاف ومهمتها الإشراف على حركة نقل الأموال القادمة من منظمات عالمية.

أما اللجنة الثالثة فهي برئاسة منير داجان رئيس الموساد ومهامها استخباراتية. 

وينسق بين اللجان الثلاث جادي شمني المستشار العسكري لرئيس الوزراء.

 وربما يبدي العرض الآنف جزءًا من فعاليات المواجهة الاقتصادية، ولكن هناك سيناريوهات مواجهة أكثر اتساعًا تتضمن مفردات سياسية ودبلوماسية وبمشاركة ربما تضم أطرافًا محلية وإقليمية، وهي ما يمكن اختزاله في ثلاثة سيناريوهات:

سيناريو الفوضى:

يلتقي على هذا الخيار تيار واسع في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتسانده رؤى في الإدارة الأمريكية مقتنعة بهذا المسار.

 وخطة الفوضى المقترحة من المفترض أن يشترك في تنفيذها قوى محلية وإقليمية ودولية. في الإطار المحلي تتولى فتح إدارة خطة الإفشال محليًا عبر دفع عناصرها في الوزارات والأجهزة الأمنية، لتعطيل عمل حكومة حماس إداريًا وأمنيًا ومنعها من تطبيق برنامجها الإصلاحي، وكذلك عبر تكثيف حالة الانفلات الأمني من خلال دفع بعض العناصر المسلحة لمهاجمة مؤسسات السلطة لتعطيل وإشغال حكومة حماس. 

أما الطرف «الإسرائيلي» فسيتولى ملف الحصار الاقتصادي: وهو المشترك في السيناريوهين الأول والثاني، إلا أن سيناريو الفوضى يتضمن ممارسات عسكرية «إسرائيلية» عنيفة على غرار عملية سجن أريحا، تهدف لتدمير البنى التحتية للسلطة بشكل تعجز حكومة حماس عن إعادة تأهيلها. وقد تصل في درجتها مهاجمة حتى مقر المجلس التشريعي. ومن ضمن توصيات المؤسسة العسكرية المتعلقة بهذا الخيار عزل قطاع غزة عن الضفة ومواصلة بناء الجدار العازل ومتابعة تنفيذ خطة الكل يتدفق التي تقضي بشق طرق خاصة للمستوطنين وبناء جدران إسمنتية حيالها بقصد حماية المستوطنين. مضافًا لذلك تنفيذ فك ارتباط مدني» يهدف إلى تجميع المستوطنات المعزولة وضمها للتجمعات الاستيطانية الكبرى، مع بقاء الأرض المخلاة تحت سيطرة جيش الاحتلال.

 أما الجانب الأمريكي فيتولى جبهة الحصار الدولي والتنسيق مع حكومة تل أبيب وخدمات إسنادية مختلفة من بعض الأطراف الإقليمية. 

إلا أن هذا الخيار رغم قسوته فإنه في المدى الإستراتيجي لن يفشل حماس، بل إن بعض القراءات السياسية الغربية والإسرائيلية أشارت إلى أن هذا الخيار سيؤدي على الأغلب إلى نتيجة معاكسة. 

وفي هذا الإطار انتقد أمجد عطا الله مدیر مرکز مبادرة التقديرات الإستراتيجية في واشنطن - ويعمل مستشارًا قانونيًا للرئيس أبو مازن – ما أسماه خطة الفوضى في الأراضي الفلسطينية. وأشار إلى أخطاء استراتيجية يتضمنها هذا الخيار أولها أن نماذج الحصار الاقتصادي فاشلة وقد طقت في حالات مختلفة وثبت إخفاقها في أكثر من حالة، وبالتالي فالحصار لن يسقط حماس، بل العكس سيقويها وسيلف الشعب من حولها، كما أنه أكد أن إسقاط البرلمان الحالي قسريًا دون القيام بخطوات إصلاحية في تنظيم فتح وإعادة انتخابها فلن يكون ذلك قرارًا صائبًا على الإطلاق وانتهى إلى أن حركة حماس حركة وطنية ينبغي التعاطي معها بصورة ما، وإن خطر إزاحتها سيفتح الباب على مصراعيه للقاعدة

سيناريو الانتظار: يتجه هذا الخيار الاختبار براجماتية حماس ومرونتها السياسية، مستخدمًا أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وإعطاء فترة اختبار مدة زمنية ما بين ستة أشهر وسنة.

وتشرح هذه السياسة توصيات صدرت عن مركز القدس للأبحاث تؤكد ضرورة الضغط على حكومة حماس بأدوات السياسة والاقتصاد على أن يشكل طاقم خاص يشرف على الفصل في التعامل بين الرئاسة والحكومة بالإضافة إلى القيام بما من شأنه تقوية سلطات أبو مازن منعًا لانهيار السلطة التي تتولى إدارة الشؤون المدنية الفلسطينية التي لا ترغب إسرائيل بالعودة لمباشرتها.

وتهدف هذه الإستراتيجية لتطويع الحركة سياسيًا والخضوع للاشتراطات لإسرائيلية، وهو خيار تشير كل المؤشرات إلى استحالة حدوثه. وقد عبر عن هذه الحقيقة الباحث والمستشرق «الإسرائيلي» الدكتور مائي هيرتزوج قائلًا «حماس تتغير وستتغير، ولكن ليس بالضرورة في الاتجاهات التي ترغب بها إسرائيل».

سيناريو الأمر الواقع:

وهو سيناريو سيولده الأمر الواقع الذي سيفرضه الاحتكاك ما بين حكومة حماس وإسرائيل، بحيث تبقى حماس على موقفها السياسي، وبهذا تتعلل الحكومة الإسرائيلية المقبلة بغياب الشريك بالاتكاء على موقف حماس لتقوم بخطوات أحادية وفق خطة الانطواء» التي تحدث عنها أولمرت مرارًا وتحت غطاء أمريكي. 

وفي تلك الأثناء - وبسبب الاحتكاك المباشر الذي تتطلبه شؤون إدارة السلطة بحسب كيسنجر مثل المعابر والمياه وعلاقات الأمر الواقع التي ستتبلور لتشكل إطار عمل متفق عليه دوليًا وفي إطار هدنة ربما تنتج بشكل غير مباشر حل مؤقت طويل الأمد - ومع هذه القراءة السياسية المستندة إلى رؤى إسرائيلية وأمريكية إلى حد كبير، إلا أن هناك رؤية حاسمة أخرى تؤكد أنه إما أن تنجح حماس في الاختبار السياسي وتدشن إصلاحات ملموسة في الواقع الفلسطيني في الداخل أو تسرع إسرائيل، بالتدخل لمواجهة الحركة عبر الصدام لمنع نجاحها خشية ترسخ مشروع حماس في الأرض الفلسطينية، وهي خطوة تشكل عتبة أو بوابة الانتفاضة الثالثة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

125

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال

نشر في العدد 13

140

الثلاثاء 09-يونيو-1970

مع القراء.. العدد 13

نشر في العدد 100

105

الثلاثاء 16-مايو-1972

الافتتاحية (100)