العنوان الحرية التي يتشدق بها الغرب متحيزة في تعاملها مع الإسلام
الكاتب عماد الدين أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 57
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 02-يناير-1996
ندوة المجتمع
المفكر الأمريكي تشارلز بيترورث في ندوة «المجتمع» و«UASR» عن «الإسلام السياسي» «1 من 2»
الحكم على العرب والمسلمين مـن الأحداث الجارية...خطأ منهجي فادح
الفكر الغربي تجاهل الحرية السياسية لقرون عديدة.
الإحباط و التناقضات الشديدة وراء صعود الظاهرة الإسلامية في مصر
واشنطن:
استضافت مجلة «المجتمع» في ندوتها التي نظمتها بالاشتراك مع المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث (UASR) بالعاصمة الأمريكية واشنطن – البروفيسور تشارلز بيترورث أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميرلاند في الولايات المتحدة وأحد المتخصصين البارزين في دراسات العالم العربي والإسلامي. وقد دارت الندوة التي شارك فيها عدد من الأكاديميين العرب والأمريكيين حول قضية الإسلام السياسي ونظرة الغرب إليها، جاءت هذه الندوة لتجيب في هذا الوقت الحرج عن العديد من الأسئلة التي ما زالت حائرة بين مفكري الغرب حول هوية الإسلام السياسي ومدى قربه أو بعده عما يسمى بالديمقراطية الغربية الآخذة في التحلل، وهل يمكن أن يقدم الإسلام البديل الحضاري المناسب والدافع لتقدم البشرية.. إلخ. ود.بيترورث كما ذكرنا واحد من أبرز الذين درسوا الفكر والتاريخ الإسلامي وخبروا رجاله وحوادثه.. وأقام -وهو الأمريكي الجنسية- بين أهل الإسلام في مصر وغيرها فترات غير قصيرة، وحاضر في أكثر من جامعة عربية، وله العديد من البحوث حول الفلسفة الإسلامية وأوضاع العالم العربي والإسلامي الحالية. وهو أيضًا من المفكرين الغربيين القلائل الذين ينظرون إلى الإسلام -كدين وحضارة- نظرة موضوعية، ويناقشونه في إطار متكافئ مع الحضارة الغربية التي ينتقدونها كثيرًا من ناحية قصور نظرتها ونظرها في التعامل مع الظاهرة الإسلامية. وعلى خلاف غيره من مفكري عصر ما بعد الحرب الباردة الذين ينظرون إلى الإسلام على أنه الخطر القادم الذي سيحل محل الشيوعية في العداء للغرب على خلاف هؤلاء يتخذ د.بيترورث من الآية القرآنية الكريمة «لا إكراه في الدين»، منهجًا في مقارعة حجج هؤلاء المفكرين وتأكيد سماحة الإسلام... وهدم فكرة الخطر القادم من الشرق التي يعيشها الغرب، في إطار بحثه عن عدو جديد بعد سقوط الشيوعية، يحفظ لأنظمته السياسية شرعيتها وجماهيريتها. وقد أدار الندوة د.عماد الدين أحمد، رئيس معهد منارة الحرية بواشنطن والمحاضر بكلية الدراسات المتقدمة بجامعة جون هوبكنز.وقد بدأ د.تشارلز بيترورث حديثه بطرح سؤالين على درجة كبيرة من الأهمية يوضح الأول التحيز الغربي في تعامله مع الإسلام. ويكشف الثاني عن خطأ منهجي في تناول الظاهرة العربية والإسلامية. أما السؤال الأول فقد صاغه د.بيترورث على النحو التالي: لماذا يدافع الغرب بشدة عن الحرية بصفة عامة، ثم ينتقد الإسلام انتقادًا حادًا بدعوى أنه غير متحرر. وغير علماني؟ ألا يعني إيمان الغرب بالحرية حرية الآخرين أيضًا في معتقداتهم أم أن الحرية التي ينادي بها ليلًا ونهارًا يجب أن تكون مقصورة عليه . أى على الغرب هو وحده فقط؟. أما السؤال الثاني فهو كيف نقدم صورة دقيقة وواقعية للعالم العربي والإسلامي من خلال ما يجرى فيه حاليًا فقط دون العودة إلى ما خلف الأحداث وإلى الأصول الفكرية والتاريخية لها؟ ويكتسب هذا السؤال أهميته من هذا الكم من الأحكام السابقة التجهيز التي يصدرها الغرب على الظاهرة الإسلامية من خلال استقراء سطحي للأحداث الآنية، وهو استقراء -كما يكشف سؤال د بيترورت- ناقص وغير منطقي، لأنه لا يصل إلى عمق الحقائق ويكتفي بالقشور، ومن هنا تأتي الأحكام والآراء التي يتم ترسيخها في الوعي الغربي عن خطورة الإسلام. وهي أحكام بعيدة عن الدقة لأنها باختصار بعيدة عن الأمانة العلمية. انطلاقًا من هذه الأسئلة، ركز د.بيترورث حديثه حول ثلاثة موضوعات، أطلق على الأول «الجمهورية والإسلامية».. والثاني: «الدين... والتحرر» والثالث.. «كيف نصل إلى اتفاق فكري»، ونورد في هذه الحلقة مقتطفات من حديثه حول الموضوعات الثلاثة، ثم نتبعها -في الحلقة الثانية- بعرض لأهم ما طرح من أسئلة وما تولد عنها من نقاش في الندوة. «لقد دعيت مؤخرًا للحديث عن الظاهرة الإسلامية في ندوة عقدت بفرنسا، وأرى من المفيد هنا أن نتخذ من النموذج الفرنسي، أو بالأصح من الجمهورية الفرنسية منطلقًا للحديث، لما يشمله هذا النموذج من مصطلحات ومفاهيم مهمة في سياق الحديث عن الإسلام السياسي. لقد أعلت الجمهوريات الفرنسية وشددت على ثلاث قيم رئيسة هي الحرية والمساواة. والإخاء.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا .. هو ما وضع ومكانة هذه القيم . التي تعد الأساس للفكر الديمقراطي -في الجمهورية الإسلامية.
الحرية في الإسلام
وأجيب فأقول: إن الحرية -في الجمهورية الإسلامية- ستعني التحرر من الفقر والعوز والفاقة والتحرر من الظلم والاضطهاد، وأن المساواة ستكون مساواة لجميع الناس أمام الله مع الاعتراف بالفروق الفردية والاختلافات الطبيعية بين البشر، تلك الاختلافات التي لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، لأنها تقوم على أسس طبيعية مثل اختلاف الجنس والعمر ومستوى الذكاء والقدرات العقلية والبدنية، أما قيمة الإخاء فإنني كشخص غير مسلم أشعر بالإخاء في تعاملي مع المسلمين لأن رابطة الإخاء الأولية تؤكد عليها جميع الأديان السماوية.
أريد أن أستعرض معكم مقالًا نشرته صحيفة «الوول ستريت جورنال». ومقالًا آخر للكاتب الإسرائيلي عاموس إيلان نشرته مجلة نيويورك لمراجعات الكتب، ثم أشير إلى مؤتمر حضرته مؤخرًا في تونس وعقدته الجمعية الفلسفية التونسية. أبدأ بالمقال الأول الذي نشر بـ«الوول ستريت جورنال».. وهو مقال يستحق المراجعة والنقاش، لأن هذه الصحيفة اعتادت أن تبرز الآراء المعادية للظاهرة الإسلامية، ولكنها هذه المرة تتحدث بموضوعية عن هذه الظاهرة أما المقال فهو لكاتب يدعى « بيتر والدمان، ونشر بعدد الصحيفة الصادر في ١٥ مارس من١٩٩٥م.وقد حاول الكاتب التأكيد على ثلاث نقاط مهمة الأولى، أن ما يجري في العالم العربي والإسلامي ما هو إلا حركة تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان انطلاقًا من النص القرآني «لا إكراه في الدين» والثانية أن بعض الحركات والتيارات الإسلامية تتخذ من هذه الآية القرآنية منهجًا لها وأساسًا لنشاطها، أما النقطة الثالثة فهي أن التطلع الحالي في العالم الإسلامي هو تطلع تحديثي أي نحو تحديث المجتمع ومؤسساته مع الحفاظ على الهوية الإسلامية والتمسك بها تمسكًا شديدًا، وبالتالي فإن ما يتم حاليًا في العالم العربي والإسلامي هو عملية تجديد أكثر منها عملية إصلاح، ويؤكد هذا الاستخلاص استقراء وتحليل ما تم في الربع قرن الأخير.
تناقض صارخ
أما المقال الثاني فهو لـ«عاموس إيلان» وهو محلل سياسي إسرائيلي يعيش حاليًا في نيويورك وله كتابات عديدة ومهمة حول المنطقة العربية، ويرسم إيلان في هذا المقال صورة لمدينة القاهرة بعد عودته من زيارة أخيرة لها وقد ركز «إيلان» على كشف التناقض الصارخ الذي تعيشه هذه المدينة العربية، فوصف زيارته لمبنى جريدة الأهرام، وحجم الحراسة الأمنية التي تحيط به من كل جانب.. وتحاصر زائر المبنى حتى داخل المصاعد، ثم أبرز التناقض الذي لاحظه عندما أطل من نوافذ المبنى ليرى واحدًا من أشد أحياء القاهرة فقرًا «يقصد منطقة بولاق أبو العلا» ثم أشار بعد ذلك إلى تناقض آخر تبرزه رؤية السيارات الفارهة التي تجرى في شوارع المدينة الشديدة الفوضى وعبر إيلان عن دهشته وهو يقارن بين حفلات الزواج في فنادق الخمسة نجوم المطلة على نيل القاهرة والعدد الكبير من المتسولين الذين يقفون أمام هذه الفنادق يسألون رواد هذه الحفلات من الأغنياء بعض النقود وينتظرون بقايا الطعام المتبقي من الحفل. وقد انتقل إيلان في مقاله إلى الوضع السياسي والاقتصادي في مصر، فقال إن غالبية المثقفين المصريين يشعرون بعدم قدرة الحكومة على إدارة شئون البلاد ويرونها غير جديرة بالاستمرار ويقولون -أي المثقفين المصريين- إن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن وظلت على ما هي عليه منذ عدة سنوات وأن الحديث عن الفساد الاقتصادي في أعلى المستويات الحكومية أصبح أمرًا معتادًا، وأن مسئولين داخل الحكومة يعارضون صراحة سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تتم حاليًا بإشراف وتوجيه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولم تحدث أثرًا إيجابيًا ملموسًا في مستويات المعيشة. وقد أرجع الكاتب انتشار الظاهرة الإسلامية في مصر إلى تضخم إحساس الناس بالإحباط الشديد مما يجرى في البلاد. وقال إن الحكومة كثيرًا ما تساير هذه الظاهرة وتسمح للتيار الإسلامي أو لبعض فصائله بحرية تعبير محدودة، والسبب في ذلك رغم استمرار الحملات الأمنية على الإسلاميين في صعيد مصر، وهو خوف الحكومة المتزايد من قوة إسرائيل الاقتصادية ورغبتها -أى إسرائيل- في السيطرة بالقوة على اقتصاديات المنطقة، وإنهاء الدور التاريخي لمصر في المنطقة.
أما الشيء الذي لم يشر إليه «عاموس» في مقاله، وأثار انتباهي في آخر زيارة لي لمصر. هو فكر بعض الإسلاميين من أمثال د.مصطفى محمود الذي يوجد في القاهرة مسجد ومركز طبي باسمه، وقد تحدثت معه وأكد لي أنه يود قيام حكم إسلامي، ولكن ليس في هذه الآونة ولا يعرف بالتحديد متى يكون مناسبًا قيام هذا الحكم، ولحين تحقق هذا يجب إعداد الناس لذلك بتوفير احتياجاتهم المادية، وتوفير الظروف الأخلاقية الملائمة لهذا الحكم، وبعد ذلك يمكن الحديث عن حلول سياسية.. والواقع أن هذا الرأى هو واحد من أفضل الآراء التي قرأتها في كتابة سيرته الذاتية رحلتي من الشك إلى الإيمان
مؤتمر جمعية الفلسفة التونسية
أنتقل الآن للحديث عن تونس والمؤتمر الذي نظمته جمعية الفلسفة التونسية وحضره على غير العادة ليس أساتذة الجامعات فقط، بل وبعض مدرسي المدارس الثانوية، بالإضافة إلى بعض الناس من المهتمين بالفلسفة بحكم دراستهم لها في المدارس الثانوية أو في الجامعات. كان عنوان المؤتمر هو «ابن عروس والمعرفة اليوم»، ولم يكن واضحًا المقصود من هذا العنوان، وقد كان رئيس الجلسة التي ألقيت فيها بحثي سيدة تعمل أستاذة للفلسفة ومتخصصة في فلسفة «سبينوزا»؟! وقد بدا على وجهها عدم الرضى بعد أن أنهيت محاضرتي والتي كانت بعنوان «ابن عروس: قائدًا للتنوير»، وتم تغييره من قبل إدارة المؤتمر وظهر في برنامج المؤتمر على النحو التالي «ابن عروس والتنوير».وكان موعد إلقاء محاضرتي في اليوم الأخير للمؤتمر، وكما قال لي بعض الحاضرين إنهم كانوا- أي منظمو المؤتمر- يريدون منى أن أقول إن ابن عروس كان صوت العقلانية في العالم العربي، وإن كل ما علينا هو أن نهتدى به، ولكني لم أقل ذلك لسبب بسيط وهو أنه غير صحيح، وكما قلت، عبرت رئيسة الجلسة عن استيائها من حديثي وقالت: إننى لم ألاحظ القرب الكبير بين ابن عروس و«سبينوزا» المتخصصة في دراسته!. وقد جعلتني هذه الواقعة أتساءل عن الطريق الضيق الذي يسير فيه نظام التعليم في تونس بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى، خاصة مصر التي قضيت فيها معظم وقتى في المنطقة أو مع الدول الغربية.أنتقل من المؤتمر إلى تونس نفسها، والواقع أن تونس تعد من الدول الفقيرة ولديها مشكلات عديدة، ولكن هناك إحساسًا عامًا بالتحسن الاقتصادي أكبر بكثير مما رأيته في دول عربية أخرى، وهناك محاولة جادة من قبل الشعب نفسه لاستمرار الإصلاح الاقتصادي.- أما الشيء الذي صدمني أو بالأحرى أدهشني هو الانفتاح الكبير على الغرب، على جميع المستويات سواء بين الأكاديميين الذين التقيت بهم أو أساتذة الجامعات أو عامة الناس، ولكن هذا الانفتاح- كما أكد لي الأساتذة الجامعيين الذين التقيت بهم- لا یعنی فقدان الهوية العربية والإسلامية ولو للحظة واحدة، صحيح أن الهوية الإسلامية لا يعبر عنها في تونس بحرية وبشكل واسع- كما هو الحال في مصر مثلًا- ولكنها موجودة وتظل إحساسًا كامنًا في أعماق الشعور العام، والاستثناء الوحيد لذلك ما سمعته من رجل يكبرني بعدة سنوات عبر بصراحة عن حقيقة شعوره في أنه كان يتمنى لو بقي الفرنسيون في تونس ولم يجلوا عنها أبدًا.
تحيز الغرب ضد الإسلام
النقطة الأخيرة التي أود الحديث عنها، وتعد من الإيجابيات في هذا المضمار، هي صدور ترجمة إنجليزية لكتاب مهم من اللغة الفرنسية للكاتب أوليفيا روى «سقوط الإسلام السياسي» وأعتقد أنه من المهم أن نراجع ما ورد من أفكار في هذا الكتاب، ورد جراهام فوللر على هذه الأفكار في ندوة سابقة في نفس المكان «ندوة مجلة» «المجتمع» والمؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث»، وقد كان «روي» مخطئًا فيما اعتبره سقوطًا، وكانت مشكلته أنه قال: «حسنًا ليس هناك شيء جديد»، وهذه في الواقع ليست القضية، فالحكم على الإسلام السياسي ودراسته يستلزم نظرة متعمقة وليس كما فعل «روي».أنتقل الآن للحديث لفترة قصيرة عن الدين والحرية، ففي الكتاب الذي أصدرته مع ويليام زرتمان بعنوان: «الإسلام السياسي»، حاولت أن أتعرض لنقطة مهمة أثارت دهشتي وضيقي لفترة طويلة، وهي لماذا نقول- نحن الغربيين- إن الحرية أمر مهم للغاية، ثم نريد أن نحاكم كل الظواهر السياسية على أساس هذه الحرية؟ وقد دللت على ذلك التفكير المتناقض بكاتبين هما: «ليونارد بندره» في كتابه الجديد عن التنمية، وفوكي ياما وكتابه حول نهاية التاريخ. وهنا يبدو لي أننا إذا نظرنا بدقة فيما يجرى في ميدان السياسة، سنجد أن الحرية ليست هي الهدف النهائي، وإنما هو العمل الجاد والصالح، فما نبغيه من العمل السياسي هو أننا نحاول قيادة أمة.. ونريد أن نخلق مواطنين صالحين أخلاقيًا وعمليًا، وسأوضح ذلك من خلال التعرض لبعض السلطات، فعلى سبيل المثال، فإن «روسو» حاول بعناية فائقة بحث إشكالية اعتماد البشر على حكومة، لكي يرى كيف يمكن أن يحققوا حريتهم بدون أن يفقدوا حكم أنفسهم وبدون أن يفقدوا دينهم. ففي الفصل الثامن من الكتاب الأول المسمى «حول الدولة المدنية» يقول «روسو»: «إن الانسياق وراء الرغبة «الشهوة» وحدها يعد عبودية، وإن «الالتزام» بالقانون الذي وضعه الإنسان بنفسه هو التحرر أو الحرية» بمعنى أنه إذا التزمت بقانون وضع لك فإنك تعتبر هذا القانون هو قانونك الخاص باقتناعك أنك تجنى من ورائه مكسبًا. وفي الفصل الثاني من الكتاب الرابع «العقد الاجتماعي»، وعنوانه- أي الفصل- «حق التصويت»، يقول «روسو»: «في جنوه... تستطيع أن ترى مدلول كلمة الحرية حتى أمام السجون وعندما تنظر إلى السلاسل المقيد بها السجين»، ففي دولة يتم فيها سجن كل الأشرار والخطرين، يستطيع الإنسان أن يتمتع بحرية تامة، وهذا بالضبط ما نريده عندما نضع قانونًا جنائيًا ونحاول تطبيقه. ولزيادة إيضاح الصورة أشير إلى موروث آخر حول هذا الموضوع، وهو الحوار الشهير لأفلاطون المسمى «القوانين». وما يمكن استخلاصه من هذا الحوار هو أن العمل الصالح هو الحرب الشجاعة، وغير النهائية ضد الشيطان، والواقع أن أعظم الأعمال الصالحة التي حاول الإثنيون القيام بها هو ما يسمى بـ«العدالة التامة»، التي يحددها «أفلاطون» بأنها التكتل في وجه الشياطين والأشرار، والتي قدمت لأول مرة مفهوم الحرية.بمعنى آخر إن الصلاح، وخاصة الصلاح الأخلاقي، هو الجهاد الحقيقي للحصول على الحرية، فعندما تتحالف مع مواطنيك، فإنك تجاهد ضد الظلم الأجنبي، وعندما تتحالف مع بعض المواطنين فإنك تجاهد ضد ظلم مواطنين آخرين الذين يريدون أن يصعدوا فوقك، وداخل نفسك فإنك تجاهد ضد الشهوات التي قد تقودك إلى أن تكون هدفًا سهلًا للاستعباد من جانب أشخاص آخرين، وفي رأيي أن أكبر «الجهاد» هو جهاد النفس، لكي لا تكون عبدًا للشهوات أو عبدًا لآدمي آخر، وهذا يتصل اتصالًا وثيقًا بالجهاد الديني. وإذا فكرنا للحظة في أنفسنا كآدميين، فإننا سنكتشف أن حبنا للحرية هو في حقيقته حب حديث تاريخيًا، وهذا ما نكتشفه عندما ننظر في أعمال وأقوال، ليس فقط المفكرين الغربيين، ولكن أيضا المفكرين المسلمين فأفلاطون وأرسطو- على سبيل المثال- لم يقدرا الحرية، خاصة الحرية السياسية... تقديرًا كبيرًا، ونفس الأمر بالنسبة للقديس أوغسطين «فيلسوف كاثوليكي (٣٥٤ - ٤٣٠م) حاول التوفيق بين الفكر الأفلاطوني والعقيدة النصرانية» والذي حاول أن يكسر سلطة الكنيسة على السياسة، ولكن ليس سعيًا للحرية السياسية، وأعتقد أن المرة الأولى التي أصبحت فيها الحرية السياسية قضية حقيقية يعالجها المفكرون والفلاسفة الغربيون، كانت على يد ميكيافيللي والذين أتوا بعده مثل هويز وسبينوزا ولوك... إلخ، وعندئذ لم نعد نطرح على أنفسنا التساؤل حول كيف نعيش في ظل حكم سياسي ونريد أن نعيش بحرية؟ وهذا هو الحظر الذي نحياه والذي عبر عنه «نيتشه» ومن بعده «هيدجر».وإذا نظرنا في الفكر الإسلامي، وبالتحديد في أعمال الفارابي وابن عروس فإن ما آثار دهشتي هو تجاهلهم لفكرة الحرية كهدف للسياسة. تتلخص المشكلة- الآن- في أنه إذا كان عليك أن تختار طريقة حياتك أو كيف تعيش... فإن عليك دائمًا أن تكون في وضع يوجد فيه شخص حكيم أو مجموعة حكيمة يقدمون لك ما تحتاجه، فماذا سيكون عليه الحال لو قدم هؤلاء الحكماء مصلحتهم الشخصية الخاصة على مصالحك، فبسبب أننا نشك في وجود هؤلاء الحكماء أو أنهم سيقدمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فإننا ننزع إلى أن نحكم... ويدل استقراء التاريخ الإنساني أن الحكماء أو الذين اعتقد الناس أنهم حكماء لم يكونوا كذلك، فقد كانوا أكثر اهتمامًا بمصالحهم الخاصة وقدموها على المصالح العامة.
تصور خيالي لشخصية المشرع
أعود مرة أخرى إلى «روسو» «جان جاك روسو ۱۷۱۲ -۱۷۷۸، كاتب فرنسي كان لآرائه السياسية أثر كبير في تطور الديمقراطية الحديثة»، لألقي بعض الضوء على «العقد الاجتماعي»، ففي الفصل السابع من الكتاب الثاني نجده يتحدث عن المشرع ويقول: «لكي تكتشف أفضل القواعد للمجتمع التي هي أساس قيام الأمم يحتاج الأمر إلى ذكاء خارق يرى كل رغبات الإنسان دون أن يمارسها، أي الذي ليس له أية صلة بطبيعتنا ويعرفها فيما بعد بصفة أساسية يحتاج الأمر إلى أشخاص تكون سعادتهم مستقلة عن سعادتنا، ويفنون أعمارهم من أجلنا، وأخيرًا نحتاج إلى شخص يرضى لنفسه بمجد تاريخي، أي يعمل في قرن ليتمتع بالمجد في قرن آخر»، وباختصار فإن روسو يريد أن يقول -كما أعتقد- إننا نحتاج إلى آلهة تضع التشريعات للبشر أو لحكم البشر، وقد أضاف «روسو» إيضاحًا لذلك بقوله: «إن الشخص لا يصبح معروفًا أو مشهورًا إلا بعد أن يموت وتموت أعماله، فنحن لم نعرف لقرون عديدة الأشخاص والمؤسسات التي جعلت أهل أسبرطة سعداء.. ويقتضى الأمر هنا أن أورد اقتباسًا آخر، ففي حديثه عن تنوع واختلاف أنظمة التشريع والحكم، يقول أفلاطون: «إن أفضل ما يمكن أن يميز أي نظام هو تحقيق مبدأين هما: «الحرية.. والمساواة» الحرية، لأن كل شخص هو قوة مخصومة من الدولة، أما المساواة فلأن الحرية لا يمكن أن تقوم وتتحقق إلا بها».«إن المشكلة التي ورثناها هي كيف نحافظ على الحرية والمساواة، جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على الشرف والكرامة، وأعتقد أن هذه مسألة أخلاقية، فعلى سبيل المثال، ينظر في الولايات المتحدة إلى أن التعليم الليبرالي هو أفضل نظام للتعليم، فنحن نرسل أولادنا إلى المدارس والجامعات لكي تعلمهم كيف يمارسون الحرية بمسئولية، وبذلك نصل إلى نموذج المواطن الروماني القوي والدقيق والمسئول، ولكن البعض يرى أن هذا الهدف خيالي، حيث إن ما ينتجه هذا النظام هو المواطن البرجوازي الذي يهتم بجمع المال فقط».
الإسلام والديمقراطية
أصل إلى النقطة الأخيرة، وهي: أين يلتقي كل من الإسلام والديمقراطية؟ إذا استعرت هنا تعبير أو مقولة شارل بيجي وهو مفكر بارز من مفكري بدايات القرن العشرين، أقول «إن الثورة يفترض أن تكون أخلاقية، وإلا فلا ثورة على الإطلاق»، وأعتقد أننا نتفق على هذا المبدأ.من هنا أرى أن جميع المهتمين بموضوع الإسلام السياسي يجب أن يفكروا جديا في القوة المناسبة لحكم الذات «النفس».. أي ما القوة التي تحتاجها لحكم نفسك؟ وهنا أستدعي من الذاكرة بعض نصوص وثيقة الفيدرالية الأمريكية رقم (٥١) التي تحوي كلامًا مهمًا حول قضية الجنس البشري ومشكلاته السياسية. تقول الوثيقة على سبيل المثال، «إن الطموح يجب أن يقابله طموح مواز له وإن مصالح البشر يجب أن تتصل اتصالًا وثيقًا بالحقوق الدستورية للمكان الذي يعيشون فيه. وإن أدوات الحكم هي أدوات ضرورية للسيطرة على الحكومة باعتبارها -أى الحكومة- تمثل أكبر مؤثر ينعكس على الطبيعة البشرية، وإنه لو كان الناس ملائكة فلا حاجة للحكومة بمعنى أنه إذا كان الملائكة يحكمون البشر فلا حاجة -إذًا- لحكومة بشرية. إن الصعوبة الكبرى في تشكيل حكومة تدير شئون البشر تكمن في تحقيق مبدأ رقابة الحكومة على نفسها ورقابة الشعب عليها والاعتماد على الشعب في اختيار حكومته هو أداة الرقابة الأولية على الحكومة، ومع ذلك فإن التجارب علمت البشرية ضرورة اتخاذ احتياطات إضافية لضمان فاعلية هذه الرقابة ونلحظ هذه الاحتياطات في طريقة توزيع وتقسيم السلطة إلى عدة أفرع بما يمكن كل فرع (إدارة) من الرقابة على الإدارة الأخرى ولكن عندما يفكر البشر في وضع إطار دستوري يوزع السلطات ويحدد صلاحيات كل سلطة، فإنهم يواجهون بمشكلة أخرى نعيشها اليوم، وهي تفاوت معايير وطرق تطبيقها، وهذه قضية يجب أن تكون محلًا للبحث والنقاش إذا نظرنا للدول الإسلامية -أي التي يدين غالبية سكانها بالإسلام- سنجد أن هناك دولًا منها تعتبر نفسها دولًا ملكية. وهي المغرب والأردن والإمارات وعمان وبورندي وهناك دول أخرى ملكية وإن كانت لا ترى نفسها كذلك وهى الكويت والبحرين وقطر، أما بقية الدول الأخرى فإنها جمهوريات، فيما عدا دولة واحدة تعتبر نفسها فيدرالية وهي ماليزيا، وهناك جمهوريات يمكن القول إنها الأكثر دراية وخبرة بالنظام الجمهوري ومتطلباته الديمقراطية. وهذه الدول هي جمهورية الجزائر الجمهورية التونسية وجمهورية مصر العربية وجمهورية اليمن، وجمهورية لبنان والجمهورية التركية، وجمهورية أندونيسيا، أما اسم ليبيا الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى فإنه لا يعبر عن النظام الديكتاتوري الذي تتبعه تمامًا مثلما من الصعب فهم معنى كلمة الجمهورية الملحقة بأسماء السودان وسوريا والعراق. إن علينا البحث عن العوامل التي تؤدي في النهاية إلى سيادة حكم الفرد في الدول الإسلامية، أو حكم الحزب الواحد الذي لا يفي للشعوب بحقوقها الإنسانية، ومن جانبي فإنني أرى أن من أهم هذه العوامل هو الخبرة الاستعمارية التي عرفتها هذه الدولة.