; الحضارة الإسلامية.. اتجاهها ومهمتها (۳).. تعاريف حضارية | مجلة المجتمع

العنوان الحضارة الإسلامية.. اتجاهها ومهمتها (۳).. تعاريف حضارية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 54

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 44

السبت 10-ديسمبر-2011

  • الحضارة تشمل الإنسان وأحواله ومستواه والعلاقات الإنسانية وأخلاقياتها والموازين والقيم ومراعاة الحقوق وتحديد الواجبات
  • الخير الذي تنعم به الإنسانية اليوم في الحضارة الحديثة ليس إلا غصنا من حضارة الإسلام الإنسانية
  • اللون الحضاري الكريم والمستوى الرائد الرفيع لم يتحقق للإنسان إلا في ظل الحضارة الإسلامية
  • من فضل الله على الإنسانية أن تحولت الحضارة الإسلامية إلى واقع مرئي باهر الأشواق

تنوعت الحضارات خلال التاريخ وتباينت أسسها ، مثلما تباينت - بأي مقدار واعتبار - اهتماماتها ومنابعها وآثارها.. اختلفت تبعا لذلك تصوراتها ومواقفها وطاقاتها وأبعادها، تعددت تعاريفها وأفهامها.

كانت تلك الحضارات، في الأغلب الأعم، المتحكمة في كل ذلك. بدلًا من تصويب وتسديد تلك الانحرافات سحبت - إلى أي حد - لتشوه مفهوم الحضارة الإسلامية وتحجم علوها وشموخها المتأنق وتدمي شجرتها النضرة وتغبش صورتها الباهرة النادرة.

ليس المقصود هنا حصر التعاريف أو ترجيح بعضها، فذلك يُترك - إلى حين مرجو الاطلاع على طبيعة الحضارة وتصوراتها، حيث يصح أن يضع كل أحد تعريفا، ليس المطلوب توفير قوالب تقدم أو صيغا تحفظ، المهم فهم التصورات والنماذج الحضارية بارتباطاتها والأسس التي قامت عليها وآفاقها وأهدافها وكرامة لنفسه وسائلها.

فَهم معنى الحضارة

يمكن القول - بتصنيف أنواع هذه الاهتمامات والتعرف عليها - بأن هناك أسلوبين أو فهمين تنتظم الحضارات أو الكثير منها، وإن دخلت في إطار كل منهما توابع ومشتقات، هذان الفهمان هما:

أولًا: الحضارة تعني كل ما أنتجه الإنسان من إنجازات علمية أو وسائل مادية لحياته تحقق أهدافه وتستجيب لرغباته بتلك الانطلاقات، يشمل هذا كل نتاج ومخلفات أيًا كان نوعه ومقداره وأسلوبه ومستواه كما تعني المتقدم منها والمفيد حَسَبَ الغاية المطلوبة والأسس الضاربة.

ثانيا: لابد أن تكون الحضارة أوسع آفاقًا وأبعد جذورًا، تشمل الإنسان وأحواله ومستواه والعلاقات الإنسانية وأخلاقياتها والموازين والقيم ومراعاة الحقوق وتحديد الواجبات.

يجري الإنسان نحوها باهتمام كبير مشهود بدون شهود، حتى ليغدو الحرص على تحقيق ذلك هدفا أساسيا وميزانا إنسانيا. لا تهمل وسيلة فاضلة لتحقيق هذه المعاني المترقية، تتطلق الحضارة بالإنسان وينطلق بها في طريق محدد معلوم، تسعى - ضمن هذا الإطار - بكل تقدم وإنجاز وقور، يشمل جوانب الحياة، تظهر عليها آثار تلك النشأة للنفس الإنسانية وتمتد إليه حياته الأبية الجادة الملتزمة.

هذا الفهم الثاني، لا يمكن أن يرتقي مرتقاه الكريم المبارك، إلا في ظل منهج رباني شامل وفعال متجدد، توفر الإنسان المسؤول أمام رب العالمين، أمر عملي - رغم مثاليته الواقعية - مرتبط بالله تعالى منزلا ومقصدًا، حرا برا وأجرًا.

هذا ما يثبت من خلال النظر إلى كل الحضارات القديمة والحديثة، في ظل الاطلاع الواعي على حضارة الإنسان المبدعة المستوعبة، بحيث تتصاغر أمامها كل الحضارات الأخرى، مع أن هذا اللون الحضاري الكريم والمستوى الرائد الرفيع لم يتحقق للإنسان إلا في ظل هذه الحضارة الإسلامية، توقف في هذا العصر عطاؤها لفقدان وغياب المجتمع الذي يبني حياته عليها بكل أحواله.

نموذج باهر

الحضارة الإسلامية سَعَدَتْ بها شُعوبٌ وارتوت من فيضها أمم، سارت بقوافلها الحداة وحَمَتْ رَتابتها الدعاة، عرفت خلال العصور أنوارها ورَسَتْ في ضمير الزمن والإنسانية نموذجا سابقا سابقا ومثالا باهرا فريدًا، حتى الآن لم تتقدم البشرية بإنسانيتها ما دامت بعيدة عن قيمها.

كيف وهي لم تقبل عليها وقد رأت تمتعها بثمارها التي قطفتها خطفتها دون منبتها فضيعت وأضاعت وضيعت لعدم اقتفائها منبعها، تجنبا لاقتنائها مضامينها، أورث تعثرًا وضعفًا وتخلفًا متكاثر الوجوه. من الملوم يا ترى؟ المسلمون أوسع إهابا في احتواء اللوم في ذلك، لكن أشد اللوم اليوم يقع عليهم من نواح عدة وُجِدَتْ لديهم، حيث إن فاقد الشيء لا يعطيه». إنهم أنفسهم افتقدوا المجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية التي تري العالم نوعية الحياة الكريمة النشأة والبناء والإنجاز، تبهره اندهاشًا بالغًا بحضارته الثرية المعطاءة ذات النسمات العطرة والطعوم الطيبة النجيبة المباركة، التي يعيش الإنسان في أرضها سعادة حقيقية مرغوبة، طريقا يسعى به إلى السعادة في الآخرة، حيث «الدنيا مزرعة الآخرة».

تلاحم وتناغم

لكن الأمل جد كبير بالله تعالى أن يعودوا لمثلها: والعود أحمد، لإقامة المجتمع الإسلامي الإنساني المتحضر المتلاحم المتناغم المتراحم يحيا فيه معهم الآخرون بكل مكوناته المتعدد الانتماءات مجتمعًا مدنيا متألفا متحضرًا إنسانيًا كريمًا.. ذلك مُعَبِّرُ ومُؤشِّرٌ قوي متين البناء، واحد من أدلة سعة الإسلام ورحابة آفاقه وسماحة تشريعه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).

تطبيق عملي

بذلك يواكب حسن تعامل أهله مع ذواتهم ومن معهم - حتى من جاورهم - بشكل واقعي تطبيقي، بما لا يقترب منه ما عداه بأي مقدار، مما يدعونه تشويقا وتسويقا وتنميقًا، ليس المراد تكرار المقولة: «الإسلام غير المسلمين، الأمل أن تزول إن شاء الله تعالى ولكن ذلك بشرطها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١). تلك سنن وضعها الله تعالى لا بد من الأخذ بها ولا محاباة في ذلك.

يقال. لكل مسلم ومسلمة كذلك طبعًا: الإسلام كله جد، إيمانًا وتناولا وتطبيقًا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285): ليفهم ذلك كل أحد ويفقه جيدا: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، سير المسلم مسؤول فيه بثبات وجدية وتعلق.

حقيقة ناصعة

جرى للأسف سوء فهم المنهج الكريم مع وضوح حقيقته التي يقتضي الإيمان بمضامينه المسارعة للاجتهاد في تثبيت أعلامها ونصرتها وافتدائها بكل نفيس هو لها رخيص، حقيقة ناصعة أنزلها الله سبحانه وتعالى، أقبل عليها المؤمنون.

من فضل الله على الإنسانية أن تحولت - الحضارة الإسلامية الفريدة، بكل سلوكياتها وآفاقها استمدادا من منهجيتها بكل محتوياتها البارة - إلى واقع مرئي باهر الأشواق، كانت تجربة ثابتة خيرة شاعت ثمارها في أهلها ومجتمعها ومن عايشهم تعدتهم لمجتمعات أخرى، الإنسانية اليوم مدينة لها بما تتمتع به من منافع الحضارة أو المدنية المادية.

الخير الذي تتمتع به الإنسانية ماديًا اليوم في الحضارة الحديثة، ليس إلا غصنا من هذه الحضارة الباسقة حضارة الإسلام الإنسانية لولاها ما كانت باعتراف العديد من الدارسين الغربيين الذين دانوا طريقة التعامل بغير عدل وموضوعية مع الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، حتى لو كان مع كل منها على انفراد.

الرابط المختصر :