; الحضارة الإسلامية دراسة وفهمًا ٣ خصائص الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الحضارة الإسلامية دراسة وفهمًا ٣ خصائص الحضارة الإسلامية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979

مشاهدات 65

نشر في العدد 432

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 13-فبراير-1979

بعد الاطلاع على ما سبق من حديث عن الحضارة الإسلامية وبيان مقوماتها، من الممكن أن يفهم بسهولة ووضوح وبداهة أنه لا بد من خصائص لهذه الحضارة الإسلامية، تميزها وتفردها وتجعلها عالية كريمة مبراة من العيوب، التي تسف فيها غيرها وتتأذى بها ما عداها، فتعلو بهذه الحضارة الإسلامية المميزة إلى - مستوى لا يدرك ولا يلحق، بل وتجعلها بابًا وحيدًا لولوج حياة كريمة وإنسانية رفيعة وحضارة قيمة.

وهذا التوجه ناتج بقوة عن دراسة لها وإطلاع عليها واستقراء لحقائقها الناصعة البهية الذكية، وهو الأسلوب العلمي الذي نتبعه والمنهجية التي ندعو إليها، بعيدًا عن الرجم والتنطع والتفيهق والتشدق والظلم الموضوعي والاضطهاد العلمي والتمييز العنصري أو رببيبه ووسيعة الفكري أو الانتمائي، وهو ما يفجؤنا ويفجعنا في أساليب المنتميات التي نرى تلميحاتها وتلويحاتها وتوضيحاتها، طريقًا لديها ومنهجية استولدتها وتبنتها، نتيجة لبنائها وتمشيًا مع طبيعتها واستجابة لمفاهيمها التي أرتوت من آسن المستنقعات، استزرعت الوبائيات والمباءات، ثمرة منتظرة لإفلاسها من الصواب وفشلها الإنساني الذريع في الحياة وفي فهم الإنسان واعتلال الميزان عمدًا أو زهدًا، عجزًا أو عقمًا جهلًا أو بعدًا - إن لم يكن استعدادًا واستخلادًا ومرادًا.

وهل لمثل هذه إلا الإفتئات ونهش كل كيان نظيف والتئام عفيف وبناء قوي شريف؟ وهل أشرف ممن أقامته دعوة الله وأحدثته وأنبتته دعوته؟ فالإسلام أقام - مما أقام بعمق وأصالة وجدية ومتانة - هذه الحضارة الفذة ذات المقومات المذكورة والخصائص المسطورة.

ولهذه الحضارة خصائص كثيرة يستطيع دارسها المتفقة تولي تجميعها وتعدادها أو غير قليل منها، وقد لا يدرك بسهولة جمهرتها أو حصرها إلا بعد عيش طويل في جنباتها والتمتع بوارف ظلالها، ومع فقه رفيع لأوضاعها وامتزاج بأجوائها وتذوق طعومها. وكلما كانت قاعدة الفهم للإسلام أوسع والاطلاع على جوانبه أجمع كان الإدراك لها أبدع كما كان التصور لحقائقها ولطبيعتها أنصع والتناول لقضايا الحياة ومتطلبات الإنسان وامتلاك ناصية الأمور وحلولها أروع، فهي تقيم الإنسان على خير محجة ولا محجة غيرها وتبنيه بناء متكاملًا متناسقًا من كل جانب داخلًا وخارجًا ثم تبني حياته بشرعيتها فيتولى نفسه وحياته على طول امتدادها من الدنيا إلى الآخرة يوم يلقي الله، فهو على اتصال دائم بالله تعالى وبما أراد له أن يكون وكيف يكون وحيثما يكون في هذا الوجود، فكان الإنسان المسلم كما كانت حضارته نوعًا فريدًا في كل الجوانب، امتلأت النفس بها كما امتلأت الحياة وانتعشت وسعدت واستعدت وحققت خلافة الإنسان في هذه الأرض وارتبطت بالله رب العالمين، ولا يسعف الدرس السريع والاطلاع القاصر والأفق الضيق والمتابع السطحي والباحث المنقطع عن هاتيك الأصول، لاجتناء ثمره ناضجة ذات طعم مريء.

ولقد أمكن والحمد لله سلوك الأصالة بعد تولي الفكر والنفس شطر دين الله وشريعته واستكناه المجتمع المسلم وطبيعته، والعيش مع المراجع الأولية في التعرف على صيغ الحياة وأساليبها وتوجهاتها وارتباطها وروابطها وولائها ولون قيمها وآفاقها ومكامن قوتها المسترشدة بالإسلام المستبصرة بهديه والأخذة به وحده والمتعبدة لرب العالمين، في كل أحوالها وجوانب حياتها وكافة أمورها وشؤونها فيما مثل واستجد، كانت تجد فيه برد ظلاله وندى أروقته وطيب نسماته وشيوع الاطمئنان، جرى ذلك بالمتابعة المستقرئة والنظر المتروي والحس الإسلامي المتصل بالأصل - بفضل الله، ونسأله الدوام والتمكين المستمر - والمستمد من الإيمان القوي بالله - بعونه تعالى ومنته - ورسالاته وأنبيائه يتفيأ ذلك بكل مقومات وجوده، وهو بهذا الاتجاه سائر على الدوام ولكل بعد إن شاء الله تعالى، وهذا ضروري، فقهًا كما هو ضروري منهجًا وإنتاجًا، بعد ما هو لازم - عقيدة وعبودية – لاجتناء حصائل العديد من هذه الخصائص التي تميز الحضارة الإسلامية وتطبعها بقوة واضحة للمبصرين وسارة للناظرين من أهل الحقيقة واليقين أذكرها ثم أكتفي بالحديث عن بعضها، وهذه الخصائص هي

١ – الألفة والمحبة            

٢ - القوة حتى في موطن الضعف

٣ - التوافق والانسجام

٤ – الاستقلال والتفرد

٥ - الوحدة والتوحد

٦ – الامتياز والتمايز

٧ - الإتيان والتوازن

٨ – إحقاق الحق وإزهاق الباطل

٩ - الإعلاء والاستيلاء

١٠ البذل والعطاء

١١ - التضحية والفداء

١٢ - التقدم وحسن البلاء

١٣ - الذاتية والأصالة 

١٤ الثبات والديمومة

١٥- التصرف والمرونة 

١٦ - الشمول والتكامل

١٧- الدقة والنظام

١٨- الواقعية

١٩- الصدق والعمق

٢٠ - التواضع واليسر

٢١ – الأمانة والتحري

۲۲ - الفطنة والنباهة 

٢٣- الإنصاف والعدالة

٢٤- التقوى والورع

٢٥- الالتزام والوفاء

٢٦ المنهجية والموضوعية 

۲۷- المروءة والعفاف

۲۸ ـ الرفق والأناة

٢٩ - التفتح والانتفاع. 

٣٠ - الوضوح والصراحة

٣١- الترابط والجماعة

٣٢- الغيرة والشجاعة

٣٣- الإخوة والرعاية

٣٤ - الخير والهداية

٣٥- المجاهدة والجهاد 

٣٦- المبادرة والابتكار 

٣٧ – الإنسانية 

٣٨ - العناية والمسئولية 

٣٩ - العالمية

٤٠- الربانية 

فلا يتم تناول الحضارة الإسلامية وخصائصها في إطار تعداد ودراسة إنتاج فكري بذاته، وإنما باعتبار كافة هذا لإنتاج أحد القضايا الحضارية التي يتم الحديث عنها بشكل عام ببيان مواصفاتها وظروفها ومستواها وطبيعتها وارتباطها، ويصبح هذا الإنتاج بأشخاصه وبثماره صورًا للتمثيل، كما أنه لا يقتصر الشرح علي الإنتاج الفكري، بل بصورة رئيسية دراسة المجتمع بالمفهوم الحضاري الواسع ببيان طبيعة هذا المجتمع وخصائصه وصورته الإنسانية والحديث عن ألوان النشاط في ميادين الحياة المتعددة والجوانب المتنوعة وربط كل ذلك بالعقيدة الإسلامية التي استمدت الحضارة الإسلامية خصائصها من هذه العقيدة وشريعتها الربانية، ثم دراسة حالة ذلك المجتمع خلال العصور وما جرى من تقلبات وأحوال وما يرجى من المسلمين فعله لبناء حياتهم على تلك الأسس الإسلامية لإقامة حضارة الإسلام وليتكرر ذلك العطاء الخير المتميز بالارتباط والاستمداد والالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا فردًا وجماعة ومجتمعًا ودولة في ظل هذا الدين، إيمانًا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأخذًا بمنهجه وطلبًا لرضاه وطمعًا في جنته سبحانه والاستظلال بظل شرعه القويم في الدنيا وظل الله تعالى - بفضله ونعمته ورحمته - يوم القيامة في يوم لا ظل إلا ظله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الشريف صلى الله على سيدنا محمد.

وحياة المسلمين مليئة الصفحات طافحة في معاني الحب المتنوعة على هذه الأسس متعلقة بالله تعالى، حتى حب الخير للعدو والدعوة له بأجله وذروته ووعائه، وهو الهداية، ومن هنا سعى المسلمون لنشر الإسلام، فاتحين داعين في أقطار الأرض: فأناروا دروبها وغرسوا بسائطها ثمارًا مباركة، فأخضرت الحياة بما حملوا إلى الناس من مورد كريم. 

وغدًا هذا عندهم عشقًا وهيامًا حتى تجاوزوا عن المسيء وعفوا عن المعتدي وسامحوا من أذاهم، وهم يستطيعون فعل ما يريدون بالقوة والسلطة والوسائل التي يملكون، ولكنهم ما فعلوا وما يفعلون.

إن الحياة الإسلامية يقوم فيها الإنسان مشاركًا بكل كيانه وطاقاته ووجدانه، وإن تعددت أجهزته وجوانبه وإمكاناته، فردًا وجماعة ومجتمعًا ودولة. وفي ظل المجتمع المسلم يزداد ذلك ويترسخ في كل عمق وفهم، ويتبين بوضوح أكثر كلما طال البحث وجال البصر وتعمق النظر وبعد الدراسة والعرض قد تزيد هذه الخصائص المذكورة أو تندمج، وبعد الانتهاء من شرحها ستتحدد بشكل أدق. وهي مترابطة ومتداخلة ومتعاونة ومتضافرة ومتكاملة في تكوين الصورة الوضيئة وتزيينها، وهذه المواصفات للإنسان المسلم بادية السمات في حضارته تقرؤها فيه سلوكًا وفهمًا واقعًا.

وقد تكون بعض هذه الخصائص المذكورة متداخلة ومتشابهة في جوانب منها، ووجوه فيها، ولكن يبقى في كل منها ما قد يحمل بنفسه شيئًا به يتفرد، علمًا أن كل ذلك مرتبط بالعقيدة ومتحرك في إطارها ومندفع في منهجها ومرتو بمائها وجار في تيارها ومدرك لإبعادها وحريص على الوفاء بها، موصولا بالله تعالى رب العالمين ابتغاء مرضاته وجنته يوم الدين، إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل