العنوان الحقيقة
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013
مشاهدات 57
نشر في العدد 2051
نشر في الصفحة 56
السبت 04-مايو-2013
- روايات لأمهات كبر أولادهن وأهملوهن ولا يصلونهن إلا عند الحاجة.
- على كل من تقول: غضبتُ على أبنائي.. أن تراجع نفسها كثيراً حتى لا تكون سبباً في فتنتهم.
- إحدى الأمهات تقول: أولادي يحتاجونني دائماً وهذا ما يجعلهم يداومون على زيارتي.
- أُمّ أخرى ترد: هل قدمنا لأولادنا من الحنان والرعاية والتواجد بالمنزل وخدمتهم بأنفسنا كما فعلت أمهاتنا معنا.
كان حواراً شيقاً، ومفيداً، وددت أن تشاركوني فيه، فقد كانت مجموعة من النساء، ممن كبر أولادهن، وبعضهن استقللن بأنفسهن عن منزل العائلة، وبعد الترحيب والقيام بواجب الضيافة، بدأ الحوار مع أكواب الشاي، والعصير، وفناجين القهوة، تنهدت إحداهن قائلة: إنها تنتمي للجيل المظلوم؛ مما أثار انتباهنا فوهبناها أسماعنا.
فأردفت قائلة: نعم، أنتمي للجيل الذي حتماً عليه خدمة والديه، أو أحدهما، وأيضاً خدمة أولاده مهما بلغوا من العمر، فقد اعتاد كلاهما على تفانينا في الخدمة، وأصبح فرض عين علينا، فأمي إن طلبت مني أمراً ما؛ يتحتم عليَّ تلبيته مهما كانت ظروفي، وإلا خاصمتني وذكرت لي ما تحملته تجاهي طوال عمرها، وأنها هي الأولى بالرعاية، وأنا أعلم ذلك، ثم يحدثني ولدي تليفونياً، نعم والله تليفونياً، وتقول لي نفسي: ها هو التعويض أتى سريعاً، ولكن يتضح أنه ما اتصل إلا ليطلب أمراً ما وسريعاً بلا تأجيل.
قاطعتها إحداهن: يا إلهي، كأنك تتحدثين عن أولادي، ما يطلبني أحدهم، حتى أقول له: أنجز، ولن أتأخر عنك، فالطلب لطلب.
حاجة الأولاد
وهنا تدخلت من تقول: إن أولادي دوماً يحتاجونني، فهذا ما يجعلهم يوادونني بالزيارة، وهذا من فضل الله حقاً، ولنتخيل أنهم وقد استغنوا عنا ولا نراهم، ولا يتصلون بنا كيف ستكون حياتنا، نسأل الله أن يطيل أعمارهم ودوماً نخدمهم، وبدأ الحديث عن عقوق الأبناء في وقتنا الحاضر، وعدم استشعارهم برغبة والديهم الجارفة في دوام السؤال عنهم بحب، وود، وكيف أنهم لا يسمعون أبداً لنصائحهم مهما كانت قيمة، وينظرون إليهم على أنهم من جيل فأردفت قائلة: نعم، أنتمي للجيل الذي حتماً عليه خدمة والديه، أو أحدهما، وأيضاً خدمة أولاده مهما بلغوا من العمر، فقد اعتاد كلاهما على تفانينا في الخدمة، وأصبح فرض عين علينا، فأمي إن طلبت مني أمراً ما؛ يتحتم عليَّ تلبيته مهما كانت ظروفي، وإلا خاصمتني وذكرت لي ما تحملته تجاهي طوال عمرها، وأنها هي الأولى بالرعاية، وأنا أعلم ذلك، ثم يحدثني ولدي تليفونياً، نعم والله تليفونياً، وتقول لي نفسي: ها هو التعويض أتى سريعاً، ولكن يتضح أنه ما اتصل إلا ليطلب أمراً ما وسريعاً سابق ليس له أن يكون له رأي في حياتهم.. وبالمقابل كيف أنهن لليوم يعملن لأمهاتهن ألف حساب وحساب، وكيف يطيعونهن بالرغم من كبر سنهن برغبة وخوف شديد من غضبهن، أو حزنهن، وبدأ سيل الآهات، والعمر الذي انقضى والشباب الذي فَنِيَ في خدمة الأولاد، حتى صرحت إحداهن بقولها: إن ابنتي الكبرى من كثرة مراجعتها لي، ورفع صوتها على صوتي، قد تغير قلبي تجاهها وأخشى أن يكون قد أصابها غضب الوالدين.
تغيير مجرى الحديث
كانت إحداهن قابعة تسمع بكل حواسها، ثم فجرت ما غيَّر مجرى الحديث ليروي أرواحاً عطشى، قد جانبها الماء ولم يقربها، قالت بنظرة الشفقة: كان الله في عون هذا الجيل، وهنا اتسعت حدقات الموجودات، كل نظرة تتسابق لعلها تصل إلى غور المتحدثة لتصل إلى ما تود قوله بسرعة، وهي لم تتأخر عليهن، فقد احتوت عيونهن، مع الاستمرار في حديثها: نعم، لابد من الإنصاف: هل قدمنا لأولادنا من الحنان، والرعاية، والتواجد في المنزل، وخدمتهم بأنفسنا كما فعلت أمهاتنا معنا، أم أن أغلبنا منشغلات، إما بالعمل، أو بشراء مستلزمات المنزل، أو بصديقاتها، أم بخروجها لحفظ كتابها الذي لم تحفظه من الصغر، أو لحضور دروس العلم الشرعية المهمة، بعد اكتشافها أن العلوم المدنية التي أفنت فيها عمرها، لم تغنِ في حل الكثير من مشكلاتها؟! حبيباتي، نحن انشغلنا عنهم فانشغلوا عنا!
الرجل وولده
تذكرت من فوري، الرجل وولده، فإني معتادة بعد صلاة الفجر، أن أتمشى على الشاطئ ساعة من الزمن قبل بداية يومي، وهناك يومياً، أشاهدهما، طفل في حوالي الثامنة من عمره، متشبث بيد والده، ويسأله عن كل شيء والوالد يرد بلا تأفف، ولا ملل،والبحر، والسماء، والأزهار متناثرة، في كل مكان بألوانها الرائعة، والطيور بأشكالها المختلفة، وأنواعها المتعددة، تسبح في الفضاء، تشد كل عين، لروعة النظم، وقمة التفاهم والتعاون بني كل فصيل والآخر، وبعض السلاحف البحرية التي تقترب من الشاطئ في هذا الوقت، تجعل الماشي يهدِّئ، ليقف ويتأمل ويتعجب، كل ذلك والطفل لا ينظر بعينيه، إلا إلى أبيه، فقد لخص كل عالمه في وجه أبيه، وكأنه الدنيا بأسرها، نظرت إليهما وتمنيت أن يكون الآباء مثل هذا الرجل لأبنائهم، ترى كم والد مع ولده كما رأت عيني مع هذا النموذج الرائع؟! فالكثير من الآباء في انشغال دائم، إما بعمله المرهق، أم بطلبات منزله، أم بعائلته الأم، أم بأصدقائه، أم باهتماماته الأخرى، ولا يكاد يرى أولاده، فما بالنا بالحديث معهم، أو الرد على أسئلتهم، بل إن بعض الآباء تحتم عليهم ترك أولادهم والسفر لخارج الوطن من أجل العمل، وكبر الأبناء وأصبحت لهم حياة غير حياته، وعالم غير عالمه.
الأم العاملة
لاحظت على نفس الشاطئ، قطة لها من الأولاد أربعة، كنت دوماً أتابعها كيف ترعاهم، فوجدتها تحنو عليهم، وتمسح على كل منهم بلسانها، بل تتمتع بحضنهم الدافئ مع حضنها الذي يشع عليهم رحمة ورفقاً، وكنت أنظر لها الدقائق تلو الدقائق، وهي ترضعهم بلا تذمر، بل تحتويهم بعينها بنظرات لا تتفهمها إلا الأم مهما اختلف نوعها، وكنت دوماً وأنا أراها أتذكر الأم العاملة، التي تضطرها ظروف حياتها إلى العمل، فتحمل رضيعها الذي لم يتعد عمره عدة أشهر، لأقرب دار حضانة، والطفل متشبث بها يبكي في اشتياق إلى حضنها، وقلبه كأنما يلجلجه بين الجناحين طائر، ودمعه سكب مبادر تشرق منه المحاجر، فينزعونه منها نزعاً وهم يقولون لها: اذهبي لا ترينه نفسك وسيهدأ بعد قليل، فيصمت بعد كثير بكاء كمداً وحزناً على فراق من قال الله تعالى عنها: ﴿فٌصّالٍهٍ فٌي عّامّيًنٌ﴾ (لقمان: 14)، ويصبح الأمر بعد ذلك عادياً لا يؤثر في أحد سوى الأم المسكينة والطفل الذي لا ذنب له ولا حيلة.
معايرة الأولاد
فوجدت نفسي أردد بصوت يسمعنه: فعلًا كان الله في عون أولادنا، فسعدت الأخت بقولي مما شجعها على الاستمرار، لخروج الجميع من شرنقة العذاب التي حبسن فيها مشاعرهن، فقالت بثقة: أتعجب من الأمهات اللاتي يعايرن أولادهن بتربيتهن لهم وفناء عمرهن فيهم، فنحن منذ الزواج ونحن بشغف ننتظر لحظة البشارة بالحمل، ألم يقل الله سبحانه لزكريا عليه السلام: ﴿أّنَّ اللَّهّ يٍبّشَرٍكّ بٌيّحًيّى﴾ (آل عمران: 39) ؟ وسيدنا إبراهيم عليه السلام ألم يحمد الله على الذرية بقوله: ﴿الحّمًدٍ لٌلَّهٌ الذٌي هّبّ لٌي عّلّى الكٌبّرٌ إسًمّاعٌيلّ وإسًحّاقّ﴾ (إبراهيم: 39)؟ ويمن الله سبحانه على البشر جميعاً بقوله: ﴿يّهّبٍ لٌمّن يّشّاءٍ إنّاثْا ويّهّبٍ لٌمّن يّشّاءٍ الذَكٍورّ﴾ (الشورى: 49)، فهي هبة ومنّة من الخالق سبحانه، وأمامنا الدليل حي بين أيدينا، فلو تأخرت المرأة في حملها تنفق كل ما تملك هي وزوجها من أجل الإنجاب بل تبكي بمرارة إن تأخر موعد البشرى، فنحن نسعد بالحمل، بل نتابعه بفرحة تزيل التعب، ونلاحظ الطفل في حركاته، وسكناته، ومجرد رؤية عطاء الله، نشعر وكأن القمر بين أيدينا، فنسعد بخدمته أيما سعادة، ومهما كان التعب فإنه لا يساوي شيئاً أمام ابتسامة من فلذة الكبد، ونتدرج من حبو الطفل، إلى سيره على قدميه، حتى يصبح شاباً يافعاً، وكل مرحلة من مراحل العمر تحمل لنا عبقاً من الراحة والفرحة العارمة، حتى يأتي يوم الزواج، ثم يوم وجود الأحفاد، فهم في كل المراحل مصدر فرحتنا في هذه الدنيا، نعم هناك تعب، ولكنه متوازن مع السعادة التي وهبنا الله إياها بوجودهم في حياتنا.
كلمات معبرة
أعجبتني كلماتها المعبرة الرائعة، فأضفت إليها: نعم، صدقت، فأولادنا حقاً قد قصرنا كثيراً معهم، فلابد وأن نكون بهم رفقاء، وكذلك على كل من تقول: غضبتُ على أبنائي؛ أن تراجع نفسها كثيراً، حتى لا تكون سبباً في فتنتهم، فبعد غضب الوالدين، يشعر الأبناء أن كل شيء قد انتهى، نحن بالفعل لابد وأن نعيد حساباتنا، ولا نتعامل مع أبنائنا كما يتعامل معنا والدانا، فالوضع تماماً مختلف، ولا يعني ذلك عدم التزام أولادنا ببرنا، بل يعني أن نضع الأمور في نصابها حتى لا نشعر نحن بالحزن، والغبن، والمرارة، ونسأله سبحانه أن يجعل أولادنا هم من يرعون بذرة عمرنا، لتزهر الخير على الدنيا بعد أن نفارقها.