; الحلقة الثانية من القصة المسلسلة القابضون علي الجمر | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة الثانية من القصة المسلسلة القابضون علي الجمر

الكاتب محمد أنور رياض

تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

مشاهدات 62

نشر في العدد 217

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

الغرفة أنيقة.. كل شيء فيها محدد.. مرسوم.. حتى الحركة بحساب.. والكلام لا بد أن يكون همسًا.. «علي» يكره هذا الجو ضاق صدره.. كل ما هو محدد يذكره بالقيد..! لابد من المرور بمكتب رئيس مجلس الإدارة قبل المقابلة.. مناجاة رئيس مجلس الإدارة تستلزم طقوسًا خاصة..!! مدير المكتب يهمس في التليفون.. حوله شيء تبينه لأول وهلة.. موظفتان.. وعلي وجهيهما تبين له مقدار المشقة.. والعنت.. الذي تتعرض له المرأة العاملة في بلدنا!!.. صبر الجبال.. ترى أي ساعة من الصباح الباكر لا بد من أن تصحو حتى يكون عندها الوقت الكافي لتحفظ وجهها بكل تلك الألوان.. جهد ضائع.. والعجيب أنه يتكرر يوميًا.. لا شك أن في الإنسان طاقات جبارة!! يا حبذا لو استعملت في غير هذا الضياع. تحول إليه المدير في خفة.. ومن أنفه و باشمئزاز طبقي نظر إلى ملابس «علي» وقال: - أفندم؟! تطلع إليه «علي» كقروي يزور «أوروبا» لأول مرة!!.. ما الذي يحدث في هذه الدنيا؟.. الرجل «مكوي» كل شيء فيه «منشي». أشبه ما يكون بتمثال الشمع!! - أريد مقابلة «عبد المنعم بك» - فيه ميعاد سابق؟؟ وعجب علي أشد العجب وقال في نفسه: كيف يمكن أن يخرج الكلام نصفه من الفم.. والنصف الآخر الأنف؟! عمي! ساح الشمع!! ما الفرق بين موظف الاستعلامات ذي الشارب الأسود والوجه الكالح.. ومدير المكتب المصقول الثياب ذو الياقة المنشية والأزرار المذهبة وربما كان جوربه أيضًا منشی!!؟؟ قطعًا جسمه مكون من قطعتين.. الجزء العلوي.. والجزء السفلى وبينهما زنبرك.. وإلا فما هو تفسير تلك الحركة اللولبية وهو يقوم في نشاط الملذوغ!!.. الوجه الميكانيكي تفككت روافعه لتتجمع ثانية في ابتسامة.. مصنوعة.. جاهزة.. بالتأكيد شيء تدرب عليه!!!. - دقيقة واحدة.. أتفضل یا أفندم. أشار إلى كرسي فخم، وأمسك بسماعة الهاتف.. وهمس.. أصبح محورًا لعيون الفتاتين.. لم ينظر إليهما ولكنه أحس بنظراتها تتفرسان فيه.. تقلبانه من أخمص قدميه إلى مفرق شعره.. قطعًا يبحثان عن الشيء الذي جعله ابنا لأخ رئيس مجلس الإدارة!!! لم يلبث أن أبدى التذلل والخضوع!! علي الباب.. كان عمه.. بين أحضانه كان الحنان الحقيقي الآن ليس هنا شيء صناعي.. تراخت أعصابه.. أوشك أن يبكي أمسك العم بكتفيه، وركز عينية برهة علي ملامحه.. ثم احتضنه ثانية.. - دب الشيب في رأسك يا «علي» قالها علي مرأى ومسمع من الجميع. لا استطيع أن أرد يا عمي.. سيطر علي عواطفه المهتاجة بصعوبة.. وأجلسه عمه إلى جواره وهو يضمه إلى جانبه.. الحمد لله علي السلامة.. عزاؤنا أنك والحمد لله بصحة جيدة ضحك «علي» كطفل يسمع كلمة إطراء. ثم تمتم بكلمات وكأنه يسمع نفسه أو يفكر بصوت مسموع. - البركة في الفول.. الغذاء السحري..!! تنبه «علي» إلى وجود ضيف مع عمه.. اتجه إليه بنظره.. حمودة بك.. زميل.. علي ابن أخي.. مجاهد.. ورجل.. لقد حدثتك عنه كثيرًا. استدرك العم كمريض يمنع نفسه من أكلة شهية.. - ولكن يا «علي» هل ننسى الماضي؟؟ ونفتح صفحة جديدة.. يا بني لا تحزن علي ما فات .. قضاء أخف من قضاء.. وقد كسبت به خبرة الرجال.. التفت إلى مصلحتك يا «علي».. فالدنيا كلها مصالح. كانت لحظة رائعة.. بين الأب الحنون.. صفاء الفطرة.. يا للخسارة.. انطفأت بسرعة يا عمي!! عندما تدخل المصلحة بحساباتها.. ينقاد الإنسان بين خطين.. إلى أين؟؟.. الى اين يا عمي؟؟! قال «حمودة» بك.. إذ لا بد من المجاملة. الزمن تغير كثيرًا.. وما كان يصلح للماضي لا يصلح للحاضر.. نطقت بالحكمة الأزلية يا «حمودة».. بك!.. يبدو الإجهاد الشديد عليك عقب الولادة العسرة.. حمدًا لله علي سلامة الوضع!!.. لو سمعتها منك يا حموده بك من سبع سنوات لأضفت إلى وجهك المتجعد شارعًا.. ولكن أصبحت هذه الكلمات بالنسبة إلى ما سمعت ورأيت.. ترفًا!.. لن تكون أولهم ولا آخرهم يا حموده بك.. فأنت تافه.. رغم لمعة الحذاء.. وتلك الأشياء التي تبرق في ملابسك المعطرة!.. أصبح مخ الإنسان مثل القمر.. الوجه المقابل براق لامع و.. الوجه الآخر معتم.. وبلا حياة. في الطريق قال العم يا بني.. أنا الآن بعد وفاة المرحوم أبوك أصبحت في مسئولية الوالد.. كل ما يلزمك عندي أن شاء الله.. ميراثكم معروف وأنا قائم عليه بما يرضى الله.. اما.. أما موضوع «نوال» فكل شيء قسمة ونصيب.. والحمد لله علي كل حال.. كفاها ما هي فيه الآن.. لم أكن موافقًا يا «علي».. والله لم أوافق إلا مضطرًا وأمام ضغط الظروف.. ولم يكن أحد يعلم الغيب.. والدتها أصرت.. و «نوال» سكتت ولم تبد رأيًا.. و.. وكل شيء بأمر الله.. هي أختك علي كل حال.. وكل شيء مقدور..!! كانت السكين تتغلغل داخل جسده.. مع كل كلمة.. والآن.. نفذت السكين كلها.. إلى الحشا.. ألم يكن باستطاعتك يا عمي أن تؤجل. الإجهاز علي؟.. سبع سنوات يا عمي.. لو تصورتها ثواني ولحظات؟!. كل لحظة كان لي بها جرح.. كمْ من الجراح في قلبي؟.. ثم.. هذه الطعنة في الصميم. تری.. هل أصابت مقتلی؟؟ نظر العم إلى علي في حزن حقيقي.. - لا تحزن يا علي.. ربنا سيعوضك خيرًا. أفلتت الدمعة من عينيه حارة. منك الصبر يا رب.. واجهت العذاب ألوانًا.. وتقطع الجسد.. وسالت الدماء وقطع اللحم أشلاء.. وزحفت بين الألغام وهدير المدافع.. ولكن القلب.. القلب؟ أصبح الناس لا يموتون إلا بالقلب. - «نوال» «لعلي».. و «علي» «لنوال».. كأنهم خلقوا لبعض كانت أمه تقول ذلك دائمًا.. شد حيلك.. وخذ الشهادة.. ونوال في انتظارك.. أنا متفق مع عمك علي هذا.. رحمة الله عليك يا أبي .. يا طيب كان عمه أيضًا يشجعه.. فقد كان يحب «علي».. و يحترم أخاه الأكبر ويقدر رأيه.. فقد كان الحاج «عبد الفتاح» ابو «علي» رأس الأسرة.. وعمدة البلدة.. له علي أخيه «عبد المنعم» الفضل الكثير.. ويكفي أنه هو الذي كفله حتى أكمل تعليمه وصار رجلًا.. ولكن امرأة عمه كان لها رأي آخر.. وإن كانت لم تجرؤ علي المعارضة أمام ضغط الأسرة كلها.. «نوال» صغيرة.. وكان «علي» يحب ابنة عمه بطريقة فريدة.. كانوا يعجبون لها.. شيء مختلف تمامًا عما يفعله الشبان في مثل سنه.. إذا جمعهما مجلس الأسرة كان حديثه معها دائمًا عن آماله.. عن مجتمع عظيم.. يبدأ بأسره بسيطة يلفها الحب والحنان.. وينتهي بإنسان.. غير الإنسان.. عن الإنجليز.. وعن جريمة كبرى وهي إيجاد العملاء.. وتشويه العقول.. عن.. الباشوات وعيشة كلها إسفاف.. وعن الإقطاع.. والفساد.. والقناة.. وفلسطين.. والملك.. وعن مصر التي كانت دائمًا درعًا للإسلام ضد أي عدوان.. كان «علي» يحس بالشبع والري.. عندما يحدثها عن آماله.. وهي تصغي مأخوذة بحماسته وشهامته.. ورجولته التي كانت تتفتح مع كلماته.. أمها كانت دائمًا محتفظة. وقرفانه!.. وعندما كانت تسمع هذا الحديث تقول وكأنها محتجة: سياسة.. وزفت.. وتزمت.. وحلال وحرام..!! ما هذه الحنية التي أصابتك يابنتي .. أين العريس الذي يشرح القلب؟!.. يفرح البنت.. الفسح.. والأغاني الجديدة.. و.. الكلام عن المطربين والسينما.. والهدايا.. والحياة العصرية.. رجل. رجل يفهم الحياة العصرية!! وليس يعيش في الكهف والظلام؟ هل غاصت ابنتك الآن في الحياة العصرية يا امرأة عمي؟! لا بد أن تدخل المصيدة لتعرف أن فيها طعمًا!!.. شبعوا هناك من الدوامة العصرية.. فحصدوا أعصابًا.. وذبحة.. وانتحارًا.. وقلقًا.. وأيضًا أجيالًا من الأطفال بلا آباء!!.. ولكن منذ متى كان مزمار الحي طروبًا؟؟! وأخيرًا.. سنحت لك الفرصة أيتها الشمطاء.. - «علي».. أنت مطلوب القبض عليك.. فاهرب..! وأنت يا عبد المنعم؟! لا بد أن أستمر هنا.. لا بد من وجودي لمتابعة الأحداث.. وأيضًا لرعاية أسر المعتقلين - ولكن.. - لا وقت للتردد.. لتهرب.. وسأتصل بك في الوقت المناسب إن شاء الله.. رحمة الله عليك يا عبد المنعم.. رحمة الله عليك يا شهيد.. يوم القيامة.. اللون لون الدم.. والريح ريح المسك.. لم يبق من «علي» سوى عينان تنظران إلى الطريق ولا تراه!! جالس بجوار عمه.. والماضي يعصر مخه إلى الوراء!! ديسمبر ذلك الشتاء الكئيب.. السحب داكنة تجثم فوق صدر القرية.. فتجعل التنفس صعبًا.. وكلب لسعة برد الشمال فيعوى في توجع.. والأرض موحلة حكمت علي الناس بالحبس.. والليل طويل.. طويل!! الحاج «عبد الفتاح» يتقلب في فراشه.. ما مرت عليه مثل هذه الأيام.. عمره كله قضاه عمدة في القرية.. يحكم ويأمر.. ويفض المنازعات كلها.. والناس كلهم.. يطيعون.. في حب وتسامح.. ما من ليلة إلا قضاها قرير العين.. لا يخشى أحدًا.. لا يذهب إلى المركز ولا تأتيه السلطة إلا في المناسبات.. رحم الله قريته من بلوى الإقطاع وتنافر العائلات..!! ولكن الأيام السود.. لا بد أن تأتي.. الأيام دول يا حاج.. سنة الله.. ولا اعتراض علي سنته.. ولكن أن تأتي الأيام أسود من الكحل.. وفجأة بهذه القسوة..!! يا رب لطفك فيما جرت به المقادير.. جو كئيب يا «علي».. مالنا والسياسة يا «علي» تبًا للسياسة.. ومشتقاتها كلها.. كثيرًا ما نصحتك «علي».. صحيح أنني لم أدرك أنه يمكن أن تحل الكارثة.. لم أكن أتوقع.. كنت أرى فيك صلاح .. وحب الدين فأشعر بالفخر.. أخلاقك عالية و.. مجد دراستك.. و.. رجل «علي».. غيور وشهم.. بطل من أبطال القناة لماذا؟.. لماذا أغضبت الحكومة يا ولدى؟!.. وما الذي أغضبهم منك يا «علي».. هل أنت طريد الآن!.. شيء لا يمكن تصديقه!.. أنت طريد «علي» وانا أخفيك في منزلي.. أنت ضد الحكومة يا ولدي.. ممثل السلطة.. مخي يا ولدى.. جسمي متعب.. يا كاشف الغم يا رب دق الباب في عنف.. قفز «علي» من علي فراشه.. وارتقى السلم إلى السطح.. وعيناه تنظران في عتمة الليل.. علي البعد.. كانت أنوار متقطعة تتحسس طريقها نحو «دوار» العمدة.. ، وأصوات الأقدام الثقيلة تخوض في الوحل وتقترب.. وسمع الخفير يصيح.. وهو يكاد يخلع الباب. - يا حضرة العمدة.. يا حاج «عبد الفتاح».. الحكومة!!.. ضابط المباحث والمديرية كلها محاصرون البلد. تقدم رجل أنيق.. يفوح منه عطر البنفسج.. وقال بترفع. - أنت عبد الفتاح؟؟ - نعم يا بك - أنت مقبوض عليك..!!.. خذه يا عسكري.. وأنتم شوفوا شغلكم لم يتمالك «علي» وهو يرى «المخبر» يجر والده في غلظة.. قفز إلى أسفل.. وتقدم من الضابط الأنيق.- أنا «علي» اتركوا والدي!.. ضحكة ساخرة خرجت من بين أسنان الضابط المصقولة.. ثم رفع يده وهوى بها علي وجه «علي». - حيوا معي هذه الشهامة..!! كانت كف الضابط مجرد بداية.. في لمح البصر كان المخبرون والعساكر يندفعون لينالوا الأجر كان كل واحد منهم يخاف أن تفوته فرصة المساهمة في تغيير ملامح وجه «علي»!! يبدو أن الموقف أثار الانشراح في قلب الضابط الأنيق.. - هذه مجرد تحية يا «علوة».. لنا لقاء آخر.. لقد دوختنا وكله بحسابه.. خذوهم. كان الشيخ «عبد الفتاح» من هول المفاجأة.. يظن أن الدنيا قد انتهت.. العمدة.. الرجل الوقور.. لا.. لا.. كسارق البهائم اقتادوه..!! مكث ليلة واحدة.. و.. رجع.. لم يقل لأحد أين كان.. رجع بوجه متورم مليء بالكدمات.. حليق الرأس.. و.. الشارب.. ثيابه بدت وكأنها اتسعت عليه.. رجع.. ولكنه دخل داره وأغلق علي نفسه الباب.. رفض أن يستقبل أحدًا إلا الطبيب، و.. بعد أسبوع بالضبط.. خرج الشيخ «عبد الفتاح» من داره.. لتبكيه القرية كلها رحمة الله عليك يا أبي .. أصالة الريف.. وفطرته السليمة الرجال.. تغير الزمن يا أبي وكنت تظن أن العمدة سيظل إلى الأبد.. عمدة!!.. خرجت الأفاعي من الأرض البور.. كنت تظن أن الأرض ستظل خضراء ريانة بالماء والخير!!.. خرجت الحيات من الشقوق.. تلدغ الطيبين من أمثالك... و ..... قالوا.. سذجًا.. يستحقون الموت.!! رحمة الله عليك يا أبي، فليس ذنبك أنك أحسنت الظن!!
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

176

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

122

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم