; الحوار الفلسطيني والتسوية القادمة | مجلة المجتمع

العنوان الحوار الفلسطيني والتسوية القادمة

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1984

مشاهدات 93

نشر في العدد 677

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 26-يونيو-1984

بدأت يوم ١٠/ ٦/ ١٩٨٤م الجولة الثالثة للحوار الفلسطيني في عدن وكانت الجولة السابقة في الجزائر والتي سبقتها في عدن أيضًا.

هذا الحوار المتعدد الأزمنة والأمكنة والذي ضم في أحد طرفيه حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» وفي الطرف الآخر كلا من: الجبهتين: الشعبية، والديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية والحزب الشيوعي الفلسطيني... هذا الحوار وعلى هذه الصورة، وبهذه الأطراف، ما كان له أن يتم لولا الحصار الذي تم في بيروت ومن بعده الحصار الذي تم في طرابلس ثم الخروج الذي تبع هذا الحصار وما نتج عن ذلك من تصدع في البنية العسكرية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية وتحديدًا لحركة «فتح» بالذات.

فالجبهتان: الشعبية، والديمقراطية رغم صوتهما المسموع في الساحة الفلسطينية وربما إلى حد ما في الساحة العربية والدولية إلا أنهما مجتمعتان أو منفردتان لا تملكان ذلك الرصيد الجماهيري القادر على الوقوف ندًّا «لفتح» ناهيك عن جبهة التحرير الفلسطينية أو الحزب الشيوعي الفلسطيني اللذين لم يسمع كثير من الناس عنهما إلا مؤخرًا.

ونحن حينما نقرر ذلك لا نعلن انحيازنا «لفتح» بمقدار ما نقرر الواقع كما يجري على الأرض. ولكن بعد حصول ما يسمى بمؤامرة الانشقاق المدعومة من بعض الأطراف العربية العالمية ضد حركة «فتح» أصبح في إمكان هذه التنظيمات الرديفة والمتنافرة أن تتحد تكتيكيًّا ومرحليًّا في محاولة لوراثة «فتح» أو للإجهاز على البقية الباقية من «فتح» بعد أن تلقت ضربة قاصمة في لبنان.

  • قادة «الانتفاضة» ينفضون عن بعض:

في البداية أراد «أبو صالح» أن يكون بديلًا عن «أبو عمار» ولكن سرعان ما اكتشف أن أولئك الذين شاركوه في عملية الانشقاق التي سموها الانتفاضة انتفضوا بعيدًا عنه.

فهذا هو «اللبدي» الذي كان ناطقًا رسميًّا باسم «أبو عمار» أثناء حصار بيروت ثم أصبح ناطقًا رسميًّا باسم «الانشقاقيين» أثناء حصار طرابلس لم يعد له صوت الآن بعد أن غادر دمشق إلى ألمانيا الغربية وحاول «العودة» لفتح ولكن محاولته رفضت. وهذا هو «شاستري» ينفصل عن الانشقاقيين، و«أبو موسى» يحاول أن يعود برجاله إلى بيروت الغربية و«قدري» المنظر الفكري لحركة الانشقاق أدار ظهره «لأبو صالح»، وأحمد جبريل ربط نفسه نهائيًّا بليبيا.

ولنقرأ رأي «أبو صالح» في بقية الانشقاقيين الذين انشقوا عليه حسبما ورد في تعميم أخير صدر عنه باسم «القيادة العامة لقوات العاصفة- أبناء فتح»، يقول التعميم: «وجدنا بعض قادة الانتفاضة المشبوهين بميولهم إلى النهج اليميني أيد عرفات وزمرته أمثال «إلياس شوفاني» الذي يريد تحجيم حركة فتح ضمن إطار حزبي متقوقع وأبو خالد العملة الذي يريد تحويل فتح إلى عشائرية، وينضم إلى هذه الزمرة «أبو علي المهدي» الذي يريد تشكيل «.......» لضرب الفلسطينيين»

وبعد أن يستعرض أبو صالح عددًا من الأسماء الأخرى التي انشقت عنه فيصفها بأقذع الأوصاف يمدح نفسه بقوله «فتحية للأخ أبو صالح ومواقفه الصلبة»، ثم يشجب تحويل «فتح» لحزب سياسي ويتهم المنشقين عليه بالعمالة لليبيا حيث يقول: «لا لمحاولة ربط القرار الفلسطيني بمصادر الدعم الليبي».

ونحن حين نستعرض حال الانشقاقيين في فتح هذه الأيام فذلك لنؤكد ما سبق أن قلناه من أنهم أدوات قامت بتنفيذ حلقة في سلسلة التآمر على القضية الفلسطينية وشعبها لصالح جهات أخرى وانتهى دورهم.

  • الحوار في عدن:

وما الحوار الدائر الآن بين الأطراف الفلسطينية في عدن إلا حلقة أخرى في مسلسل التآمر لتصفية القضية الفلسطينية وليس مهمًّا بعد ذلك لون هذه التصفية أو الشعار الذي تقف تحته.

  • فإذا انتصر خط الجبهات الشعبية والحزب الشيوعي في تحويل «فتح» من عمود فقري إلى ضلع مشلول عاجز انتهت الثورة الفلسطينية المعاصرة إلى حزب سياسي تابع لهذه الجهة أو تلك. يدغدغ الجماهير بشعارات جوفاء وهو مربوط من عنقه بأيديولوجيات غريبة وأنظمة متسلطة متهالكة.
  • وإذا انتصر خط المطالبين بمكان لهم على مائدة المفاوضات المنشودة للحصول من اليهود على كيان فلسطيني مرتبط بالأردن فإن الثورة الفلسطينية المعاصرة التي قامت أصلًا لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر تكون قد أكلت أهدافها باسم التكتيك والمرحلية.

ولا يمكن للعقل البشري أن يتصور كيف يمكن لكيان من هذا الطراز أن يستأنف النضال لتحرير بقية فلسطين وهو المجرد من السلاح المدجج بالمستعمرات اليهودية.

وإذا كان المتحاورون في عدن- ومن وراءهم- لا يختلفون على المطالبة بمؤتمر دولي يشترك فيه الاتحاد السوفياتي مع الولايات المتحدة من أجل إیجاد حل سلمي عادل وشامل لمشكلة الشرق الأوسط فعلام الخلاف إذًا؟ لماذا الإعلان للجماهير بأن هناك خطأ مقاتل وخطأ مسالم ما دام الجميع يسعون إلى مؤتمر دولي للسلام؟ ولماذا الإصرار على القرار الوطني المستقل إذا كان هذا القرار لا يتعارض في نهاية المطاف مع القرار العربي أو الدولي الداعي إلى الصلح مع إسرائيل؟

  • حقيقة الخلاف مع السادات:

لقد تبين لكل ذي عقل يدرك أن الخلاف مع السادات لم يكن خلافًا على مبدأ الصلح مع إسرائيل ولكن على الاستفراد بالصلح. ولقد دعاهم السادات إلى اللحاق به ظاهريًّا، ولكنه كان يعمل على الصلح الانفرادي عمليًّا. كما أن اليهود لم يكونوا يريدون أن يتفاوضوا مع العرب مجتمعين تمامًا مثلما يفعل المحقق مع المعتقلين، فحتى يحصل على أكبر قدر ممكن من التنازلات فإنه يحقق مع كل معتقل على انفراد، فإذا استطاع أن «يطبع» واحدًا منهم سهل عليه بعد ذلك تطبيع الآخرين.

ألا يحق لنا بعد ذلك أن نصف العصر الذي نعيش فيه بعصر الانحطاط الممهد لدويلات الطوائف؟

  • «التسوية» ليست هي موضوع الخلاف

نحن لا ننظر للحوار الفلسطيني باعتباره حدثًا داخليًّا محضًا أو باعتباره حدثًا عربيًا عارضًا، بل إنه حدث رئيسي ومحوري في الساحة العربية والإسلامية لا يقل أهمية عن اتفاقيات كامب ديفيد وعن حرب لبنان فيما بعد، ومن ثم حرب الخليج.

بل إن هذا الحوار ليس بعيدًا عن صراع القوى الكبرى وعن الوفاق بين القوى الكبرى. وأيًّا كانت نتائج هذا الحوار لصالح هذا الجانب أو ذاك فمما لا شك فيه أن منظمة التحرير تندفع سواء بقوى ذاتية أو بقوى خارجية نحو «التسوية» ونعني بها الصلح مع إسرائيل.

وليس صحيحًا ما يقال من أن اليسار العربي عمومًا والفلسطيني خصوصًا هو ضد «التسوية» وليس صحيحًا أن الاتحاد السوفياتي ومعه «المنظومة الاشتراكية» ضد التسوية وما الضجيج الإعلامي الذي برع فيه اليسار العربي إلا ذرًّا للرماد في العيون ولتكون التسوية بيده لا «بيد عمرو».

ولسنا هنا في مجال إثبات ذلك فموقف الاتحاد السوفياتي الذي كان ثاني دولة تعترف بإسرائيل والذي أمد إسرائيل بالعدد الأكبر من المهاجرين والذي يعتبر أن وجود إسرائيل يخدمه سياسيًّا وأيديولوجيًّا لا يمكن أن يساند مساندة حقيقية أي حركة أو ثورة تعمل بجد لتحرير فلسطين وتصفية الكيان اليهود من فلسطين كما أن الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية وعلى رأسها أحزاب المعارضة التي سقطت في الانتخابات المصرية ما كان لها أن تقوم لو لم توافق على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

فماذا عن الطرف الآخر من المتحاورين في عدن؟ هل هم ضد التسوية؟ كل الدلائل والتصريحات والمسلكيات تشير إلى أنهم مع التسوية وأن «عرب أمريكا» زينوا لهم هذا الطريق ومهدوه وأن العرب الآخرين ولا أقول «عرب روسيا» دفعوهم إلى هذا الطريق دفعًا.

وليس هناك فرق في نظرنا بين ما يسمى «بالتحالف الرباعي الديمقراطي» المتحاور الآن مع «فتح» في عدن وبين ما يسمى «بهيئة الإنقاذ الوطني» التي ولدت مؤخرًا في دمشق برئاسة خالد الفاهوم والتي تضم كلًا من: الجبهة الشعبية والقيادة العامة وجبهة النضال الشعبي ومنظمة الصاعة بالإضافة إلى المنشقين.

فجميع هذه التكتلات التكتيكية المرحلية لها هدف قديم متجدد هو القضاء على «فتح» وأما الذين يحرضون على هذه التكتلات والانشقاقات فلهم هدف أبعد من ذلك هو تصفية القضية الفلسطينية تحت شعار براق هو «مقاومة الحلول التصفوية» حتى إذا ما انتهت المقاومة الفلسطينية تكون التصفية قد تمت واقعيًّا وإن لم تعلن رسميًّا.

إن الحال الذي وصل إليه الفلسطينيون حال بالغ الخطورة، وهو نتيجة طبيعية لوضع عربي متهافت ووضع إسلامي متمزق والضباب الذي يحجب الرؤية كثيف، والمتاجرون والمزايدون كثر والمفرطون والمتهاونون وجدوا فرصتهم والمؤامرات لم تعد تجدي معها المناورات، والاستراتيجية ضاعت في خضم التكتيك. وليس هناك من مخرج إلا أن ترتفع راية الجهاد وينطلق هتاف «الله أكبر» وتضغط الأصابع المتوضئة على الزناد ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:٤- ٥- ٦).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1026

95

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

الخلاف السياسي

نشر في العدد 1222

67

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

المجتمع التربوي (العدد 1222)

نشر في العدد 503

69

الثلاثاء 04-نوفمبر-1980

مرحبًا بالقرن الجديد