; الخلاف السياسي | مجلة المجتمع

العنوان الخلاف السياسي

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 96

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

توجهات الناس لها مناح مختلفة الاتجاه، فالناس يختلفون في تقديرهم وتفكيرهم باختلاف ما تقع عليه أنظارهم، وما يثير إعجابهم، فالحق لم يصبه الناس في كل وجوهه ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب كل إنسان جهة، وكثيرًا ما يكون الاختلاف لا لغموض الموضوع في ذاته، بل لأن كلا المختلفين لم يعرف وجهة نظر الآخر، ولم تتح فرصة اللقاء والمحاورة بشأن موضوع الخلاف، فقد يكون مصدره الكذب في النقل أو الخطأ في التقدير أو الاختلاف في الأمزجة التي ترينا القبيح مليحًا.

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا

وكل امرئ ينبعث بتفكيره بمنهاج علمه، فسلطان الأفكار التي اكتسبت قداسة بمرور الزمن، وأصبحت متغلغلة في نفوس الناس هي التي تسيطر على القلوب والعقول، وتدفعها لتبرير ما تزعم به وتقول.

وقدسية الآراء التي يقلدها الشخص تدفعه إلى التعصب لها، وحيثما كان التعصب شديدًا كان الخلاف شديدًا.

وقلما نجد المرء الأريحي الواسع الصدر الذي ينفذ إلى الحقيقة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بل يحيطون بجزء منها، ويسيطر عليهم الوهم، ويوقعهم في متاهات فكرية تغشي بصائرهم، فلا يدركون الحقائق على وجهها، بل يندفعون في التعصب لها وتأييدها حتى يخيل إليهم أنهم مخلصون فيما يدعون إليه، وأن ما يقولونه هو محض الصواب ولب الحقيقة، فيخدعون أنفسهم وغيرهم وهم لا يشعرون.

والخلاف في مسائل لها نصوص وأحكام يرجع إليها خلاف نظري، وهو ليس في كل الأحوال خطيرًا، بل غالبًا ما يكون محمود العاقبة، حسن النتيجة في إيجاد ثروة فقهية عظيمة تستفيد منها الأمة، وتكون رحمة لها، ولكن الخطورة أن ينتقل الخلاف النظري من ميدان القول إلى ميدان العمل، فيحكم كل واحد من المختلفين على الآخر بالخطأ أو الضلال، وقد يتطور الأمر إلى امتشاق الحسام حيث لا يجدي الكلام.

وهذا الخلاف السياسي هو الذي فرق الأمة ومزق وحدتها في جميع مراحلها وأدوارها، وجعل بأسها بينها شديدًا.

فالعصبية التي اختفت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- انبعثت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بين الأمويين والهاشميين، ثم تطور الاختلاف بين القبائل الربعية التي تدثرت برداء (الخوارج) والقبائل المضرية، حتى عادت الأمة يضرب بعضها رقاب بعض، ويستحل بعضها دماء بعض.

والخلاف السياسي برز في التنازع على الخلافة حتى غدت بعد رشدها ملكًا عضوضًا أو جبريًا، وأغرى ذلك الكثير من الزنادقة والأشرار أن ينشروا في المسلمين أهواء مردية، وأفكارًا منحرفة سرت إلى العامة، فجددت الحقد وأثارت الإحن، وتشيّع لكل فكرة من يدعو إليها، ويؤجج نار العداوة والبغضاء حتى قامت بينهم حروب، وحدثت فتن ونكبات لا تزال تتجدد بطريقة كربلائية تثير الأحزان، وتبعث على الانتقام.

واليوم عادت هذه الطريقة بيننا حتى لا يكاد يخلو منها مجلس، ولا يطيب بدونها حديث، فصار النائحون والناعون والثكالى أكثر من المبشرين المؤملين الذين يبعثون الأمل في النفوس، ويحيون المحبة في القلوب.

فهل آن لنا أن نمسك عن هذا الحديث، ونعمل من أجل إحياء الأخوة الإسلامية الحقة التي تذوب فيها العدوات، ونحرص على التقاء الأمة من جديد بفئاتها وجماعاتها على نصرة دين الله؛ حبًا فيه وولاء لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم، انتماء يستعلي على كل الانتماءات، ونمسك ألسنتنا عن الغيبة والتجريح وتتبع الزلات والعثرات، وأن نلزم الإنصاف في إخواننا فلا نغلو فيهم فنبرر أخطاءهم، ونعادي من خالفهم، ولا نجفوهم فنستحل أعراضهم، ونتنكر لجليل أعمالهم، ونزدري جهودهم، وهل نحرص على تبين الحقائق حتى لا تستحكم فينا الأوهام؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

153

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

العدل في الإسلام

نشر في العدد 197

94

الثلاثاء 23-أبريل-1974

بريد المجتمع (197)