العنوان المجتمع التربوي (العدد 1222)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1222
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
وقفة تربوية
إعداد: عبد الحميد البلالي
يا من انحرف عن جادتهم !!
الضعف صفة بشرية، وما من إنسان إلا ويشعر بالضعف في فترة من الفترات؛ لذلك كان من عقيدتنا السلفية أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولكن الناس حيال هذا الضعف والنقص نوعان: أحدهما من يستسلم لوساوس الشيطان، ويتمادى في ضعفه ونقصه دون أن يتدارك نفسه، وآخر يكون هذا الضعف والنقص سببًا في انطلاقه وارتقائه أضعاف أضعاف ما كان عليه قبل ذلك الضعف..
وأجواء الدعوة إلى الله- تعالى- من خلال العمل الجماعي تصيب بعض أفراده بشيء من ذلك الضعف والنقص بسبب المعاصي، أو الإقلال من بعض الطاعات، فيأتي الشيطان لأحدهم قائلا: «لو كنت تستحق البقاء مع هؤلاء الأتقياء لتخلقت بأخلاقهم، ولكانت همتك مثل هممهم، ولما تاقت نفسك للمعاصي، فمكانك بعيدًا عن هؤلاء»، فيبدأ يقنع نفسه بمثل هذه الأقاويل، حتى يقرر الابتعاد والانحراف عن جادتهم..
لمثل هؤلاء وجه ابن القيم تحذيره مناديًا: «يا من انحرف عن جادتهم كن في أواخر الركب، ونم إذا نمت على الطريق، فالأمير يراعي الساقة» «الفوائد: ٥٧».
نعم إذا شعرت بضعف أو فتور فلا تفارقهم، ولا تقطع الصلة بهم، وكن معهم حتى في حالات ضعفك، فإن أيدي المربين لا بد أن تنشلك مما أنت فيه، حتى ولو كنت في المؤخرة.
أبو خلاد
ظاهرة الضعف النفسي.. وسبل علاجها «٢ من ٢»
* التربية الوقائية لو شاعت في مجتمعاتنا فإنها ستقلل بنسبة كبيرة حجم ظاهرة الضعف النفسي.
* جهاد النفس يبدأ بمخاصمتها ورفع راية الجهاد عليها، ولن يتم ذلك إلا إذا اتخذ الواحد منا لنفسه وردًا للمحاسبة اليومية.
بقلم: د. مجدي الهلالي
ينقسم علاج ظاهرة الضعف النفسي إلى قسمين: عام وخاص، أما العلاج العام فهو ما يطلقون عليه التربية الوقائية، والمقصود بذلك أن هناك معاني تربوية لو شاعت في مجتمعاتنا؛ فإنها ستقلل بنسبة كبيرة حجم هذه الظاهرة، منها:
١- شيوع جو النصيحة بيننا بآدابها المعروفة، فينصح الكبير الصغير برفق وحنان، وينصح الصغير الكبير بأدب واحترام، ولا يظن البعض أن الحياء هو الذي يمنعه من نصح من حوله، فهذا فهم خاطئ، فالحياء لا يأتي إلا بخير، وعدم النصح ليس بخير، بل السبب هو ضعف العزيمة والإرادة، فليستجمع كل منا عزماته وإرادته ليقول للمسيء: أسات، وللمخطئ: أخطأت.
٢- عدم مدح الآخرين في وجوههم كيلا نذبحهم، ونقصم ظهورهم كما بين ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فالمدح من أهم الأسباب التي تدمر النفس، فكم من أناس كانوا يتحكمون في نفوسهم صاروا بالمدح عبيدًا لها، ولم لا والمدح هو الشراب الذي تتمايل بشربه النفس نشوة وطربًا؟! فأي لذة أكبر من لذة الإحساس بالعلو والتفوق، فالحذر الحذر من المدح في الوجه.
٣- عدم تصدر الحدث ومن لم يعد لذلك، ففي التصدر لتوجيه الناس وقيادتهم– دون إعداد– محاذير أخطرها أن المتصدر لن يعطي لنفسه فترة حضانة كافية يصقل فيها مرآة قلبه بالأوراد، وينمي عقله بالعلم النافع، ويروض فيها نفسه بالمجاهدة.
ولله در ابن عطاء عندما يوضح أهمية ذلك الأمر فيقول: «ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لا يدفن لا يتم نتاجه»، فلقد شبه– رحمه الله– العبد بالبذرة التي تحتاج في بداية تكوينها أن تدفن في باطن الأرض بعيدًا عن أشعة الشمس، فتأخذ دورتها، وتنمو نموًا بطيئًا، فإذا ما أذن لها الله بالظهور، ارتفعت على سطح الأرض بعد فترة حضانة كافية، اكتسبت فيها القدرة على الظهور أمام الضوء، أما إذا تركنا البذرة على سطح الأرض ولم ندفنها، فلن يكون لها نتاج، ولن تأتي بالثمرة المرجوة لتعرضها لمناخ لم تؤهل له بعد.
وكأنه يريد أن يقول: لن ينتفع منك الخلق انتفاعًا كاملاً، لا من دعوتك، ولا من علمك، إلا إذا مرت عليك مرحلة في حياتك تدفن فيها نفسك في أرض خمول الذكر، فلا يشعر الناس بوجودك؛ فتكون فيها عقلك، وتغذيه بالعلم، وقلبك بالأوراد، ونفسك بالمجاهدة.
ولقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يختلي بنفسه قبل النبوة في غار حراء، وبعد النبوة كان يعتكف في العام عشرة أيام من آخر رمضان، وفي العام الذي توفي فيه كله اعتكف عشرين يومًا، وليس المقصد من ذلك هو اعتزال الناس، بل إتاحة أكبر قدر من الهدوء لتكوين الذات.
فالمطلوب من الشخص في هذا الوقت الأخذ أكثر من العطاء، فإن فاتته هذه المرحلة دون أن يأخذ منها ما يكون به ذاته، كان عطاؤه سيئًا وغير مثمر.
٤- ومن أهم وسائل التربية الوقائية أيضًا:
ضرورة عناية الآباء بتربية أبنائهم بطريقة صحيحة، وفي جو صحي يضمن عدم تشوة شخصياتهم، وعدم ضعف نفوسهم، وليعلم الآباء أن أبناءهم يسرقون منهم طباعهم وعاداتهم دون أن يشعروا بذلك، فإذا ما رأوا منهم تفاخرًا بالأنساب أو الأموال أو الوجاهة، أو الجاه، أو السلطان، فسينغرس في نفوسهم الإحساس بالعلو والتفوق في هذه الأمور، وإذا ما لاحظوا عليهم التفكير في مصلحتهم فقط، وعدم حب الخير إلا لأنفسهم، والحقد على الآخرين فسيصير ذلك حالهم أيضًا.
ومما يجب التنبيه عليه أهمية وجود أسلوب محدد لتربية الأبناء عند الأبوين، فلا يجوز أن يكون للأب أسلوب وللأم أسلوب آخر، مع الوضع في الاعتبار أهمية تعهد الأبناء، ومراقبة تصرفاتهم بدقة كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ (الكهف: ٢٨)، ورصد أي تجاوز– وإن بدا صغيرًا– والتنبيه عليه في وقته، واستخدام أساليب متنوعة في العقاب، وليكن الضرب هو آخرها، ولا يكن أولها وآخرها، كما يفعل الكثير من الآباء الذين يتبنون سياسة العصا الغليظة مع أبنائهم، فتكون النتيجة عقد داخلية، وشخصيات منحرفة ومقهورة، ونفوس ضعيفة إما: انطوائية أو انهزامية أو نرجسية.
وكما أن أسلوب العصا الغليظة من الأساليب الخطيرة، وغير مأمونة العواقب، فكذلك عدم محاسبة الأبناء، وترك الحبل على الغارب لهم يؤدي أيضًا إلى نتائج خطيرة ونفوس ضعيفة.
ومما يجب التنبيه عليه كذلك عدم التفرقة بين الأبناء، ولو بالدرجة اليسيرة، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم بحرية، دون استهانة أو استهزاء بهذه الآراء.
ولا بد كذلك من زرع محبة الله في نفوس الأبناء، وأنه هو المنعم الواهب لكل النعم، وليس لأحد منا فضل فيما أوتي من مواهب وقدرات، بل هي أرزاق يقسمها الله بين عباده بمشيئته ليختبرنا، فإن أطعناه وعبدناه بها رضي عنا في الدنيا والآخرة، وإن عصيناه بها سخط علينا – وأذاقنا السوء في الحال والمال.
وخلاصة القول أنه يتعين علينا تربية أولادنا في جو صحي، ليس فيه حقد على الآخرين، وعدم حب الخير، وليس فيه أيضًا حب للذات، ولا حب الظهور، والتفاخر والتباهي بما أنعم الله علينا من نعم، ولنتق الله في أنفسنا ولنصلح منها، فصلاح أبنائنا بصلاحنا، وفسادهم بفسادنا.
العلاج الخاص
والمقصود به وسائل علاج حالة الضعف النفسي، وهي كثيرة، نذكر منها بفضل الله ومنته:
١- الاقتناع التام من صاحب المرض بوجود مظاهر الضعف في نفسه، ويعمل على تحديدها؛ فيتولد عنده عزيمة وإرادة لعلاجها وتغييرها «إرادة التغيير».
وهذا ليس بالشيء الهين، بل يحتاج إلى وقفات ووقفات مع النفس، مع الاستعانة التامة بالله– عز وجل– على ذلك.
٢- بعد الاقتناع وتولد قرار لابد من الانكسار لله– عز وجل– فالأمر أولًا وأخيرًا بيده.
ومن رحمته– جل وعلا– بعباده أنه يعلم بأنه لا طاقة لنا بجهاد أنفسنا، ويعلم كذلك أننا لا نستطيع أن نقف بمفردنا أمام أسلحتها ومغرياتها، فلم يطلب منا– سبحانه- إلا الاعتراف بذلك، ولم يطلب منا إلا الخروج من حولنا وقوتنا إلى حوله وقوته، وأن نوقن بأنه لا طاقة لنا بأنفسنا، وأننا لو تركنا بمفردنا لصرنا أسرى وعبيدًا لها.
لم يطلب منا إلا أن يرد كل منا إلى أصله وحقيقته، وأصل كل منا هو الضعف، أما القوة والصحة، والمال والجاه فعوارض سرعان ما تزول كما قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٖ قُوَّة ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعدِ قُوَّةٖ ضَعفا وَشَيبَة يَخلُقُ مَا يَشَآء وَهُوَ ٱلعَلِيمُ ٱلقَدِيرُ﴾ (الروم: ٥٤)، فلا بد من الانكسار لله، والذل له، والاعتراف الدائم بضعفنا وفقرنا إليه، وأنه- جل وعلا- لو تركنا لهلكنا، ولصرنا عبيدًا لأنفسنا ولأهوائنا، ولاتبعنا الشيطان، ولغرقنا في بحر الدنيا، ولم لا وهو- سبحانه- الذي حبب إلينا الإيمان والطاعة، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
فمن أراد عون الله ومدده الذي لا ينقطع، فليتحقق بالفقر إليه، وليعش في حقيقة ذلك الفقر مهما أوتي من أسباب الغنى والقوة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: ١٥).
فهذا هو بداية الطريق الصحيح للعلاج والعودة إلى الله، والذي يتولد عنه مشهد الافتقار إلى الله كما يقول ابن القيم: «فيشهد العبد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة، وافتقارًا تامًا إلى ربه ووليه، ومن بيده صلاحه وفلاحه، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل، الذي لا شيء فيه، ولا به، ولا منه ولا فيه منفعة، ولا يرغب في مثله، وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه»([1]).
٣- لا بد من زيادة انكسار النفس في هذه المرحلة، ولتحقيق ذلك بعد الجلوس مع النفس وتولد إرادة التغيير، وطلب العون والمدد بصدق من الله، ويكون ذلك بالجلوس مع المقربين منه، ويطلب من كل واحد منهم على انفراد أن يواجهه بعيوبه وأخطائه، وعليه أن يمهد الطريق لهم بأن يظهر أمامهم علمه التام بحقيقة مرضه، وأنه اكتشف الكثير عن نفسه، ويطلب المزيد منهم فهم مرآته، فيسمع من هذا ومن هذا، حتى يتم الاقتناع التام بحقيقة المرض، ومن ثم الانكسار والإحساس بالمرارة وخطورة الموقف، وليحذر من محاولة تبرير أخطائه أمام من يواجهه كيلا ينفر منه، بل عليه أن يظهر اقتناعه التام بما يقول؛ ليخبره صاحبه بكل ما لديه.
يقول ابن القيم في ذلك: «لو أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنب يكسره به، ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج به منه داء الكبر والمنة عليه وعلى عباده، فيكون ذلك بمنزلة الدواء ليستخرج به الداء العضال»([2]).
فكثرة ذكر الأخطاء في هذه المرحلة من شأنه أن يحدث انكسارًا وتوبةً واستغفارًا وندمًا.
٤- بناء الذات: ونقصد به الاهتمام بالبناء والتكوين الداخلي للعقل والقلب والنفس، فالعقل ينمو وتتسع مداركه بالعلم، فبدونه لن يستطيع الإنسان أن يسير سيرًا صحيحًا مأمونًا إلى الله، فالطريق إلى الله مليء بالعقبات، ولن يتمكن السائر فيه من رؤيتها إلا بالاستعانة بالله ثم التحصن بحصن العلم.
والقلب وهو محل المعرفة والإبصار في الإنسان المطلوب منه عبادة ربه ومولاه، وتتمثل هذه العبادة في الخضوع له، والاستسلام لقضائه وقدره، والإنابة إليه، والخشية منه، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، وحب ما يحبه، وبغض ما يبغض، والتحاكم إليه، والغضب من أجله، هذا القلب إن لم يتعهده صاحبه فسيصدأ وستنطمس مرآته، لذلك فإن الاهتمام به وعودة الإشراق إليه لمن أهم المحاور في طريق البناء.
والاهتمام بالقلب يبدأ بالتوبة النصوح من ذنوبه في الماضي، وإزالة الحجب التي تكونت أمامه، ثم تعهده بعد ذلك ليستمر إشراقه، وهذا لن يتم إلا بالمداومة على فعل الصالحات، والتي من شأنها تغذية شجرة الإيمان في القلب؛ فتنمو وتزدهر، فينعكس ذلك على مرآته فيزداد إشراقها.
فعلينا أن نحافظ على صلاة الجماعة في المسجد، وأن نبكر في الذهاب إليه، وننتظر الأذان كلما سنحت الفرصة، ثم نلحق بأورادها وأذكارها المأثورة وسننها، وعلينا أن نستيقظ قبل الفجر كل ليلة فنصلي- ولو ركعتين- نناجي فيها مولانا خاشعين متضرعين مستكينين، وأن نصلي الفجر في المسجد، ونجلس فيه حتى طلوع الشمس، ونملأ هذا الوقت بقراءة القرآن وأذكار الصباح، وليتخذ الواحد منا لنفسه وردًا يوميًا من القرآن والأذكار.
وعلينا كذلك الإكثار من الصيام والصدقة والدعاء، وزيارة المقابر، واتباع الجنائز، ومع كل هذا لا بد لنا من الابتعاد عن أكل الحرام، وكل ما فيه شبهة، فأكل الحرام يمرض القلب مرضًا شديدًا يصعب معه العلاج.
أما النفس فلابد من جهادها وترويضها، وهذا يحتاج إلى مجهود ضخم؛ لأنها محبوبة، وما تدعو إليه محبوب، فهي لا تدعو إلا إلى ما تشتهي.
وجهاد النفس يبدأ بمخاصمتها ورفع راية الجهاد عليها، قال ابن المبارك في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: ٧٨) هو جهاد النفس والهوى.
فلا بد في البداية من وقفة قوية مع النفس بعيدًا عن الضوضاء، نتذكر فيها أعمالنا، ونسأل أنفسنا عن دوافع هذه الأعمال، فإذا ما تم لنا ذلك على الوجه الصحيح، وحدد كل منا نقاط ضعفه واعترف بها، يبدأ بعد ذلك في العلاج، وهو بصورة عامة سلوك مسلك المضاد.
فمن رأى في نفسه إحساسّا بالذات، وشعورًا بالأفضلية والفوقية على ؛غيره فليبدأ في تكلف أفعال المتواضعين مدة طويلة، وليكثر من الجلوس مع الفقراء والمساكين؛ وليبحث عمن لهم أثر في الدنيا من أصحاب الدعوة والعلم، وليقترب منهم لتقتنع نفسه بأن هناك من هم أفضل منه، ومع ذلك لم يصبهم ما أصابه من الكبر والغرور، بل كانوا أكثر تواضعًا منه.
ومن رأى في نفسه حب الكلام والاستئثار بالحديث، فليلزم نفسه الصمت، وليجاهدها على ذلك، ومن رأى في نفسه عدم حب الخير للأقران، فليدعو لهم بظهر الغيب، وليذهب لتهنئتهم كلما وردت عليهم نعمة، وليكثر من مدحهم في غيابهم أمام الآخرين.
وهكذا بدوام التكلف مدة ليست بالطويلة تصير الأخلاق المتكلفة طباعًا راسخة في نفس الإنسان. وكما يقولون أنه إذا ما انحرفت السيارة إلى أقصى اليسار علينا أن ندير عجلة القيادة إلى أقصى اليمين لتصبح السيارة في منتصف الطريق.
٥- المداومة على مراقبة النفس ومحاسبتها وعقابها عند الضرورة.
وذلك لن يتم إلا إذا اتخذ الواحد منا لنفسه وردًا للمحاسبة اليومية، ويمكن أن يبدأ بنقطة أو نقطتين من نقاط ضعفه النفسي يتم التركيز عليها وتكلف ضدها، ويستمر على ذلك حتى تصير طبعًا فيه، فينتقل إلى نقطة أخرى إلى أن ينتهي من جميع نقاط ضعفه، وليبدأ بالأسهل لكي يكتسب الثقة، ويرى ثمار المجاهدة بعينه.
وحين نحاسب أنفسنا علينا الاشتراط عليها عدم المعاودة، فإن عادت إلى الخلق السيئ فلننتهرها ولنعاقبها عقابًا مؤلمًا.
قال رجل لعمر بن العزيز: متى أتكلم؟ قال إذا اشتهيت الصمت، قال: ومتى أصمت؟ قال إذا اشتهيت الكلام، وكان رحمه الله إذا كتب كتابًا فخاف فيه العجب مزقه، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي([3]).
وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح، فيضع إصبعه ثم يقول حس، ثم يقول: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟
ويقول عروة بن الزبير- رضي الله عنهما- رأيت عمر بن الخطاب– رضي الله عنه– على عاتقه قربة ماء، فقلت: «يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا؟! فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها».
وكان ابن تيمية إذا أثنى عليه في وجهه يقول: «والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا»([4]).
ويختلف نوع عقاب النفس باختلاف الأشخاص، فقد يكون العقاب بإخراج جزء من المال وإنفاقه في سبيل الله شديد على النفس عند البعض، وقد يكون العقاب بإخراج النفس والكشف عن بعض سوءاتها أمام الناس أشد إيلامًا عند البعض الآخر، فالمهم هو تحقيق المقصود، وهو إشعار النفس بأن هناك عقوبة مؤلمة في انتظارها لو خالفت العهود، واسترسلت في أفعالها الخاطئة.
ومن الأمور الهامة التي تعين الإنسان على جهاد نفسه الصوم، فلنكثر من الصوم في هذه الفترة، فالنفس- كما يقول الإمام أبي حامد الغزالي- لا تنكسر ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع له، وتقف على عجزها.
٦– صحبة الأفاضل والأخيار، ومن هم أعلى منه كعبًا في المواهب والقدرات، وبخاصة في الأمور التي يظن أنه مميز فيها، فلو كان يرى نفسه مميزًا في الخطابة وموعظة الناس؛ فليقترب ممن هو أفضل منه في ذلك، فيشاهد تأثيره وسط الناس؛ لتقتنع نفسه بأنه ليس الأفضل في هذا المجال، وهكذا في بقية المجالات التي يرى أنه مميز فيها.
٧– دوام القراءة في سير الصالحين، ودراسة أحوال المتواضعين، ولتكن البداية بدراسة سيرة الرسول- عليه الصلاة والسلام– ليرى كيف كان تواضع سيد الخلق، ويطلع كذلك على سير الصحابة والسلف؛ ليرى كيف كان حالهم وتواضعهم الشديد بالرغم من المستوى الرفيع الذي وصلوا إليه.
٨– لا بد من وجود قوة دافعة تعين الواحد منا على الاستمرار في العلاج، وعدم الفتور والتكاسل، هذه القوة الدافعة هي الخوف المفزع من الله– عز وجل– ومن القدوم عليه ونحن بهذه الحالة، والخوف كذلك من النار وما فيها من سلاسل وأغلال وزقوم ولهيب.
هذا الخوف سيدفعنا حتمًا إلى العمل على ترك المعاصي؛ كيلا نغضب الله- عز وجل- فيذيقنا كما قال تعالى: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النحل: ٩٤)، ويخلي بيننا وبين أنفسنا، ويقطع عنا مواد توفيقه.
وكلما زادت نسبة الخوف داخلنا زادت الهمة والتشمير للتخلص مما لحق بنا من مظاهر الضعف النفسي.
([1]) مدارج السالكين.
([2]) مدارج السالكين.
([3]) كتاب ذم الهوى لابن الجوزي.
([4]) مدارج السالكين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل