العنوان الخدمات الإعلامية الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي
الكاتب موسي الزعبي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
مشاهدات 88
نشر في العدد 586
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
الخدمات الإعلامية التي تقدمها دول مجلس التعاون الخليجي للجاليات الناطقة بالإنجليزية تعتبر خدمات متميزة ونادرة، لا يماثلها في بقية أقطار الوطن العربي الأخرى خدمات مماثلة ولا يقابلها في نفس الوقت خدمات مشابهة في أي من الدول الغربية وأمريكا للترفيه عن الجياليات العربية أو الإسلامية.. فالخدمات الإعلامية التي تقدمها دول مجلس التعاون تشتمل على: الإذاعة والتلفاز والصحافة كذلك، وهي كلها خدمات محلية تصدر في نفس تلك الدول، هذا غير التسهيلات الأخرى التي توجد لتيسر استيراد المجلات والصحف والكتب والنشرات الصادرة باللغات الأجنبية من العالم العربي، وهذا النوع الأخير من الخدمات بالذات يوجد ما يماثله في العالم الغربي.
فبالنسبة للصحف والمجلات فإن هناك ما لا يقل عن عشر مطبوعات تصدر باللغة الإنجليزية، منها اثنتان في الكويت، واثنتان في قطر، واثنتان في الإمارات، واثنتان في السعودية، وواحدة في البحرين، وواحدة في عمان، وهي تتراوح ما بين صحف يومية أو أسبوعية أو مجلات أسبوعية أو شهرية.
وأما بالنسبة للخدمات التلفزيونية، فإن كل تلفزيونات الكويت وقطر وأبو ظبي وعمان والسعودية تتضمن في برامجها نشرات إخبارية خاصة باللغة الأجنبية. هذا غير الكم الكبير من التمثيليات والمسلسلات والاستعراضات الغنائية الأجنبية.. أما تلفزيون دبي في الإمارات. وكذلك البحرين. فقد أفردا في كل منهما قناة خاصة للبرامج الأجنبية الناطقة باللغة الإنجليزية ولا يشتمل إلا على البرامج والمواد الغربية. وهذه خدمات فريدة لا يقابلها خدمات مماثلة في العالم الغربي بالنسبة للصعيد التلفزيوني على الإطلاق..
أما بالنسبة للخدمات الإذاعية. فتوجد إذاعات خاصة ناطقة باللغة الإنجليزية للترفيه عن الرعايا الأجانب تشتمل على برامج إذاعية وموسيقية ونشرات أخبار، وبعضها يشرح الإسلام كما في الكويت غير أن هذه الحالة لا تعتبر قاعدة بالنسبة للمحطات الإذاعية الأخرى.
والخدمة التي تعتبر بحق فريدة من نوعها، وغير قابلة للتفسير هي محطات «الإف. إم» الإذاعية والمنتشرة في المنطقة بشكل غريب، وتستمر في إذاعة الموسيقى الغنائية الأجنبية والكلاسيكية الغربية لأكثر من ثماني عشرة ساعة يوميًا في كل من الكويت، وقطر، والإمارات، والبحرين، وعمان، وهي في غالبها تقتصر على الموسيقى الغربية إلا أن بعضها يقدم بعض البرامج والمسلسلات الإذاعية كما في دبي والبحرين.. وهذه الخدمات لا مثيل لها بالنسبة للجاليات العربية في العالم الغربي على الإطلاق، وعلى الأقل- في حالة وجودها- لا تكون بهذه القوة ولا تحظى بالرعاية والإشراف الحكومي. ففي بريطانيا مثلًا يوجد الكثير من الهنود والباكستانيين والعرب، ومع ذلك فإنه لا توجد محطات إذاعية وتلفزيونية للترفيه عنهم أو ناطقة بلغتهم على أقل تقدير. بل إنهم مجبرون على سماع الإذاعات المحلية ومشاهدة البرامج العامة الخاصة بالشعب البريطاني.. وكذلك الحال في فرنسا ودول أوربا الغربية التي يوجد فيها عدد كبير من المهاجرين والعمال الجزائريين وخاصة في الجنوب، غير أن الحكومة لا تخصهم بأي نوع من أنواع الرعاية الإعلامية.. بل ولا تشجع على ذلك، وقد تعتبرها من المسائل الحساسة التي تهدد أمنها القومي بالخطر..
وفي حين نجد أن تلك الخدمات التي تقدمها دول مجلس التعاون الخليجي لخدمة الرعايا الأجانب المقيمين على أرضها نجد أن الإذاعات الغربية والناطقة بالعربية وباللغات التي تتحدثها الشعوب الإسلامية الأخرى «إذاعات وبرامج موجهة» إلى البلدان العربية والإسلامية. كما في الحال «صوت أمريكا» و«إذاعة لندن- القسم العربي». وكذلك الإذاعات العربية الأخرى الموجهة من هولندا وألمانيا الغربية وأسبانيا والنمسا وإذاعة موسكو.
ومعظم هذه الإذاعات الغربية الموجهة تشتمل في معظمها على مواد وبرامج غريبة. تعكس ثقافة وحضارة البلد الذي يبث الإذاعة وعقيدته وأيديولوجيته الخاصة بالإضافة إلى البرامج الثقافية والتاريخية الغربية، غير أنها تذيع الأغاني العربية المحببة والشائعة كعامل جذب للاستماع إلى ما تريده من برامج تعرض ما تريد، هذا بالإضافة إلى الموسيقى والأغاني الغربية الموجهة إلى البلاد العربية. وهي بالتالي تنهج نهجًا مخالفًا للسياسة الإعلامية المتبعة في الدول العربية والإسلامية من عرض للبضاعة الغربية على الغربيين المقيمين لديها. وعلى شعوبها كذلك!
فكمية البرامج التي تعرض الإسلام في تلك الإذاعات عامة لا تتجاوز 10% من كمية البرامج المبثوثة عبر الإذاعة، وهذه النسبة تقل إلى 5% فقط في التلفزيون والصحافة. أما ما تبقى فإنه برامج تتصل بالحضارة الغربية بالكلية.
وعلى حين توجد في منطقة الخليج خمس محطات إذاعية لموجة «الأفلام» عدا الإذاعات العادية الأخرى تبث جميعها الموسيقى والبرامج الغربية، فإنه لا توجد سوى إذاعة واحدة مختصة في بث القرآن الكريم والمواد الإسلامية الأخرى ومقرها في السعودية، غير أن بثها لا يتساوى في قوته مع بث المحطات الغربية الأخرى.. وهنا إذاعات متقطعة للقرآن الكريم على موجة «الإف- إم» قبل الغروب في دولة الإمارات، غير أنه يعقبها موسيقى وبرامج غربية.. وعلى حين أن محطة «الإف- إم» الموجودة في الكويت تبث الموسيقى الغربية والأغاني الأجنبية من الساعة الثامنة صباح كل يوم وحتى الثانية بعد منتصف الليل «أي بمعدل 18 ساعة بث متواصل يوميًا». فإن إذاعة القرآن الكريم لا يتجاوز بثها اليومي 3 ساعات يوميًا وذلك من الساعة الخامسة حتى الثامنة صباحًا أي في الفترة التي تكون فيها الغالبية العظمى من الناس لازالت في فراش النوم.
هذا بالإضافة إلى أن معظم تلك الإذاعات الناطقة بالإنجليزية غير موجهة لخدمة الإعلام العربي والإسلامي وقضاياه المصيرية بعرضها عبر تلك الأبواق العلمية البعيدة المدى على الرأي العام الغربي.. بل هي مقتصرة في مهمتها على الترفيه عن الرعايا الأجانب في بلادنا العربية، رغم أن الرعايا العرب- كما قلنا- لا يتمتعون بخدمات إعلامية مماثلة في الدول العربية والأمريكتين.. كما أن هذه الأبواق الإعلامية لا تعرض من العقيدة الإسلامية والحضارة الإسلامية إلا نزرًا يسيرًا، مع أنها فرصة ملائمة لإفهام هؤلاء الغربيين هذه العقيدة وهذه الحضارة ما داموا في بلادنا، بدلًا من رد بضاعتهم إليهم، بل ونشر هذه البضاعة بين شعوب المنطقة مما يشكل غزوًا ثقافيًا وحضاريًا ينطلق من نفس هذه البلاد وبأيدي أبنائنا إلى عقول مواطنيها. وهو خطر عظيم..
فنسبة البرامج الإسلامية المعروضة عبر وسائل الإعلام في منطقة دول مجلس التعاون لا تتجاوز 20% بحال من الأحوال، وخاصة من الإذاعية والتلفزيون. في حين أن نسبة البرامج والمسلسلات الغربية تتجاوز نسبة 45% والنسبة الباقية تتوزع على المسلسلات المصرية والعربية والأغاني والبرامج الأخبارية والأدبية والعلمية!.
وإذا نظرنا إلى نسبة البرامج التي تعرض الثقافة والحضارة الإسلاميين والتاريخ الإسلامي. لوجدنا أن هذه النسبة لا تتعدي 7% على مدار العام من مجموع المواد الإعلامية المعروضة أمام المواطن العربي والمسلم في هذه المنطقة. وهي نسبة ضئيلة تحرم المواطن المسلم من تأصيل ارتباطه الثقافي والحضاري والتاريخي بالإضافة إلى ارتباطه العقيدي بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، وهي حين تعرض عليه في نفس الوقت الثقافة الغربية والأدب الغربي والتاريخ الغربي والأغنية الغربية والمسلسلات التي تعرض نمط الحياة الاجتماعية الغربية، وطرق الحلول الغربية للمشاكل الاجتماعية عبر تلك المسلسلات «والتي يتركز معظمها على الحياة العائلية». تضعف ارتباطه الحياتي اليومي بالإسلام يومًا بعد يوم وتشده إلى العجلة الغربية في كل شيء بعد أن تشبه بهم ابتداءً باللباس وطريقة العيش والإتيكيت والبروتوكولات الاجتماعية!.
أما أفلام الكاوبوي الأمريكية والتي تشكل نسبة 65% من نسبة الأفلام الأجنبية المعروضة لدى شاشة التلفزيون الخليجية، فتؤصل في ذهنه الانهزامية أمام التقدم التقني الغربي، وانكسار السهم الهندي الأحمر في مواجهة المسدس الأمريكي سريع الطلقات..
كما تعرض له «الأمريكيين» في صورة «أبطال» يحترمون العهود ومواثيق السلام مع الهنود الحمر «الخونة». وهي في نفس الوقت تعرض له دروسًا في التاريخ الأمريكي في الوقت الذي يحتاج فيه إلى دراسة ومعرفة تاريخية الإسلامي العريق..
وهكذا نرى في المحصلة أن السياسة الإعلامية الحالية والتي تخدم الجاليات الأجنبية على وجه الخصوص، لا تخدم أهل المنطقة ولا شعوبها ولا تساهم في تأصيل ارتباط أهلها بعقيدتهم وتراثهم وحضارتهم وتاريخهم الإسلامي، بل على العكس من ذلك تمامًا من حيث إنها تدفعهم في اتجاه معاكس.. ولا بد من الإدراك بأن المسألة أكبر من مسألة تسلية وترفيه بريئين. بل إنه قضية عقيدة في مواجهة عقيدة، وحضارة في مواجهة حضارة، ومنهج عالمي في مواجهة منهج عالمي، وتراث وتاريخ وثقافة في مواجهة تراث وتاريخ وثقافة.. وذلك هي حقيقة المسألة.. بل إنها كذلك مسألة من مسائل الأمن القومي.. فإن بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في عهد كارتر يرى في كتاب كتبه منذ عشر سنوات أنه مما يبقي أمريكا في موقع الصدارة أن تحاول تصدير نمط الحياة الأمريكية إلى كل بلدان العالم، بدءًا بما يسمى بحقوق الإنسان وانتهاء بتصدير نمط الحياة الأمريكية «الجينزا، الديسكو، العادات، التقاليد...».. وهذا بالضبط ما تساعد السياسة الإعلامية الحالية على تحقيقه، وهو أمر له خطورته.. وعلى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي المشترك أن تضع هذا في اعتبارها وهي تضع خطة إعلامية موحدة لخدمة شعوب المنطقة..
وعلينا أن نقارن بين الإعداد المتقن للمسلسلات الأجنبية من حيث القصة والحوار والتنفيذ، وبين المسلسلات العربية التي اختارها لنا التلفزيون من التراث العربي فجاءت مهلهلة مخجلة مثل «ابن سينا» وما يسمى بـ«بدر الزمان» والتي حفلت بسخافات أنف حتى الأطفال منها، وذلك كي نسمع ونرى في المستقبل ما ينفع ويسر، ولا يؤذي ولا يضر..
تنويه
كنا قد نشرنا في العدد الماضي 585 تقريرًا عن دور النظام السوري في عملية أنقرة التي نفذها مؤخرًا مجموعة من الأرمن للقيام بسلسلة من العمليات التخربية ضد المنشآت الاقتصادية التركية.
ولما كان التقرير قد تناول خطأ وجود عناصر فلسطينية فدائية في العملية. فإننا ننوه بأن النظام السوري هو الذي كان وراء إثارة الأرمن وإرسالهم للقيام بالتخريب ولا علاقة للعمل الفدائي من قريب أو بعيد فيما ذكر.