; الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان | مجلة المجتمع

العنوان الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1985

مشاهدات 94

نشر في العدد 740

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 05-نوفمبر-1985

* الخميني على علم تام بمدى الخطر الذي يحيط بالثورة الإيرانية نتيجة الخلافات بين القوى المختلفة.

 

إن استقرار الطبقة السطحية لمياه البحر لا يعني عدم وجود تيارات متعددة في الأعماق تنتظر الأجواء المناسبة لتتحرك نحو السطح مهددة هدوءه واستقراره.

 

  وهذا المثل ينطبق تمامًا على الحركة الشيعية سواء في إيران، أو العراق، أو لبنان؛ فالاستقرار الظاهري الذي يمكن أن يخدع الكثير يخفي وراءه خلافات عديدة وعميقة، يمكن إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة أن تمزق الغشاء الباهت لهذا الاستقرار الظاهري، وهذا التصور لا يقتصر على الحركة الشيعية الإيرانية، بل يمتد ليشمل الحركة الشيعية في العراق ولبنان.

 

أولًا- النموذج الإيراني:

 

  من المعروف أن الحركة الشيعية في إيران لم تكن معروفة جماهيريًا خارج إيران في عهد الشاه، إلى أن كانت البدايات الأولى للثورة ضد عرش الطاوس في عام 1978 حيث كانت الاعتصامات والمظاهرات الشعبية تجتاح المدن الإيرانية بما فيها العاصمة طهران، مطالبة بسقوط الشاه الذي كان يملك أكبر قوة ضاربة في منطقة الشرق الأوسط، وكانت هذه المظاهرات تتم بتحريض مباشر من رجال الدين، على رأسهم الإمام الخميني الذي كان منفيًا خارج إيران لمعارضته نظام حكم الشاه، ومنذ ذلك الحين بدأت أخبار هذا التحرك الشيعي في إيران تصل إلى مسامع العالم بأسره، وخاصة في بلدان الشرق الأوسط؛ حيث تقطن الجاليات الشيعية التي تأججت عواطفها بعد الانتصار الساحق الذي حققته الحركة الشيعية في إيران على نظام حكم الشاه، ودخول الخميني طهران ليقيم دولته الشيعية التي كان ينادي بها منذ أكثر من (40) عامًا، إلا أن هذا الانتصار الكبير لم يمنع ظهور الملامح الأولى للخلاف بين أركان النظام الجديد في طهران، وسنحاول هنا وباختصار استعراض هذه الخلافات بما يتفق مع المساحة المحددة للمقال الأسبوعي.

 

الثورة وبازركان:

 

   يعتبر الخلاف بين رجال الدين وبين مهدي بازركان هو الأول من نوعه بعد انتصار الثورة الإيرانية، ومن المعروف أن بازركان كان أول رئيس وزراء في عهد الثورة، وقد تم ترشيحه لهذا المنصب من قبل الإمام الخميني مباشرة؛ نظرًا لما يتمتع به بازركان من قبول عند جميع الأطراف والفئات التي شاركت بالثورة والإطاحة بنظام الشاه، وكان بازركان يعمل ضد الشاه من خلال الجبهة الوطنية التي ضمت كريم سنجابي، وبازركان، والطالقاني وغيرهم، بالإضافة إلى مجموعة دينية، وقد تعرض بازركان مع العديد من أعضاء الجبهة للاعتقال لمعارضتهم نظام الشاه، ولهذا فإن قيام الخميني باختياره كأول رئيس لحكومة الثورة كان يهدف إلى احتواء كافة الفرقاء الذين عملوا على إسقاط الشاه، ولكن هذا الاتجاه لم يكن مقبولًا لدى رجال الدين الذين كانوا يهدفون إلى حصر كافة المسؤوليات بأيديهم، لهذا انتهزوا فرصة اجتماع بازركان مع المستشار الأمريكي بريجنسكي في الجزائر ليشنوا عليه حملة شعواء اضطرته للاستقالة.

 

الثورة وبني صدر:

 

  مع أن التناقضات والخلافات عاشت مع الثورة الإيرانية منذ بدايتها، إلا أنها كانت واضحة المعالم في عهد الرئيس الإيراني المنتخب أبو الحسن بني صدر، الذي احتضنه الإمام الخميني، ورشحه لمنصب رئاسة الجمهورية، ومع هذا فإن بني صدر كان على تناقض مع رجال الدين الذين كانوا ينضوون تحت لواء الحزب الجمهوري الذي أسسه آية الله بهشتي، وكان الخلاف يشتد يومًا بعد يوم بين الحزب الجمهوري وبين بني صدر الذي كان يرفض تدخل رجال الدين في المسؤوليات السياسية، ومع أن الخميني هو الذي رشح بني صدر الذي انتخب رئيسًا للجمهورية بنسبة كبيرة جدًا، إلا أنه لم يقف معه حين اشتد الخلاف بينه وبين رجال الحزب الجمهوري، مع أن الخميني كان بوسعه حل هذه الخلافات لكونه الرجل الوحيد الذي يمسك كل الخيوط بيده، إلا أنه وقف على الحياد في الصراع بين بني صدر والحزب الجمهوري، وكان الفريق الأول الذي يضم قادة الحزب الجمهوري أمثال آية الله بهشتي، وخامنئي، ورافسنجاني، ورجائي، بينما يتكون الطرف الآخر من بني صدر، وبازركان، وإبراهيم يازدي، وغيرهم.

 

  وكان الإمام الخميني يترك الجميع لتصفية بعضهم البعض، ولما تمكن رجال الحزب الجمهوري من محاصرة بني صدر تخلى عنه الخميني، مع أنه انتخب من قبل الشعب مباشرة، وبما يشبه الإجماع إلا أن هذا كله لم يمنع من سقوطه نتيجة الحصار المستمر الذي تم إحكامه من قبل رجال الحزب الجمهوري، وهذه الخلافات لم تسقط بني صدر وحده، بل أسقطت كل العناصر التي كانت ترى عدم تدخل رجال الدين في المسؤوليات السياسية، من أمثال إبراهيم يازدي، وكريم سنجابي، وصادق قطب زاده، وأحمد المدني، وغيرهم.

 

  وبهذا تم لرجال الدين وخاصة رجال الحزب الجمهوري أن يجعلوا جميع السلطات بأيديهم، ولكن هل انتهى عهد الخلاف بعد إقصاء المجموعات المدنية عن الحكم؟

 

الخلافات بين رجال الدين:

 

  بعد انتهاء دور المجموعات المدنية من بازركان إلى بني صدر بدأت تظهر على الساحة الإيرانية وبوضوح الخلافات بين رجال الدين أنفسهم، وبشكل خاص بين المجموعة التي تطلق على نفسها اسم جماعة الحجتية، وبين جماعة خط الإمام، وكان الخلاف بينهما محكمًا بحيث كان الخميني يؤيد تارة هؤلاء، وتارة أخرى أولئك؛ لأنه لم يكن يريد أن تستأثر واحدة من الجماعتين بالسلطة، وكان الخلاف بين جماعة الحجتية الذي يمثلهم آية الله كلبايكاني، والنجفي، والمرعشي، وبين جماعة خط الإمام الذين تمكنوا في النهاية من وضع كافة الأمور بيدهم بعد إقصاء جماعة الحجتية عن المسؤولية، واستقالة وزرائهم من وزارة حسين موسوي.

 

  ونتيجة لهذا فقد أصبح الحزب الجمهوري هو سيد الموقف على الساحة الإيرانية، وقد تمكن الحزب من السيطرة على مجلس الخبراء، وفرض الدستور الذي يناسبه والذي يقوم على أساس ولاية الفقيه، كما تمكن الحزب من إبعاد أحد رموز الثورة الإيرانية وهو آية الله طالقاني الذي كان يعارض مبدأ الفقيه، والذي مات بعد ذلك بظروف غامضة، وبموته أصبحت الساحة خالية أمام الحزب الجمهوري للاستئثار بتأييد الخميني؛ حيث مكنهم هذا التأييد من إزاحة بني صدر وتمكين رئيس الوزراء المعادي لبني صدر محمد علي رجائي، ومن ثم التمكين بعد ذلك لعلي خامنئي في منصب رئاسة الجمهورية، ولذلك كان استئثار الحزب الجمهوري بكل شيء دافعًا مباشرًا لنسف مقر الحزب الجمهوري في طهران؛ حيث قتل آية الله بهشتي زعيم الحزب وعشرات من قادة وأعضاء الحزب، وبعد مقتل بهشتي قفز كل من علي خامنئي رئيس الجمهورية وهاشمي رافسنجاني رئيس مجلس الشورى إلى قمة السلطة في إيران.

 

  ولم يقتصر الخلاف بين رجال الدين على الحجتية والحزب الجمهوري، بل كان الخلاف محكمًا بين الكثير من آيات الله وبين الخميني، ولا ننسى هنا موقف آية الله شريعتمداري من سلطة الخميني، حتى يعتقد شريعتمداري بأن رجال الدين يجب ألا يكونوا أكثر من مستشارين بدون أن يمارسوا النشاط السياسي مباشرة، ولهذا فقد رفض المشاركة في الاقتراع على الدستور الإيراني الذي نظمه الحزب الجمهوري، وقد وصل الخلاف بين الخميني وشريعتمداري إلى حد قيام مجموعات مسلحة مؤيدة للخميني بإطلاق النار على منزل شريعتمداري في مدينة قم، ورغم اللقاءات التي تمت بين الاثنين إلا أن شريعتمداري ظل متمسكًا بموقفه حول دور الخميني في سياسات البلاد، ونتيجة لذلك فقد تم عزل شريعتمدراي عن ممارسة أي دور على مسرح السياسة الإيرانية وبما يشبه الإقامة الجبرية.

 

  ولم يقتصر الخلاف بين الخميني ورجال الدين الآخرين على شريعتمداري، بل تعداه إلى الكثير من آيات الله، مثل آية الله الخوئي الذي عارض الحرب العراقية الإيرانية، وأصدر فتوى بتحريم هذه الحرب التي تجري بين المسلمين، وهناك أيضًا آية الله الطبطبائي القمي الذي يهاجم باستمرار الحرب، كما يهاجم مبدأ ولاية الفقيه الذي يستند إليه الخميني في حكم إيران، وهناك أيضًا آية الله شهاب الدين حسيني، وآية الله محمد رضا غولبا، ويقول الإمام الخميني في ما يشبه الاعتراف بوجود الخلافات: إذا كان هناك نزاع بين المؤسسات الدينية والحكومة وبين المؤسسات الدينية والبرلمان وبين البرلمان والحكومة- فإننا سنمنى بالهزيمة.

 

الخلاف ومرحلة ما بعد الخميني:

 

  القلق الذي يسود الأوساط الإيرانية يتعلق بالسؤال الذي يفرض نفسه على جميع الإيرانيين، وهو ماذا سيحدث بعد وفاة الخميني؟

 

  وهذا السؤال الذي يعيشه الإيرانيون باستمرار يعود إلى كون الخميني هو الشخص الوحيد الذي استطاع مسك جميع الخيوط بيده، وتمكن من احتواء وتجميد الخلافات القوية بين القوى المختلفة العاملة على الساحة الإيرانية، ولكن بعد وفاته ماذا سيكون مصير الثورة الإيرانية؟

 

  إن الخميني على علم تام بمدى الخطر الذي يحيط بالثورة الإيرانية نتيجة الخلافات بين القوى المختلفة، ولذا عمد إلى تشكيل مجلس الخبراء الذي يختار الخليفة حسب وصية الخميني التي أودعها لدى أمانة سر المجلس، على أن تفتح فقط بعد وفاته، ويعتقد أن وصية الخميني تنص على اختيار آية الله حسين منتظري خليفة للخميني، ولكن المعارضين لمنتظري يرون أنه رجل ضعيف سياسيًا، ولا يملك قوة الشخصية التي يملكها الخميني، إضافة إلى أن منتظري يختلف في كثير من الأمور مع اتجاهات الخميني، لذلك ترى هذه الأوساط أن من المحتمل أن يقوم الخميني بتشكيل (لجنة حكم) لخلافته؛ محاولة منه تطويق الخلافات التي تهدد الثورة بعد وفاته، وحتى إذا تم اختيار منتظري فإنه لن يتمكن من بسط نفوذه على البلاد، وهذا يؤدي إلى ازدياد رقعة الخلاف بين القوى الإيرانية من مجموعة رئيس الجمهورية خامنئي إلى مجموعة رئيس البرلمان هاشمي رافسنجاني، إلى حرس الثورة، إلى القوات المسلحة وتجار البازار، وحركة مجاهدي خلق المعارضة لنظام الملالي...إلخ، فهل يحدث الصدام بعد وفاة الخميني؟

الرابط المختصر :