العنوان الخلافة الإسلامية.. حقيقتها وحكمها ومنهاج الوصول إليها
الكاتب وصي مظهر الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979
مشاهدات 85
نشر في العدد 444
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-مايو-1979
بعث الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتمًا للأنبياء والرسل، وشرح لنا الغاية التي بعثه من أجلها فقال عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (سورة الفتح: 28).
فكانت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم تبليغ الهدى وغلبة الدين وإظهاره. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام قام بواجبه أحسن قيام، فترك لنا القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هدى للناس، وترك لنا سنته بيانًا لما أنزل الله سبحانه لهدايتنا، وترك لنا نظام الخلافة الذي حافظ على جماعة المسلمين، وقام الخلفاء الراشدون بواجب إظهار الدين في جزيرة العرب بقمع فتنة الردة والتنبؤات الكاذبة، وخارج جزيرة العرب بالضربة القاضية على أقوى دول العالم في ذلك العهد دولة الفرس ودولة الروم.
فكانت هذه الخلافة تدعو الناس إلى الهدى، وكانت تحرص على جمع شمل المسلمين وترعى مصالحهم، وتقيم حدود الله فيهم وتنفذ قوانين الكتاب والسنة عليهم، وتدافع عن حوزتهم وتكسر من شوكة أعدائهم.
فالخلافة هي التي حفظت الكتاب والسنة، ويسرت للمسلمين ولغير المسلمين الاستفادة منهما والاستهداء بهما في متاهات الضلال والحيرة والاستضاءة من نورهما في غياهب الكفر والشرك والبدعة.
ولما قضي على نظام الخلافة انتثر شمل المسلمين، وغلب أعداء الدين، وطمست معالم القسط والعدل، واستولى على الناس الظلم والجهل، مع أن الكتاب والسنة موجودان، ولذلك قال سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه: «ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن».
- حقيقة الخلافة:
أما حقيقة الخلافة فنجد في ذلك نظريتين في علماء المسلمين لا يختلفان في جوهرهما، ولا في النتائج الحاصلة منهما.
أولاهما حسب شرح الشاه ولي الله المحدث الدهلوي رحمه الله (المتوفى 1176هـ) وهو ما جاء في كتابه الشهير «إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء»
«هي الرئاسة العامة لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية، وإقامة أركان الإسلام والقيام بالجهاد وما يتعلق به، من ترتيب الجيوش للمقاتلة وإعطائهم من الفيء والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم».
والنظرية الأخرى هي التي شرحها فضيلة الشيخ أبو الأعلى المودودي- حفظه الله- في كتابه باسم «نظرية الإسلام السياسية».
وسماحة الشيخ المودودي في نظريته لا يخالف الشاه ولي الله- رحمه الله- في بيان وظائف الخلافة وواجباتها، ولكنه يقول: إن الإنسان في الحقيقة هو خليفة الله تعالى في الأرض، ويجب عليه ألا يتصرف في أمور الدنيا إلا في حدود ما أنزل الله الملك الحق.. ولكن الكفار لما ادعوا لأنفسهم الحرية وأبوا أن يقضوا حياتهم على الكرة الأرضية كالخليفة اعتزلوا عن الخلافة وأصبحوا طغاة.
.. وأما المسلمون فآمنوا بالحقيقة وارتضوا لأنفسهم بأن يكونوا خلفاء الله في الأرض فلا يعملوا في أنفسهم ولا في أموالهم ولا في شيء من هذا العالم إلا حسب أوامر الله، فهم يتصرفون في حياتهم الفردية كخليفة وينصبون كذلك خليفة لهم ليتصرف في الأمور الاجتماعية حسب أوامر الله نيابة عنهم.
وتعبير الخلافة هذا يجعل الخليفة مسؤولًا أمام الله سبحانه وتعالى وأمام جمهور المسلمين ويجعل للمسلمين الخيار في نصب الخليفة، فلهم أن يعينوا من شاؤوا من المسلمين، خليفة لهم.
- الخلافة الراشدة وما بعدها:
وهذه الخلافة ما زالت قائمة إلي أن ألغاها أشقى القوم كمال أتاتورك، وإن كانت الخلافة الراشدة المهدية لم تدم إلا قليلًا كالصحة التامة، فإنه لا يحظى بها الإنسان إلا لفترة يسيرة من عمره، بل قد لا يحظى بها أصلًا. مع ذلك فإنك تجد إنسانًا إلا وينشد الصحة التامة ويحن إليها.
وكان إلغاء الخلافة ضربة قاضية على شعور المسلمين بوحدتهم في العالم فأمسوا بعد ذلك منقسمين إلي شعوب ينصب بعضها العداء لبعض، فأذاق الله- سبحانه- بعضهم بأس بعض، وتكالبت عليهم الأمم وذلوا وخذلوا.
وكذلك ألغيت الشريعة الإسلامية مع إلغاء الخلافة، وعزلت من أن تساير المجتمع المتطور. وإن كان الجمود تسرب إليها من قرون مع ذلك فإنها كانت تتماشى مع تقدم الحضارة ولو بتباطؤ.
فلم نفقد إذ فقدنا الخلافة أممًا بل وكأننا فقدنا كياننا وسلبنا ميزاتنا بأجمعها مادية وروحية وفردية واجتماعية.
- اختلاف الحركات الإسلامية في المنهج
والمسلمون في العالم كانوا يتألمون ألمًا شديدًا حين ألغيت الخلافة، فهم تربوا على حب الخلافة لما سمعوا من آبائهم قصصها المعجبة، وقرأوا في كتب التاريخ عن ذلك العصر الذهبي أعاجيب، لذلك هم دائمًا يتمنون لو رجع ذلك العهد المثالي، وهذا الرصيد من حب الخلافة في نفوس المسلمين هي التي استغلتها كل حركة إسلامية، وهو الذي يشعل في المسلمين جذوة التفاني والاستماتة في سبيل الحكم الإسلامي، أو بعبارة أخرى لإحياء الخلافة الإسلامية.
ولكن ما هو السبيل لإقامة الحكم الإسلامي وإحياء نظام الخلافة؟ لا شك أن هذا سؤال مهم ولم نهتد إلي جواب له مجمع عليه. لأن الحركات الإسلامية ظهرت في بلاد مختلفة وعملت في بيئات متغائرة فاختلفت مناهجها وتنوعت أساليبها للوصول إلي الغرض المنشود.
فهناك بلاد كانت تحت سيطرة الأجانب، وأخرى كانت حرة، ولكن نظام الحكم فيها كان في أيدي رجال متغربين ومتفرنجين، كانوا يؤمنون بالعلمانية ولا يأذنون للدين بأن يتدخل في الأمور الاجتماعية.
وكانت هناك بلاد فيها الأغلبية للكفار عددًا، أو غلبتهم عددًا وقوة وشوكة. واختلاف ظروف البلدان هذا كان سببًا لاختلاف مناهج العمل. وهناك سبب آخر لهذا الاختلاف وهو اختلاف هذه الحركات في كيفية التأثر من ثقافة الغرب وقدر التأثر منها.
مثلًا تجدون أن معظم هذه الحركات خضعت للنظم السياسية التي ارتقت وتبلورت في الغرب، وظن زعماء هذه الحركات إنه لا عيب ولا فساد في صورها، فالإسلام لا يأباها بل يقبلها إذا روعيت فيها مقاصد الإسلام وحوفظ على روحه.
فإذا ارتضينا لبلادنا مثل نظام الحكم البرلماني فلا بأس به إذا كانت الحاكمية فيه خاصة لله سبحانه، وإذا كانت الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًا للقانون فيه.
وهناك حركات إسلامية متصلبة وهي تقول إن النظم المختلفة التي جاءت من الغرب لا تناسب الإسلام صورة ولا معنى، فإنها نشأت تحت أسباب تاريخية ولها صلات ومبررات بالمجتمعات التي تطورت فيها.
وطابع هذه النظم المحلي والتاريخي لا يمكن أن ينفك منها فهي لا تلائم المجتمع الإسلامي أبدًا. وإذا اخترنا لبلادنا الحكم الإسلامي فلا بد من روحه وروحه لا توجد إلا في قالبه الذي ارتضاه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والذي درج عليه المسلمون ومضى عليه القرون المشهود لها بالهداية.
وزعماء هذه الحركات يقولون: خذوا مثلًا النظام البرلماني. وهو بطبعه يتطلب أن يكون في الشعب على الأقل حزبان. حزب يوافق الحكومة والآخر يخالفه. وحزب الحكومة دائمًا يؤازر الحكومة ولو كانت مخطئة، وحزب الاختلاف يخالف الحكومة ويسعى في هدمها ولو كانت محقة.
وهذه الأشياء كلها أجنبية في الحكم الإسلامي ، فالخليفة فيه يكون خليفة لجميع المسلمين يؤيده كل واحد إذا وجده على حق، ويقومه إذا رآه على باطل، فلا حزب للحكومة فيه ولا حزب للمخالفة.
لذلك فالنظام الغربي الذي اتصف بصفات خاصة، وامتاز بميزات ظاهرة، لا يجوز أن يجعل قالبًا للروح الإسلامية والمقاصد الشرعية.
فهذه الحركات لا ترضى من نظام الخلافة بديلًا، ولا تسلم لروح الإسلام وجودًا في غير قالبه، ولا تتصور الوصول إلى غاياته ممكنا إلا بالطرق التي علمها الإسلام وفصلها.
- المنهج المستقيم لإحياء نظام الخلافة
قد ظهر مما قدمنا أن نصب الخليفة واجب على المسلمين، وأن مصالح المسلمين الدينية والدنيوية تتقاضى بإحياء الخلافة، وأن النظم الأوربية على اختلافها لا تصلح لأن تكون بديلًا عن الخلافة، لذلك فيجب علينا أن ننتهج لأنفسنا منهجًا واضحًا مستقيمًا نتبعه في الوصول إلى الغاية المنشودة.
وها أنا أقترح بعض النقاط المهمة للمنهج:
1- دعاية قوية واسعة النطاق تخلق في جميع المسلمين وعيًا لمعنى الخلافة وطلبًا ملحًا لإحيائها، هذه الدعاية يجب أن تبين للمسلمين:
أ- معنى الخلافة وحقيقتها.
ب- أهميتها والحاجة إليها لمصالح الدين والدنيا.
ج- أهم ميزاتها وخصائصها التي تميزها عن النظم الأخرى.
د- الشروط التي يجب مراعاتها في نصب الخليفة.
هـ- مجلس الشورى واجباته وعلاقته مع الخليفة والأمة وكيفية تعيينه.
2- تأسيس جماعة لإحياء نظام الخلافة ويجب لمثل هذه الجماعة:
أ- أن تبتعد عن الاختلافات الفقهية كل الابتعاد، وتكون عضويتها عامة لجميع المسلمين إلا الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم كالقاديانيين... إلخ.
ب- وألا تتدخل أبدًا في السياسة الحزبية التي تشتت شمل المسلمين، ولتكن مناصرتها لفرد من الأفراد ولحزب من الأحزاب على قدر اقترابه من هدفها المنشود.
ج- وكذلك يجب عليها مناصرة الأمراء المسلمين عامة فيما فيه صلاح المسلمين وخاصة الأمراء الصالحين منهم والمهتمين بأمور الدين في بلادهم.
د - والاستفادة الكاملة من العلماء والمشايخ في تربية المسلمين عامة وخاصة في تربيه أعضاء الجماعة.
3- العمل في تقويه أواصر المسلمين في العالم، والاهتمام البالغ في خلق التفاهم والولاء بين الحركات الإسلامية في العالم وبين زعمائها.
4- الاجتناب عن الهراء والجدال بين المسلمين، والحرص في حل مشاكلهم التي يواجهونها في أي بلد من بلاد الدنيا.
5- ويجوز لأعضاء الجماعة أن يساهموا في سياسة البلاد بأن يقبلوا عضوية أحزاب وجماعات تضاهي أهدافها هدف الجماعة أو على الأقل لا تخالف هدفها.
وعلى كل حال فلا يجوز له أن يعمل هو عملًا يمس مبادئ جماعة الخلافة بسوء.
أرجو- بفضل الله وكرمه- أنه إذا انتدب لأداء هذا الواجب رجال مخلصون وركزوا مساعيهم عليه فإن المسلمين يقبلون إلى دعوتهم إقبالًا عظيمًا، لأن هذه الدعوة هي طلبة نفوسهم وأمنية قلوبهم، وحلم ما زالوا يرونه في يقظتهم مثل نومهم.
والله نرجو أن يوفقنا لما يحب ويرضى ويسدد خطانا فهو ولينا في الدنيا والآخرة، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل