العنوان الداعية والناس
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 04-فبراير-1997
المجتمع التربوي
مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا (۳)
يعلن الإمام الشهيد في مقدمة رسالة «دعوتنا» موقف الداعية من الناس بوضوح شديد، ففي فقرات ثلاث تحت عناوين: براءة... عاطفة.. لله الفضل والمنة، يحدد الإمام واجب الداعية تجاه الناس أجمعين.
فهو أولًا: لا يبتغي بدعوته مالًا ولا جاهًا ولا جزءًا ولا شكورًا، وهو من جهة ثانية يفدي الناس جميعًا بنفسه، ويعمل للناس في سبيل الله أكثر مما يعمل لنفسه.
وهو ثالثاً: لا يمتن على أحد بذلك، بل لله تعالى الفضل والمنة.
براءة يقول الإمام: «ونحب مع هذا أن يعلم قومنا- وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. (يوسف: ۱۰۸)
فلسنا نسأل الله شيئًا ولا نقتضيهم مالًا ولا نطالبهم بأجر، ولا نتزيد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاءً ولا شكورًا، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا، وإذا تصفحت رسائل الدعوة المختلفة التي كتبها الإمام الشهيد أو تدبرت في تاريخ الدعوة الذي سطرته يد القدر، أو تفحصت في حياة الدعاة الذين نذروا أنفسهم لهذا السبيل، فستجد هذه الحقيقة ناصعة بيضاء: أنهم يبذلون من مالهم ووقتهم وجهدهم حتى من دمائهم في سبيل الله تعالى كي يسعد الناس وتتحقق لهم حقوقهم في حياة حرة كريمة في ظل شريعة الله عز وجل.
أصناف المدعويين
فها هو الإمام الشهيد يبين في أصناف المدعوين الأربعة: المؤمن, والمتردد, والنفعي والمتحايل، فيقبل الأصناف الثلاثة، ويأمل فيهم خيرًا ويرفض بكل جلاء النفعي الذي يبتغي بالتحاقه بالدعوة مغنمًا من المغانم أو عرضًا من أعراض الدنيا، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل، وها هو يوضح في رسالة «بين الأمس واليوم», أن العقبات في طريقنا، ليس فقط الابتعاد عن طلب الدنيا، بل لابد من الاستعداد لمواجهة الصعاب وملاقاة الشدائد، وها هو يجعل «التضحية» ركنًا من أركان البيعة لهذه الجماعة ويعرفها بقوله: «بذل النفس, والمال, والوقت, والحياة, وكل شيء في سبيل الغاية», وهذا السلوك ليس ابتداعًا من عند الإخوان المسلمين، بل هي سنة الله تعالى في الدعوات، فما من نبي أرسله ربه إلى قومه إلا ولسانه ينادي: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ ( الأنعام: ۹۰).
وها هي الآيات تتوالى في سورة الشعراء على لسان جميع الأنبياء بنفس اللفظ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: آيات ۱۰۹، ۱۲۷ ، 145، ۱٦٤,۱۸۰) على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم، وها هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعرض قومه عليه الملك في عروض عدة من أجل ترك دعوته، فيرفض بإباء وشمم ويقول قولته الشهيرة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه أو يظهره الله عز وجل»، وقد قال هذه المقالة عندما ذهب وفد قريش يعاتب عمه أبا طالب ويراجعه مرة بعد مرة كما في كتب السيرة [راجع الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام للسهيلي, الجزء الثاني»]», وعندما ذهب زعماء قريش يفاوضون الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب وأبو جهل وكان فيما عرضوه علي النبي صلى الله عليه وسلم كما حكى ابن هشام في سيرته: «فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا»، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بي ما تقولون, ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا[«الروض الأنف - الجزء الثاني, ص ٣٦ ، دار الفكر, طبعة ۱۹۸۹م»]», ، ولقد ظلت هذه الشبهة معلقة على رؤوس الدعاة منذ قديم الزمان، ولم ينج منها الأنبياء صلوات الله عليهم بما فيهم رسولنا عليه الصلاة والسلام.
دعوتنا عالمية منذ نشأتها، تتجه إلى عامة المسلمين، بل هي إنسانية كما قال الإمام في رسالة «دعوتنا في طور جديد»: «أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية، أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا، أن يتعرف الناس إلى ربهم.. وأما أنها عالمية فلأنها موجهة إلى الناس كافة، لأن الناس في حكمها إخوة، ولهذا كانت دعوة الإخوان المسلمين ربانية إنسانية[مجموعة الرسائل، ص ١٢٥ - ١٢٦ بتصرف.]»
وتقرير هذه الحقيقة من الأهمية بمكان:
لأنه أولًا: يجعل الداعية أقرب إلى الإخلاص، وهو شرط للنجاة في الآخرة كما أنه شرط للنجاح في الدنيا في مجال الدعوة، فضلًا عن أنه ركن من أركان البديهة، فالأخ المسلم لا يطلب دنيًّا ولا مغنمًا، بل هو معرض للمخاطر بسبب انتسابه إلى هذه الدعوة.
ولأنه ثانيًا: يغلق الباب - باب الانتساب لهذه الجماعة- في وجه المنتفعين الذين كانوا الأيام وما زالوا كثرًا تموج بهم الساحة كما كانوا عند فجر الدعوة، حيث كان الانتساب إلى الأحزاب والهيئات يٌقاس بمدى ما يترتب عليه من مغانم شخصية، واسمع كلمات سطرها الإمام الشهيد في خطاب لأحد الباشوات في ذلك الزمان:
«والإخوان المسلمون يا رفعة الباشا لا يُقادون برغبة ولا برهبة، ولا يخشون أحدًا إلا الله، ولا يغريهم جاه ولا منصب، ولا يطمعون في منفعة ولا مال، ولا تعلق نفوسهم بعرض من أعراض هذه الحياة الفانية، ولكنهم يبتغون رضوان الله ويرجون ثواب الآخرة [مجموعة الرسائل - المؤتمر السادس, ص ٣٤٠.]»
ولم يكن هذا الكلام شعارات ترفع أو خطبًا تقال أو رسائل تكتب وتُدرس, ولكنه كان ولازال حقائق يعيشها أجناد الدعوة جيلًا بعد جيل، فها هو مؤسس الجماعة عاش نصف عمره الدعوي أو يزيد وهو مدرس بالمدارس الابتدائية يجمع بين التفرغ للدعوة بكل وقته وجهده وبين عمل يكتسب منه لقمة العيش حتى قرر مكتب الإرشاد أن يستقيل الأستاذ البنا من وظيفته الحكومية وأن يعمل بالمجلة التي يصدرها الإخوان براتب شهري، وخرج من الدنيا لم يعرف أنه ترك شيئًا يورث، ولم يرث أولاده إلا من أمهم التي عندما سأل الإمام الشهيد أحد المراسلين من أين ينفق؟ قال: من مال خديجة، إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تواسيه بنفسها ومالها.
ولقد عاصرت الأستاذ المرشد الثالث عمر التلمساني ودخلت بيته مرارًا، فكان أثاثه من أبسط ما يكون، بل كانت كراسي الصالون «حجرة الجلوس» تئن إذا جلسنا عليها، وكان يعيش حياة بسيطة وهو الذي تعود الرفاهية في حياته، وكان يستقبل في بيته كبار الشخصيات دون خجل, وعاش بسيطًا ومات دون أن يورث شيئًا، وكان يعيش على معاشه من نقابة المحامين كمحامي سابق، وها هو المرشد الحالي الأستاذ مصطفى مشهور حفظه الله قمة في البساطة: في ملبسه وفي مسكنه وفي مأكله وفي شأنه كله.
وإذا قارنا بين دعوة ودعوة، أو فكرة وفكرة ممثلة في أشخاص الداعين إلى كل منهما نجد أن الإخوان، وهم شركاء في الثورة التي قام بها الجيش أو الانقلاب كما كان يسمى في البداية في عام ١٩٥٢م، تحملوا السجون والمعتقلات ولم يساوموا على دعوتهم ولم يرضوا بالدني من الدنيا مقابل الخروج من عذابات السجون، بينما قبل الشيوعيون ذلك وخرجوا إلى مواقع الإعلام والفكر والمؤسسات الرسمية المختلفة مقابل حل الحزب الشيوعي المصري, ورضوا أن يكونوا ديكورًا لنظام مستبد سامهم سوء العذاب مقابل عرض من الدنيا قليل، وهو دأب من وصفهم الله تعالى وحذر منهم بأنهم مستحبون الحياة الدنيا على الآخرة.
عاطفة
وقد يتساءل القارئ: وما الذي يدفع شخصًا إلى أن يعتنق فكرة ثم يبذل نفسه في سبيل نشرها والدعوة إليها دون أن يعود عليه عائد من مغنم في الدنيا، بل يتعرض في سبيلها للمخاطر والمشاق؟! لنسمع إلى الإمام الشهيد وهو يقرر إجابة هذا التساؤل: «نحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا, فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا, وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا, فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن تكون عليكم يومًا من الأيام».
من أجل هذا الكلام! وما أجمل أن يتحلى به الدعاة!أخلق بالدعاة أن يتأملوا هذه العبارة بعناية! وأن يعيشوا بها! «نحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا».
صدقت أيها المربي العظيم.. أيها المتجرد لدعوته... أيها الناصح لأمته، فنحن علينا أن نستصحب دائمًا نيتنا الخالصة في سبيل الله، وإلا حبط العمل كله ونحن أيضًا علينا أن يكون عملنا أساسًا من أجل الصالح العام، وليس لغرض من أغراض الدنيا.
وهذا ما يريده الله تعالى منا:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٧٥).
يقول الإمام الشهيد في رسالة الجهاد:
«فرض الله الجهاد على المسلمين لا أداة للعدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية ولكن حماية للدعوة وضمانًا للسلم وأداء للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون رسالة هداية للناس إلى الحق والعدل[مجموعة الرسائل: ص ۲۸۷]»
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
وهذا ما ضرب لنا فيه المثل الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أذاه قومه أشد الإيذاء وهو يدعوهم إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة, ويروي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
وهذه الحالة النفسية للداعية التي يصفها الإمام الشهيد في هذه الفقرة عاشها بنفسه رحمه الله تعالى فهو يقول في المؤتمر الخامس عن نفسه وعن إخوانه الذين بدأ معهم طريق العمل والدعوة قبل أن ينتقل إلى الإسماعيلية، وكانوا أربعة: الأستاذ أحمد السكري, والشيخ حامد عسكرية, والشيخ أحمد عبد الحميد رحمهم الله تعالى، حين تواثقوا وتعاهدوا على العمل لغاية واحدة هي إعلاء شأن الإسلام.
«ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء وتفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء».
وهكذا الداعية، يجب أن يكون مشغولًا بحال أمته؛ لأنه يعلم أن نجاته يوم القيامة إنما هي في قيامه بواجبه الدعوي، وهو أيضًا يرى أن سعادته في الدنيا إنما هي في سعادة قومه وعزتهم وارتفاع شأنهم، فالسعادة التي ينشدها الناس جميعًا إنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم ولا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدًا.
وقد قال الزعيم مصطفى كامل الوطني المسلم الشاب المصري: «ما استحق أن يوُلد من عاش لنفسه فقط»، وحياة الدعاة والمجددين في كل عصر ومصر إنما هي تصديق لهذه الحقيقة.
لله الفضل والمنة
وهناك فرق مهم بين الداعية إلى الله عز وجل وإلى دينه، وبين دعاة الدنيا وزعماء الإصلاح وفق المناهج الوضعية، هذا الفارق يتمثل في عبارة: «في سبيل الله »، فالداعية المسلم لا ينتظر أجرًا من الناس ابتداء، ولا يطلب منهم على عمله ثمنًا, انتهاء، ولا يمتن عليهم بعمله وجهده، وجهاده في أي وقت، استمع إلى الإمام الشهيد وهو يقرر هذه الحقيقة، كي تكتمل صورة الحالة النفسية التي نريدك أن تتحلى بها أيها الأخ الكريم: «ولسنا نمتن بشيء ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلًا، وإنما نعتقد قول الله تبارك وتعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: ۱۷)، ولكم نتمنى- لو تنفع المني- أن تتفتح هذه القلوب على مرأى ومسمع من أمتنا، فينظر إخواننا هل يرون فيها إلا حب الخير لهم والإشفاق عليهم والتفاني في صالحهم؟وهل يجدون إلا ألمًا مضنيًا من هذه الحال التي وصلنا إليها؟ ولكن حسبنا أن الله يعلم ذلك كله، وهو وحده الكفيل بالتأييد الموفق للتسديد, بيده أزمة القلوب ومفاتيحها، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، وهو حسبنا ونعم الوكيل, أليس الله بكاف عبده؟»، يجب أن تستقر هذه الحقيقة في نفس كل مسلم يدعو إلى الله تعالى, المنة لله وحده، هو صاحب الفضل والنعمة, ونحن لسنا إلا كما قيل «نستر القدرة ونأخذ الأجرة، ويوم أن يعتقد المسلم أن له مكانة أو فضلًا أو يمن على عباد الله، سواء أكانوا عصاة أو مذنبين، فقد حبط عمله وضاع جهده، فتمام الإخلاص ألا يرى المسلم لنفسه فضلًا ولا مكانة.
وقد قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه: «أصل كل معصية وشهوة وغفلة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها».
وقال القشيري في رسالته: «الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون شيء آخر من تصنع المخلوق، أو اكتساب صفة حميدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى، ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين».
اخر ما يخرج من قلوب العارفين
وإخراج حظ الدنيا من قلب العبد من أصعب الأمور وأشدها على النفس، وقد قيل: «آخر ما يخرج من قلوب العارفين حب الرياسة».
ويتعرض الدعاة لمحنة نفسية شديدة عندما يتهمهم خصومهم أنهم يتاجرون بالدين أو يتسترون وراء الدعوة لتحقيق مآرب شخصية ومنافع مادية وأولى بهم في مثل هذا الموقف أن يجددوا نيتهم مع الله عز وجل، وأن ينقوا إخلاصهم من الشوائب وليس أفضل من أن تطيع الله فيمن عصاه فيك.
ونحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذه المعاني في الظروف التي تدخل فيها الدعوة مجالات العمل العام ويشارك فيها الدعاة في صنع الحياة, وهذا هو المفترض فيهم دائمًا إلا في حالات التضييق، فإن أضواء العمل العام في النقابات, والمجالس النيابية والحكومات, والمجالس الشعبية, قد تخدش إخلاص البعض أو تدنس صدقه مع الله عز وجل، فيظن أن له عند الناس شأنًا أو يطلب من الناس أن تعامله بخصوصية أو يطلب لنفسه مكانة, فعليه أن يتذكر في مثل هذه المواقف نصيحة الإمام الشهيد في وصيته للإخوان عند ختام رسالة «بين الأمس واليوم»: «وتخلقوا بالفضائل والكمالات, وكونوا أقوياء بأخلاقكم أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الأتقياء الصالحين».
وليتذكر أيضًا بيعته لدعوته على الإخلاص الركن الثاني من أركان البيعة، وهو كما عرفه الإمام: «أن يقصد الأخ المسلم بقوله، وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل