; الدراسات العربية الإسلامية في بريطانيا | مجلة المجتمع

العنوان الدراسات العربية الإسلامية في بريطانيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 926

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-أغسطس-1989

يعود اهتمام البريطانيين بلغة الضاد والثقافة الإسلامية إلى حقبة بعيدة من الزمن، شأنهم في هذا شأن سائر الشعوب الأوروبية الأخرى التي اهتمت بالعربية والإسلام لدوافع متعددة منها دينية وتجارية وسياسية وعلمية واستعمارية.

ولا يمكن إطلاق كلمة دراسات على هذه الاهتمامات المبكرة فهي كما يصفها المستشرق البريطاني بول أوكترلوني «كانت في الحقيقة دفاع المسيحية الأرثوذكسية ضد ما يفسر بالتهديد الخارجي، فجل ما كتب عن الإسلام في تلك الحقبة لم يكن هادفًا إلى تحول المسلمين إلى المسيحية وإنما كان لدفع النصارى للتمسك بدينهم، لذلك فإن كثيرًا مما كتب يفسر -في أحسن الأحوال- على أنه أساطير وخرافات، أما إذا أخذنا بأسوأ التفسيرات فما هو إلا افتراء وتجنفاحش، ومما يدل على هذا ما كتبه كيوبرت دي نوجنت في مقدمته لإحدى مناظراته حيث اعترف بأنه لم يكن يعتمد المصادر المكتوبة عندما كان يكتب عن الإسلام، مضيفًا عن محمد صلى الله عليه وسلم: لا حرج في كتابة أي كلام سيئ عن رجل تجاوز شره كل ما يمكن أن يقال من سيئ الكلام!!».

بدأ اهتمام أوروبا بالعرب في العصور الوسطى عندما أدركت أوروبا تفوق المسلمين حضاريًا، وقد ازداد هذا الإدراك من خلال اتصال الأوروبيين بالعرب في إسبانيا وصقلية وسوريا في العصور الصليبية.

كان هذا الاهتمام يرجع إلى الرغبة في تحسين مستوى الحملات التبشيرية من جهة وإلى الاستفادة من الثروة العلمية لدى العرب من جهة أخرى، حيث إن اللغة العربية كانت آنذاك تمثل لغة العلم والمعرفة.

  • أولى الترجمات:

إن أولى الكتب العربية التي ترجمت إلى اللاتينية هي الكتب الطبية والعلمية وكان أول مترجم من العربية إلى اللاتينية هو قسطنطين الأفريقي الذي زاول مهنة الترجمة منذ عام ١٠٧٠ وحتى وفاته عام ۱۰۸۷م. وعلى الرغم من أن الترجمات الأولى اتصفت بعدم الإتقان في التعبير عن المعاني الصحيحة إلا أنها كانت ذات تأثير عميق في الحياة الغربية حيث إنها ساعدت على نشر الحكمة اليونانية والعربية في كل أنحاء أوروبا ويكفي أن نعلم أن كتاب القانون في الطب قد استمر تدريسه في الجامعات الأوروبية لمدة أربعة قرون من الزمن. لقد تحسنت الترجمة بمرور الزمن واستمرت إلى أن حصلت فترة الاكتشافات الأوروبية على أيدي الأوروبيين أمثال كوبرنيكوس وفيزاليوس وباراسيلسوس وهارفي.

يعد جيرارد الكريموني (ت/ ۱۱۸۷) من أشهر المترجمين حيث ترجم عددًا من الكتب العربية من ضمنها كتب لبقراط وجالينوس وابن سينا والزهراوي، ويمكن اعتبار نشاط الترجمة هذا ممثلًا لبداية عصر الاستشراق في الغرب.

أما المستشرق الأول في إنجلترا فقد كان عالمًا من مدينة «باث» في غرب إنجلترا اسمه أد لارد البائي (ت ١١٢٦). قام هذا المستشرق برحلة طويلة إلى صقلية، الأناضول، سوريا وقد زعم بعضهم أنه زار الأندلس كذلك.

ترجم إد لارد مجموعة من الكتب الفلكية من العربية إلى اللاتينية، كما ألف كتابًا بعنوان «مسائل طبيعية» حول قضايا متعددة في العلوم الطبيعية. وفي أثر هذه العلوم يقول إد لارد: إنه «يطرح على بساط البحث ما تعلمه من أساتذته العرب حسب هداية العقل».

  • الدافع الديني:

أما الدافع الديني للاهتمام بالإسلام والعربية فقد كان له أثر كبير أيضًا، فقد أرادت الكنيسة الكاثوليكية أن ترسل المبشرين إلى بلدان الشرق، وأن تربط الكنائس الشرقية أمثال الموارنة، واليعاقبة بكنيسة روما. وللوصول إلى هذا الهدف كان لا بد من دراسة العربية وأمهات الكتب الإسلامية.

ومن هنا فقد ترجم القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية على يد راهب إنجليزي اسمه روبرت الكيئوني الذي كان يدرس وقتذاك الفلك العربي والرياضيات في الأندلس وقد طبعت هذه الترجمة لمعاني القرآن الكريم لأول مرة في عام ١٥٤٣م وذلك بعد اختراع آلة الطباعة في روما على يدغوتنبرغ في النصف الثاني من القرن الخامس عشر.

أما المعاجم فقد صدر أول معجم عربي -لاتيني في أسبانيا في القرن الثاني عشر الميلادي.

ومن المستشرقين المهمين في العصور الوسطى المستشرق بدرو دي الكالا الذي كلفه مطران غرناطة عام ١٤٩٩ بوضع قاموس أسباني- عربي يسترشد به المبشرون في غرناطة فقام بتنفيذ ما طلب منه حيث أتم قاموسه في عام ١٥٠٥م.

  • بعد التراجع العربي:

بعد تلاشي وجود العرب المسلمين في أسبانيا وتراجعهم إلى المغرب أمام الهجوم المسيحي تضاءل الاهتمام بالعربية مما يدل على أن الدوافع الدينية كانت هي الدوافع الأساسية وراء دراسة العربية في تلك الفترة. غير أن الدافع العلمي استمر في تأثيره فقد أسس الكاردينال فرديناند دي مبدبتشي مطبعة عربية في روما قامت فيما بعد بطبع مؤلفات ابن سينا وبعض الكتب اللغوية.

  • الاهتمام المتجدد

وقد تجدد الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية في أوروبا في مطلع القرن السابع عشر ولكن بدوافع أخرى جديدة، فهناك الدوافع المتصلة بتطوير العلاقات الدبلوماسية والتجارية لممالك غرب أوروبا الجديدة من جهة، وهناك الاهتمام بالدراسات الإنسانية والاطلاع على الآداب الأجنبية والتاريخ العالمي من جهة ثانية، ويمكن ملاحظة بداية التغير في هذه الدوافع في القرن السادس عشر وذلك من خلال سيرة الفرنسي غيلوم بوستل (١٥١٠ -۱٥۸۱) فقد أرسله فرنسو الأول ملك فرنسا إلى إستانبول لجمع المخطوطات الشرقية، وبعد رجوعه إلى بلاده نشر كتابًا عن فوائد العربية عام ١٥٣٩ وهو أول كتاب في قواعد العربية الفصحى يظهر في الغرب، وقد ورد في مقدمة الكتاب شرح للأسباب التي تجب -من أجلها- دراسة اللغة العربية من قبل الأوروبيين والأسباب هي- كما يرى-:

١ - فهم كتب الطب العربية لأنها من أفضل كتب الطب في العالم.

٢ – إتقان اللغة العربية وذلك لأغراض المناظرة والجدال مع المسلمين.

٣ - تعتبر اللغة العربية مفتاح أدب وفن معظمه مجهول لدى الغربيين في ذلك الوقت.

٤ - الانتشار الواسع للغة العربية تتيح لمن أتقنها الاتصال بشعوب كثيرة من المغرب إلى إيران مما يساعد في الاستفادة منها في أغراض التجارة والسياسة.

لقد شعرت هولندا بقيمة معرفة العربية من خلال مصالحها التجارية مما جعلها سباقة في ميدان الدراسات الشرقية في أوروبا في القرن السابع عشر، ففي عام ١٦١٣ عين توماس أربينوس أول أستاذ للغة العربية في جامعة ليدن، وهكذا أصبحت ليدن منذ ذلك الحين مركزًا مهمًا للدراسات العربية في أوروبا.

أما في إنجلترا فقد أسس السير توماس آدمز أول كرسي للدراسات العربية في جامعة كامبردج عام ١٦٣٣. كان آدمز تاجرًا كبيرًا، فقصد في تأسيسه لهذا الكرسي تشجيع التجارة الخارجية لإنجلترا... ثم حذت جامعة أوكسفورد حذو جامعة كامبردج فأنشأت كرسيًا للدراسات العربية عام ١٦٣٦ للبحاثة الكبير إدوارد بوكوك الذي ترجم تاريخ أبي الفرج بن هارون العبري إلى اللغة اللاتينية.

  • تطور في القرن السابع عشر:

وقد شهد القرن السابع عشر تطورًا آخر في اهتمام بريطانيا بالدراسات العربية والإسلامية، وهو الحرص على جمع المخطوطات، فقد أمر الملك تشارلس الأول كل سفينة لشركة ليفتت قادمة من الشرق الأوسط أن تجلب معها مخطوطة عربية، أو فارسية واحدة على الأقل في كل رحلة.

وعلى هذا فإن عدد المخطوطات في بريطانيا حاليًا يقدر بـ٢٠- ٢٥ ألف مخطوطة، من ضمنها عدد كبير من المخطوطات الفريدة والنادرة، ويمكن تقدير قيمة بعض هذه المخطوطات إذا علمنا بأن الجمعية الملكية الآسيوية قد باعت مؤخرًا مخطوطة عربية بحوالي مليونين ونصف المليون دولار.

  • أهمية العربية:

وقد برز دافع آخر لدراسة العربية وهو وإن كان دينيًا إلا أنه ذو طبيعة مختلفة عن السابق، فقد أدرك رجال الدين إبان فترة الإصلاح الديني البروتستانتي ونهضة دراسات التوراة -أدركوا مدى أهمية العربية في فهم عبرية العهد القديم «التوراة» ويعتبر ألبرت سلتنز الرائد الأول في القول بأن اللغة العربية هي مفتاح دراسة الكتب المقدسة.

وفي القرن الثامن عشر يبرز دافع جديد للاهتمام العلمي بالإسلام واللغة العربية وآدابها، يتجلى هذا الدافع في الإقبال على دراسة الثقافة الإسلامية واللغة العربية لما تحويه من جمال وقيم وثراء، وكان أبرز ممثل لهذا الاتجاه الألماني يوهان يعقوب ریسكه (١٧١٦- ١٧٧٤) الذي عشق الأدب العربي فملك عليه لبه طوال حياته. ترجم يوهان الكثير من الكتب العربية إلى اللغة اللاتينية بما في ذلك مختصر تاريخ البشر لأبي الفداء ومجموعة من الأمثال العربية.

أما النظير الإنجليزي ليوهان فقد كان السير وليام جونس (١٧٤٦- ١٧٩٤) الذي درس العربية والفارسية في جامعة أوكسفورد ونشر ترجمة إنجليزية للمعلقات السبع في عام ۱۷۸۳

  • في بداية القرن التاسع عشر:

وفي بداية القرن التاسع عشر كان سلفستريساسي (۱۷٥۸ - ۱۸۳۸) هو أبرز عالم في ميدان الاستشراق حيث عين رئيسًا لمدرسة اللغات الشرقية الحية عام ١٧٩٥. وقد نشر في عام ۱۸۲۲ نص مقامات الحريري مصححة ومهذبة بدقة متناهية، كما صدر له كتاب مهم عن معتقدات طائفة الدروز.

وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت معظم الدول الأوروبية تعد لتدريس العربية والبحوث الإسلامية في معاهدها العالية، وفي هذا نلاحظ اتجاهين اثنين:

الأول: هو الاتجاه العلمي الخالص الذي يتمثل في بروز شخصيات ذائعة الصيت أمثال كارل بروكلمان الألماني مؤلف الكتاب المشهور «تاريخ الأدب العربي» والمستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون. وقد كان أستاذًا في جامعة كمبردج وألَّف كتبًا قيمة عن الأدب العربي والتصوف الإسلامي.

  • اتجاه استعماري:

أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه السياسي والاستعماري حيث كان الدافع الرئيسي له هو الأطماع السياسية لدى بعض الدول الأوروبية لتوسيع نفوذها في المناطق العربية الخاضعة للدولة العثمانية. ومن هذه الدول فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، أما هولندا فقد تركز اهتمامها على إندونيسيا الإسلامية، كما كانت روسيا تركز جهودها الاستعمارية على الإمارات الإسلامية في آسيا الوسطى.

وقد طرأ توسع كبير في تدريس العربية في القرن العشرين حيث تعتبر فترة ما بين الحربين العالميتين العصر الذهبي للدراسات العربية ذلك أن الحكومات الأوروبية زادت من اهتمامها بالدراسات العربية الإسلامية، كما ارتفع عدد العلماء البارزين في هذا الحقل، وكان هناك اهتمام واضح بالعالم العربي وتطوير الاتصالات به وتوثيقها ويكفي تدليلًا على الاهتمام بالعربية أن نعرف أنها أصبحت تدرس في الجامعات الأوروبية التالية:

أمستردام، برشلونة، بلغراد، باركلي برن، برلين بون، بوردو، كامبردج، كولون، كولومبيا، كوبنهاغن، بروکسل، دبلن، درهم، أدنبرة، إیرلنغن، فلورنسا، جنيف، جلاسجو، غرناطة، غراتسي، غرونيغن، هالة، هامبورغ، هارفارد، هايدلبرغ، هلسنكي، كيل، ليدن، ليبزغ، ليننغراد، لوفن، لياج، لندن، ليون، ماكيل، مدريد، مايننز، مانشستر، میلانو، مونتریال، أوکسفورد، باریس، بافيا، بوتيشفستروم، براغ، برنستن، روما، مونستر، نابولي، نونبرغ، نميغني، أوسلو، سانت أندروز، سالامنكا، سرقسطة، ستیلنبوش، ستراسبورغ، سيدني، تورنتو، تونبجن، أوبسالا، بلنسيه، فيينا، رورتتسبورغ.

إن هذا الاهتمام الواسع بالدراسات العربية هو بلا شك اعتراف بأن اللغة العربية اليوم هي من أكثر اللغات اتساعًا وهو اعتراف أيضًا بأهمية الحضارة الإسلامية.

تطورات أربعة:

يتميز تطور الدراسات العربية في القرن العشرين في بريطانيا بأربعة تطورات مهمة:

١ - تأسيس مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) عام ١٩١٦ في جامعة لندن، التي تعتبر مركزًا مهمًا للدراسات الشرقية وخاصة العربية منها.

٢ - بعد الحرب العالمية الثانية أقامت الحكومة البريطانية لجنة خاصة حول مستقبل الدراسات الشرقية والسلافية والأفريقية تحت رئاسة أيريل سكاربرا التي قدمت تقريرها في عام ١٩٤٧ أوصى التقرير بتوسيع دراسات الشرق الأوسط في خمس جامعات أوکسفورد، کمبردج، لندن، درهم، مانشستر، وقد مولت الحكومة البريطانية الجامعات لتعيين أساتذة جدد وتقديم المنح لطلبة البحث.

٣ - كانت مدة التمويل من الدولة على إثر تقرير سكاربورة محدودة، فعمدت الحكومة إلى تشكيل لجنة جديدة للنظر في حالة الدراسات الشرقية والسلافية تحت رئاسة السير وليم هايتر، فأوصت اللجنة في عام ١٩٦١ بتأسيس مراكز لدراسات الشرق الأوسط، تشمل أعضاء لهم خبرة في العربية أو الفارسية أو التركية وخبراء في علم الاجتماع، وقامت بتأسيس مراكز من هذا النوع في أوكسفورد ودرهم وSOAS «لندن»، غير أن المشاكل المالية ظهرت مرة أخرى عند نهاية مدة التمويل، فمضت بعض الجامعات تطلب العون من الحكومات العربية، فأنشأت مناصب جامعية إضافية لمدة محدودة للدراسات العربية في جامعة أوكسفورد ومانشستر ولنكستر، ومناصب أخرى دائمة في أدنبرة وإكستر تمول بأموال عربية.

٤ - في عام ١٩٨٦ أوصى تقرير أصدرته لجنة ثالثة تحت رئاسة السر بيتر باركر بزيادة عدد المدرسين في أقسام الدراسات العربية والصينية واليابانية في الجامعات وبناء على هذا قامت لجنة تمويل الجامعات البريطانية (U. G. C) في عام ۱۹۸۷ بتمويل ست جامعات لاستحداث وظائف عربية جديدة في ست جامعات بريطانية على أن تصبح هذه الجامعات هي المراكز الرئيسية للدراسات العربية في المستقبل وهذه الجامعات هي:

كامبردج، أکستر، لندن، أوکسفورد، مانشستر، وسالفورد، أدنبرة، ويهدف هذا الاقتراح إلى تركيز النشاط في ميدان العربية والدراسات الإسلامية في مراكز بحث محدودة العدد بدلًا من أن تكون موزعة على ما ينوف على العشرين، وهذا بلا شك ستكون له نتائج مهمة إن كتب لهذا المشروع النجاح والتنفيذ.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

114

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

92

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

127

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره