; الدعوة والقصور | مجلة المجتمع

العنوان الدعوة والقصور

الكاتب الشيخ أحمد القطان

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 66

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

أهل الدعوة هم الفقراء، البسطاء وأصحاب القلوب النظيفة الذين خلت نفوسهم من علائق الدنيا وزخارف الحياة.

منهم «ابن أم عبد» عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، ساقاه النحيفتان أثقل من جبل أحد عند الله! وعمار الذي بلغ الإيمان إلى أطراف عظامه، وقد قامت دعوة الإخوان على هذا الصنف من الناس مع الفلاحين وبسطاء العاملين، وكانت أموالهم القليلة التي يقتطعونها من قوت عيالهم هي الخير والبركة في الإنفاق على الدعوة والجهاد، وتحت شعار مصلحة الدعوة نرى أن النفس بين الحين والحين تطمح بأن تقف بجوار الكبراء والوجهاء والأسياد الرافضين للدعوة والجهاد، ولكن يكتمها أعمى اسمه «عبد الله بن أم مکتوم» أنزل الله فيه قرآنا يتلى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) ﴾ (عبس: 1-11).

إن الالتصاق بهؤلاء الفقراء والمخلصين فيه نصرة للدعوة والدين، لا يعرفها إلا من عاش بينهم. قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 8).

لهذا نرى النبي صلى الله عليه وسلم يجلس معهم ويأكل معهم، ولكن بعض الدعاة مع الأسف تمر عليه الأعوام ولا يذكر أنه جلس مع فقير يدعوه أو يذكره أو يُؤكله، إنه يريد صنفًا خاصًّا من الناس يناسب مستواه الاقتصادي ونسبه السامي ومؤهله العالي! ولا يعلم أن هذه فتنة أخبر عنها القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: 20). ومن هذا الصنف المستضعف برز الأبطال والفاتحون والأمراء والعلماء والشهداء. وبهذا الصنف من الناس استطاع هرقل أن يثبت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يوم أن قال لأبي سفيان- وهو يحقق عن شخصية الرسول الكريم: أخبرني عن أول من تبعه، الفقراء أم الأغنياء؟ فقال: الفقراء! قال: كذلك الأنبياء أول من يتبعهم السوقة والفقراء والضعفاء!

وهذا أسلوب أهل الغرور في القديم والحديث.

 قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: 27) بادي الرأي لأنهم فقراء لا يناسبون أبناء الذاوات وأصحاب الشهادات العالية والثراء، وكم حاول أسياد قريش أن يجعلوا لهم يومًا خاصًّا بهم؛ لأنهم يتضايقون من الفقراء، كما يفعل بعض الدعاة اليوم لو التصق به فقير في حضرة وزير أو كبير، وطلب شفاعته؛ لاعتبر ذلك إحراجًا له ولنهره وزجره أو أهمله! ولو سألت ذلك الداعية عن سبب وجوده عند الملأ لقال: مصلحة الدعوة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)﴾ (الأنعام: 52، 53)

إن الله ينظر إلى القلوب فيعلم الشاكرين، والفقير المؤمن في هذه المجالس لا يأتي إلا لحاجة أو حق له مسلوب، فهو كالقريب يتلفت لعله يجد وجهًا سمحًا يقبل عليه ويجبر قلبه المكسور. ولكن الملأ سيجعلونه مكانًا للتندر والفكاهة؛ خاصة إذا كان المسكين مرَّ بحياة جاهلية، ثم تاب الله عليه.. فتراهم يتعمدون نشر ماضيه وفضحه أمام الحاضرين؛ ليغطوا به على سوآتهم وهو صامت حزين، فالحاجة ألجمته، وينتظر من أخيه العون والنصرة، ولكن مصلحة الدعوة ومد الجسور وتوطيد العلاقات والكسب السياسي والخوف من التعنيف، وضياع الكرسي الموعود؛ جعل أخاه شيطانًا أخرس لا يدافع عن حرمة أخيه المسلم، ولم يعلم أن أول دفاع الأنبياء كان عن هذا الصنف من الدعاة.. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)﴾ (هود: 29- 30).

وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)﴾ (الشعراء: 111-114)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما تنصرون بضعفائكم».

وهذا نبي الله موسى يعتبر تسخير قوته للمرأتين الضعيفتين والسقيا لهما من الخير الذي أنزله الله عليه وإن كان لا يملك شيئًا، ولم يعتبر حياته في بلاط فرعون إلا ابتلاء وفتنة! قال تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص:24).

وها هو يعمل مع الخضر بناء ليتيمين كان أبوهما صالحًا وبدون أجر مع جوعه وغربته وحاجته.

أين هؤلاء الدعاة من قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: 54-57) وهل هناك أكثر استهزاء ولعبًا بالدين ممن يستشهد بحديث لعب الحبشة بالحراب أمام عائشة بجواز رقص الراقصة شريهان على المسرح مثلًا.

وأصحاب هذه المجالس المترفة يؤيدونه على ذلك، ويدافعون عنه ويضحكون معه، وأصحاب الكهف كانوا يعيشون في القصور، ولكنهم لما رأوا حرمات الله تنتهك ويستهزأ بآيات الله.. والدولة تخطط لإشاعة الفساد، وأن الكراسي التي يجلسون عليها والستائر والسجاد وكل شيء أمامهم من أموال الشعب المسروقة! ضاقت عليهم دنيا الكفر، ووسعهم كهف الإيمان والرفقة؛ انتفضوا وقاموا محتجين ومنتصرين لله ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)﴾ (الكهف: 13-15).

 فكيف يقوم لإنكار المنكر وقد أكل طعامهم واستنشق بخورهم وجلس معهم على الكراسي مثل هيلاسلاسي! ولو قام كل داعية أو مسلم غيور يشهد هذه المجالس، كما قام هؤلاء الفتية لما تجرأ الملأ على الدين، ولما سخروا من الصالحين، ولما اغتابوا المؤمنين. ولكن الحرص على الوجاهة والمنفعة المادية أو المعنوية جعلت أفصح المتكلمين جدارًا للصامتين، فلا يقول: لا. إنما (صم.. بكم.. عمي..) وإن قالها خرجت منه ترتعش من الرهبة والخوف، كما يقول الشاعر:

صرخت لا من شدة الألم

لكن صدى صوتي

خاف من الموت

فارتد لي: نعم!

أيها الدعاة الجالسون على أعتاب القصور، اعلموا أن نصرة الدعوة وتقدمها في السعي على هؤلاء الأرامل واليتامى والمساكين، والصبر على صحبة الدعاة وتعليمهم وتربيتهم، والعيش في همومهم وحل مشاكلهم لا في الجلوس مع الكبراء والملأ المترف؛ ليعلموا عنه أنه محلل سياسي له فهم عميق، وأن أطروحاته تتمشى مع الأحداث، وعنده مقدرة لكسب الجميع، ثم ينتظر بعد كل ديوانية، أو مجلس، أو لقاء.. أن يأتي المادحون له بالثناء الجميل على موضوع البارحة! إن مد الجسور لأهل القصور يكون بتكليف الجماعة لا بهوى الأفراد! وإن الدعوة لا تنتصر إلا بالمشمرين الكادحين الذين لا يعرفون راحة إلا في القبور! والرغبة في الجنة والحور، وصدق الشاعر:

وغاية القصور في الدعوة

أن ترغب الدعوة في القصور

أيها الدعاة، إنا إلى الله راغبون.

الرابط المختصر :