العنوان الرئيس الأوغندي وأسلوب التهويل في الحملة الانتخابية
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 39
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 41
الخميس 06-يونيو-1996
شهدت جمهورية أوغندا في 8 مايو «أيار» الماضي توجه الناخبين للمرة الأولى منذ أن نالت هذه المستعمرة البريطانية السابقة استقلالها في عام ١٩٦٢م إلى صناديق الاقتراع، وقد أسفرت تلك الانتخابات عن فوز ساحق للرئيس الحالي يويري موسيفيني على منافسيه، وهما محمد ما يانجا، وبول سيمو غيريري.
ومنذ أن وصل موسيفيني إلى سدة الحكم في أعقاب انقلاب عسكري قام به في عام ١٩٨٦م، ظل يحكم البلاد بصفة سلطوية متفردًا بالحكم، ولم يسمح قط بنظام تعدد الأحزاب بحجة الحرص على الوحدة الوطنية، غير أن الملفت للنظر في هذه الانتخابات هو أسلوب التهويل الذي استخدمه هذا الأخير طوال حملته الانتخابية؛ حيث دأب على تذكير الناخبين بوجود (١٥٠٠) جمجمة مثبتة في ساحة مبلطة تقع في مدينة «لوويرو» وهي من آثار الضحايا القرويين الذين قام الجيش الأوغندي إبادتهم طوال حكمه الممتد ما بين ۱۹۸۱ - ١٩٨٦م، إلى جانب تسببه في تشريد الآلاف من السكان، وتعرض عدد كبير منهم للقتل أو الاغتصاب، وما إن وصل موسيفيني إلى السلطة حتى بادر إلى محاربة الجريمة والفساد، وقد نجح فعلًا في إعادة الهدوء، وإنعاش اقتصاد البلاد عن طريق تنفيذ برنامج في مجال الخصخصة، وتحرير اقتصاد البلاد، مما مكنه من تحقيق نمو اقتصادي سريع بمعدل (٧,٧) في عام ١٩٩٥م، وتخفيض نسبة التضخم إلى أدنى مستوى له وزيادة الاستثمارات الأجنبية.
وقد استغل موسيفيني هذه الإنجازات لحشد أصوات الناخبين مع استخدام أسلوب التهويل في نفس الوقت عن طريق التلويح بصور المذابح الوحشية التي ارتكبها الجيش الأوغندي قبل مجيئه إلى السلطة؛ حيث رفع شعار «ولا تنسوا الماضي، أكثر من مليون أوغندي لقوا حتفهم نتيجة المجازر المرتكبة في الماضي، وأن أصواتكم قد تعيد عليكم تلك الويلات».
غير أن الرئيس الأوغندي المعروف بأنه عدو لدود للديمقراطية ونظام تعدد الأحزاب قد لجأ فور توليه السلطة إلى محاباة المسيحيين على حساب المسلمين، بل عهد إلى تعيين المعتنقين حديثًا للديانة المسيحية في الإدارات المالية والإغداق عليهم بالرواتب المجزية بحجة تشجيعهم على تنفيذ حملته ضد الفساد، ويشكل المسلمون في أوغندا (٤٠%) من عدد السكان، والنصارى (٣٥٪) والوثنيون (٢٥٪)، وقد انتشر الإسلام في أوغندا من خلال طرق متعددة كان أبرزها انتشاره بواسطة التجار المسلمين العرب الذين عملوا على نشر الدين الإسلامي في هذه المنطقة من القارة الإفريقية والواقعة جنوب السودان، وتجاور كينيا وتنزانيا وزائير ورواندا، وذلك في القرن الأول الهجري، ومازالت الآثار الإسلامية التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث الهجري موجودة في أوغندا، بيد أن توافد التجار العرب إلى هذه المنطقة فقد ازداد في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وأسلم على أيديهم سكان مملكة «بوغندا» في عهد ملكها «موتيسا» الذي أسلم هو أيضًا بدوره، كما عملت البعثة المصرية التي أرسلها الخديوي إسماعيل باشا في عام (١٨٦٤ م = ١٢٨١هـ) لاكتشاف أعالي النيل ومنابعه على نشر الدعوة الإسلامية في أوساط السكان الذين يمتازون بالطيب والكرم، وعندما غادر المصريون أوغندا عام ١٨٨٤م قامت بريطانيا بضمها، ثم عزلها عن الشمال الإفريقي، وحاولت أيضًا جعل جنوب السودان وأوغندا دولة واحدة لتبعدها عن الإسلام، وقطع صلاته عن كل ما يمت للإسلام بصلة من أجل طمس الوجود الإسلامي في هذه البقعة، بل عمدت بريطانيا إلى تجنيد حملات تنصيرية وتشجيع الجمعيات التنصيرية على الاستيلاء على مزارع المسلمين، فضلًا عن جعل زمام السلطة بيد النصارى، وكان الرئيس الأسبق عيدي أمين أول رئيس مسلم في البلاد، وقد حاول استرداد حقوق المسلمين المغتصبة، وكان ثمن تلك المحاولة أن سقط ضحية لحملة تشهير وتلفيق التهم ضده من مختلف وسائل الإعلام الغربية إلى أن تمت الإطاحة به في عام ۱۹۸۷م.
ويشير المراقبون إلى أنه إذا كان الرئيس موسيفيني جادًا في تثبيت أسس السلام في بلاده، فلا بد أن يتخلى عن أسلوب المراوغة، ويفسح باب العمل السياسي أمام كافة التجمعات السياسية في البلاد بما فيها الإسلامية، فقد زج في غياهب السجون بـ(٤٣٧) من الدعاة الأوغنديين المسلمين في عام ۱۹۹۱م، ثم شن حملة مكثفة ضد المسلمين أسفرت عن مصادمات دامية أدت إلى إزهاق الكثير من الأرواح، وكثيرًا ما برر الرئيس موسيفيني معاداته للديمقراطية بالقول بأن «الديمقراطية لا تناسب الدول الإفريقية، حيث الانقسامات الاجتماعية فيها رأسية، وتعتمد في الأساس على النظام القبلي»، كما دأب على التكرار بأن ديمقراطية التعددية الحزبية في القارة الإفريقية من شأنها إثارة النعرات القبلية والانقسام، متجاهلًا أن محاباته للنصارى على حساب المسلمين تمثل بركانًا دفينًا قد ينفجر في يوم من الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل