العنوان السلطة بين شقي الرحى: الضغوط الخارجية والمطالب الوطنية
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1502
نشر في الصفحة 22
السبت 01-يونيو-2002
- الخطاب الإصلاحي للرئيس عرفات هروب إلى الأمام والفصائل الفلسطينية تحذر من المساس بالوحدة الوطنية
- تيارات وتصفية حسابات بين قيادات السلطة استعدادا لمقاعد التشكيلة القادمة
- الرنتيسي: اتفاقيات أوسلو هي أم الخبائث التي ادت بهذا الفساد الإداري والسياسي ولا يمكن الحديث عن إصلاحات تحت قبتها
- الصراع على الزعامة داخل السلطة يدور بين ثلاثة معسكرات، لكن عرفات مازال يحاول الإمساك بزمام القيادة هل يفلت الزمام من يده أم ينزعونه منه؟
شهد الملف الفلسطيني تركيزًا كبيرًا على الشأن الداخلي وبرزت إلى السطح فجأة قضية الإصلاح الداخلي في السلطة الفلسطينية مرتبطًا بمطالب وشروط أمريكية وصهيونية وعربية ثم جاء خطاب عرفات الأخير أمام المجلس التشريعي في نفس الإطار استجابة للشروط الخارجية والمطالب الداخلية مع الفرق في الأهداف للجهتين.
قضية الشأن الداخلي أثيرت في ظل بروز الصراعات الداخلية في السلطة بين تيارات متنافسة لأخذ دورها في المرحلة المقبلة وفي إطار تصفية الحسابات أيضًا وأمام سيناريوهات امريكية صهيونية لرجالات قيادة السلطة في المرحلة القادمة وتوزيعاتهم الإدارية لهيكلية السلطة الجديدة التي يفترض أن تحد من صلاحيات الرئيس الفلسطيني العجوز لصالح جيل الشباب الجديد والهدف الأمريكي الصهيوني من كل ذلك هو كسر الانتفاضة والمقاومة والدخول في مفاوضات سياسية حسب شروط الحكومتين.
كل هذه الاستعدادات والخطط تجري أمام الشارع الفلسطيني الذي يهمه أكثر من كل ذلك مستقبل الانتفاضة والتضحيات الغالية التي يقدمها كل يوم وإنهاء حالة الفوضى التي تعاني منها السلطة الفلسطينية حتى قبل اندلاع الانتفاضة، ثم الحفاظ على الوحدة الوطنية التي قد تكون أول ضحايا التشكيلة الجديدة للسلطة الفلسطينية إذا ما فصلت على مقاس الشروط الصهيونية الأمريكية.
وفي هذا السياق يؤكد محللون فلسطينيون أن اعتراف رئيس السلطة الفلسطينية «ياسر عرفات» أمام المجلس التشريعي بوجود ثغرات في مسيرة السلطة ثم دعوته للإصلاح يأتي استجابة للضغوط الأمريكية، وليس استجابة للضغوط الداخلية المطالبة بإدخال إصلاحات حقيقية.
هذا قد وتضمن خطاب عرفات أمام المجلس التشريعي في ذكرى النكبة «١٥ مايو» الجاري الوعود التالية:
- انتخابات جديدة لرئاسة السلطة وعضوية المجلس التشريعي.
- فصل السلطات القضائية عن السلطة التنفيذية.
- إعادة تنظيم أجهزة الأمن.
- حوار سياسي بين كل الفصائل السياسية في السلطة.
- إقامة لجنة مهنية لترميم مخيم جنين.
الضغوط الخارجية والمصلحة الوطنية
بين الضغوط الخارجية «صهيونية- أمريكية- عربية» والمطالب الداخلية للفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح العمود الفقري للسلطة جاء خطاب الرئيس عرفات ووعوده الإصلاحية، لكن الشيء المؤكد أن الدافع الحقيقي والأهم هو الضغوط الخارجية لأن المطالب الداخلية في إطار المصلحة الوطنية كانت متواصلة ومتكررة منذ قيام السلطة وليست وليدة الساعة ولم يستجب لها الرئيس عرفات بل قام في بعض الأحيان بتشكيل لجان إصلاح «للتخدير» إلا أن مطالب الإصلاح والتغيير من داخل السلطة وفتح اليوم أقوى في ظل الصراعات الداخلية التي وصلت حد الاعتداء بالضرب والتهديد واتهامات التخوين بين أبرز القيادات الأمنية والسياسية في حين تقتصر الفصائل الوطنية والإسلامية - معارضة للسلطة- على تقديم النصائح والطلبات حسب رؤيتها في ظل شكوك في نوايا قيادة السلطة الفلسطينية بشكل عام والرئيس عرفات بشكل خاص من قصة الإصلاحات وأكثر ما تخشاه الفصائل الفلسطينية أن يكون ضرب الانتفاضة والمقاومة هو أول أهداف هذا التحول والتغيير رضوخًا للضغوط الخارجية وليس استجابة للمصالح الوطنية.
في إطار الضغوط الخارجية فلدى واشنطن قوائم بأسماء مرشحين فلسطينيين لكل منصب في إدارتهم المستقبلية، وذلك على نموذج أفغانستان.
المبدأ: أشخاص «أنقياء»، جدد، لم يلوثوا أيديهم في الوحل من جهة -حسب وصفهم- ولا يفقدوا وطنيتهم من جهة أخرى، ليس من السهل إيجاد مثل هؤلاء الأشخاص.
أما أرئيل شارون فقد وصف المنصب المعد لدحلان «أو لأبو مازن» بأنه الرئيس التنفيذي، وهي وسيلة غير مباشرة للقول «رئيس حكومة» بحيث يصبح ياسر عرفات رئيسًا تمثيليًا، «دون صلاحيات».
الهروب إلى الأمام
وفي هذا الإطار اعتبر الدكتور «باسم زبيدي» - أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس- أن تصريحات عرفات أمام المجلس التشريعي ليست أكثر من فقاعة سياسية أو «مناورة» للخروج من أزمة وضغوط يتعرض لها خارجيًا وداخليًا.
وقال زبيدي: إن عرفات كان يهدف في خطابه إلى إثبات عدة أمور أهمها:
1- بقاؤه كطرف مهم وأساسي بإمكان الآخرين في الخارج التعويل عليه.
2- قدرته على التكيف والبقاء والتجديد باعتبار ذلك جزءًا من ذهنية ياسر عرفات الذي يريد المحافظة على وجوده من خلال التمسك بالقدرة على تحقيق التجديد.
3- إعلان عرفات للعالم الخارجي -خصوصًا الإدارة الأمريكية- أنه هو ذلك الشخص الذي سيبقى جزءًا من اللعبة السياسية.
واعتبر د. زبيدي أن عرفات في الأساس شخص مناور يعيش الآن في أزمة سياسية مركبة: شقها الأول مع الغرب، خصوصًا بعد مراجع القبول السياسي له، وبعد أن أصبح حديث يدور الآن عن إيجاد بديل له.
وشقها الثاني أنه يعيش أزمة داخلية بعد تخليه عن قدوم لجنة تقصي الحقائق للتحقيق في مجزرة جنين مقابل فك الحصار عنه، وبعد حل أزمة كنيسة المهد، وقبوله بمبدأ الترانسفير، إضافة إلى أزمة «الرجوب».
من ناحيته قال د. «عبد الله أبو عيد» -أستاذ القانون الدولي في جامعة النجاح الوطنية طرابلس-: إن هناك عدة ضغوط تمارس على رئيس السلطة الفلسطينية، وفي أكثر من اتجاه نحو التغيير:
الأول: وهو الموجه من قبل الإدارة الأمريكية توجيه من إسرائيل.
الثاني: ضغوط عربية تقودها مصر ودول أخرى.
الثالث: ضغوط داخلية يمارسها بعض المحيطين بعرفات نفسه.
الرابع: الموجه من قبل الفصائل الفلسطينية المعارضة التي تطالب منذ فترة طويلة بتصحيح نهج السلطة الفلسطينية، سواء في الجوانب السياسية بالتخلي عن اتفاق أوسلو الذي قام شارون نفسه بالقضاء عليه أو كان ذلك في مجال التنظيم الداخلي السياسي والإداري والاجتماعي أي في مجال ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وزيادة لحمة الشارع الفلسطيني.
ولكن «أبو عيد» أكد أن هناك رؤية مختلفة لكل المطالبين بالإصلاح، مشيرًا إلى أن الضغوط الأمريكية والعربية -وليست الداخلية- كانت السبب المباشر في خطاب عرفات أمام المجلس التشريعي، خصوصًا في ظل الوضع الحرج للسلطة الفلسطينية.
وأضاف: إن الولايات المتحدة التي طالبت السلطة بإدخال الإصلاحات كانت تنظر من رؤيتها الخاصة بدفع الفلسطينيين إلى التنازل عن حقوقهم وعن معظم الثوابت.
أما الدكتور «إياد البرغوثي» أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة النجاح، فقد اعتبر أن الدعوة للإصلاح من عرفات شيء إيجابي بشرط أن تكون في ضوء اعتبارات المصلحة الفلسطينية التي تقررها مؤسسات الشعب الفلسطيني بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
وقال البرغوثي: إن الضغوط الأمريكية الحالية يراد بها أهداف وغايات لغير صالح الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.
ولم يبد البرغوثي الكثير من التفاؤل إزاء جدية الإصلاحات القادمة على أهميتها، وقال: إن الإصلاحات لن تكون جذرية لأن التشكيلة الحالية المؤسساتية في السلطة ملغاة، وإذا كان لا بد من إصلاح فيجب العمل على إجراء إصلاح يحدد مرجعية حق المحاسبة وتكون قابلة للتطوير الدائم لأن تغيير الأسماء لا يكفي للقول بأن هناك إصلاحًا تم.
إصلاح شامل أم تغيير؟
وكان عرفات قد اعترف بوجود أخطاء في مسيرة السلطة الفلسطينية وتعهد بتصحيحها مشيرًا إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة للنظام السياسي الفلسطيني والوضع الفلسطيني الداخلي، إضافة إلى إعادة النظر في كافة التشكيلات الأمنية والإدارية.
وقال عرفات في خطاب ألقاه أمام المجلس التشريعي الفلسطيني الأربعاء ١٥- ٥- ۲۰۰۲ بمدينة رام الله: «إننا أحوج ما نكون الآن المراجعة خطئنا وتصويب وتصحيح مسيرتنا، وإن كان هناك خطأ فأنا أتحمله».
وأضاف: «إنني أصر على تقديم صياغة كاملة وجديدة للسلطة وإداراتها وأجهزتها الأمنية من أجل إعادة البناء على قاعدة أقوى وأصلب، ومن أجل بناء دولة فلسطين».
كما أكد الرئيس الفلسطيني على ضرورة الإعداد السريع لإجراء الانتخابات الفلسطينية، وأشار إلى أن الانتخابات الحرة هي الوسيلة الأساسية لاختيار القيادات الفلسطينية.
كما أكد عرفات على أهمية الالتزام بمبدأ فصل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية والمحافظة على حقوق الإنسان والوحدة الوطنية.
على جانب آخر ركز عرفات على أن خيار «السلام خيار استراتيجي» للشعب الفلسطيني وشدد على رفض العمليات الاستشهادية ضد الصهاينة معتبراً أنها تضر بالمصلحة الوطنية.
وفي هذا السياق قال زياد أبو عمرو عضو رئيس اللجنة السياسية في المجلس التشريعي الفلسطيني إن اللجنة تعد مقترحاتها للإصلاح السياسي- الاقتصادي والأمني.
وأضاف: «سنطالب برقابة جدية أكثر على عمل الحكومة وسنطالب أيضًا بخضوع الحكومة للمجلس التشريعي وسنطالب بشفافية أكثر في عمل الأجهزة التنفيذية وإمكانية مساءلة كبار المسئولين الفلسطينيين»، وقال أبو عمر وأيضًا إنه يتوجب العمل على تحديد موعد لانتخابات عامة وإن أحد الأهداف المهمة للإصلاحات هو دمج أجهزة الأمن الفلسطينية في جهاز واحد.
ويرى أبو عمر وأن الفلسطينيين ينظرون إلى الإصلاحات من زاوية تختلف عن الزاوية التي يراها شارون والإدارة الأمريكية، وقال: «إننا نسعى لتحقيق الإصلاح كي نعزز من وحدة الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال ولتعزيز الأواصر بين الشعب والسلطة، في حين يرمي شارون من وراء الإصلاحات إلى إخضاعنا، والموقف الأمريكي مشابه لهذا مع الأسف».
وتطرق زياد أبو عمرو إلى حقيقة أنه جرى سابقًا الحديث في أوساط السلطة الفلسطينية عن الإصلاحات، فقال: «الوضع هذه المرة لا يحتمل تأجيلًا إضافيًا، فإن لم نبادر بالتغييرات فستفرض علينا وعندها قد تأتي حسب الرؤية الإسرائيلية والأمريكية».
موقف الفصائل الفلسطينية
من جانبها اتفقت القوى والفصائل الوطنية والإسلامية من حيث المبدأ على ضرورة الإصلاح الجذري والشامل للوضع الفلسطيني على قاعدة المصلحة الوطنية دون الاستجابة للضغوط الخارجية.
وقالت حركة المقاومة الإسلامية حماس في بيان لها بمناسبة الذكرى الرابعة والخمسين لاغتصاب فلسطين إن قضية فلسطين تمر في مرحلة حساسة، تقف فيها الأمة كلها وشعبنا على مفترق طرق، فهي إما أن تختار درب الجهاد بما فيه من تضحيات وصبر، لكنه طريق نصر أو تختار درب الاستسلام الذي تزينه الإدارة الأمريكية.
وأشارت إلى إن البداية الحقيقية هي إصلاح وطني شامل يرتكز على إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني من جديد على قاعدة الجهاد والمقاومة وبمشاركة كل القوى والفصائل الفلسطينية، والخروج من مأزق التسوية وويلاتها التي جرتها على شعبنا، وقالت حماس: «إننا إذ نؤكد أن الوحدة الوطنية هي مطلب شعبي، ومسار عملي وحتمي لاستعادة حقوقنا فإن هذه الوحدة لا تقوم إلا على برنامج سياسي منبثق عن البرنامج الوطني والسلطة اليوم مطالبة بألا تسعى للإساءة إلى الوحدة الميدانية التي كرسها شعبنا بدمه من خلال الاستجابة لإملاءات أوامر الاحتلال.
واعتبر القيادي في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عبد العزيز الرنتيسي أن الوقت الحالي بعد المجازر التي ارتكبت في جنين ونابلس وقطاع غزة وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يسمح بإجراء انتخابات، كما ورد في خطاب ياسر عرفات أمام المجلس التشريعي الفلسطيني.
وقال الرنتيسي: «إن الوقت هو وقت مقاومة بالنسبة للفلسطينيين، ويجب ألا ننصرف عن المقاومة، فالأرض ما زالت محتلة ومعظم الشعب الفلسطيني ما زال يعيش في الشتات».
وأشار إلى أن الحديث عن الانتخابات اليوم يظهر وكأننا أحرزنا النصر وحصلنا على الاستقلال، وأن الأوان «لترتيب أمورنا الداخلية والحقيقة أن شيئًا من هذا لم يحدث، فنحن من ما زلنا في مرحلة تحرر وعلينا مواصلة المقاومة بعيدًا عن هذه الطروحات».
وبالنسبة للإصلاحات التي تحدث عنها ياسر عرفات، قال الرنتيسي: «إن أم الخبائث التي أوردتنا في هذا الفساد الإداري والسياسي والأخلاقي هي اتفاقات أوسلو، ولذلك لا يمكن الحديث عن إصلاحات تحت قبة أوسلو لأنها السبب في الفساد، والسبب في الفساد لا يمكن أن يكون سببًا في الإصلاح».
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين قالت: دورها إنها نظرت من زاوية إيجابية لخطاب أبو عمار لكنها طالبت في الوقت نفسه بالعمل إلى جانب الكلام والشروع بما وعد به على الفور وقد أكد عبد الله الشامي الناطق الرسمي لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، أن حركته لا تضع أي شروط للدخول في حوار وطني كون ذلك يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني.
وأشار الشامي إلى أن مبادرة الجهاد بوقف العمليات الاستشهادية قائمة بشرط وهوان يكف الاحتلال عن قتل المدنيين الفلسطينيين وقال الشامي في مجمل تقييمه لخطاب عرفات يستطيع أن نقول إن الخطاب كان متوازنًا في شرحه وفي نهجه. حاول عرفات فيه أن يستجيب لمطالب الشارع الفلسطيني والمطالب الدولية ونأمل أن تكون هذه المطالب جادة وليس سابقاتها من أجل الخروج من أزمة سياسية ومأزق سياسي تحت ضغط الشارع. نحن نرى أن الحوار الوطني أصبح مطلبًا شعبيًا لتمتين الجبهة الداخلية والتصدي للضغوط الأمريكية الصهيونية ومحاولة نقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني بدلًا من أن يكون موجهًا ضد الاحتلال.
من جانبها انتقدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خطاب عرفات في المجلس التشريعي الفلسطيني قائلة: إن ممارسات السلطة قد اتسمت طوال الثماني سنوات الماضية بالفساد والاستبداد الداخلي، وجاء في البيان الصادر الجبهة أن «الوضع الفلسطيني وعلى ضوء العدوان الشامل الذي تعرض له الشعب بات يطلب القيام بعملية مراجعة سياسية وتنظيمية وذرية شاملة لمجمل الخط السياسي والتنظيمي الذي أوصل الشعب الفلسطيني إلى ما وصل إليه».
وانتقدت الجبهة في بيانها خطاب عرفات وقالت إنه «لم يتضمن كلمة واحدة عن المقاومة والانتفاضة على الرغم من كل التضحيات والمقاومة الباسلة التي سطرها الشعب الفلسطيني خلال تصديه للعدوان «الإسرائيلي»، وأضافت أن الخطاب «لم يتضمن أيضًا أي كلمة عن منظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبرها الجبهة كباقي فصائل المنظمة الممثل الشرعي والإطار الجامع للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده».
ومضت الجبهة في انتقادها للخطاب قائلة إنه «لم يشر من قريب أو بعيد للمناضلين المعتقلين الذين تم سجنهم في أريحا تحت حراسة أمريكية- بريطانية وعلى رأسهم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، كما لم يتحدث عن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ومصير المبعدين الذين تم ترحيلهم من بيت لحم إلى خارج الوطن».
صراعات وتيارات في السلطة
وعلى ما يبدو أن الخلافات داخل السلطة الفلسطينية قد طفت على السطح وأصبحت مثار حديث وسائل الإعلام العالمية لا سيما بعد الخلافات الدائرة بين العقيد جبريل الرجوب ونظيره محمد دحلان ومحمد رشيد مستشار عرفات الاقتصادي.
وازدادت التخوفات من انحراف الشارع الفلسطيني بهذا الاتجاه بعد الاعتداء بالضرب على حسن عصفور وزير المنظمات الأهلية في السلطة والذي تم نقله إلى المستشفى بعد هذا الحادث الذي اعتبره المراقبون البارومتر للحوادث المستقبلية التي قد يشهدها الشارع الفلسطيني انعكاسا للخلافات الجارية التي لا تصب في صالح المستقبل الفلسطيني.
وأعرب مصدر فلسطيني في السلطة الفلسطينية أن الاعتداء على حسن عصفور هو رصاصة البداية لاقتتال مكشوف بين رجال الداخل ورجال الخارج في السلطة حيث يسود الاعتقاد لدى البعض أن كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح هي التي تقف خلف تنفيذ الاعتداء، فقد تبنت المسؤولية في بيان لها، لكن الكتائب نفسها لم تؤكد ذلك.
ويبدو أن النواة النشطة والقوية داخل فتح ترفض أي تعليق أو انتقاد للمقاومة المسلحة وعلى وجه الخصوص الأعمال العسكرية التي تقوم بها كتائب شهداء الأقصى حيث تواردت أحاديث أن الوزير عصفور اعتبر في تصريح له أن على فتح أن تعود إلى رشدها وتترك «الطخطخة» التي تفرغها من مضمونها حيث تعتبر هذه النواة الصلبة من أنصار مروان البرغوثي وبعضهم قد يكون قريبًا من العقيد الرجوب، وهؤلاء الذين يطلق عليهم تيار الداخل حيث كانت الرسالة كما يقول البعض معتدلة إذ لم يستعمل فيها السلاح وإنما تم الاعتداء على الوزير عصفور بالهراوات وكأنها تحذير أولي.
ثلاثة معسكرات
ويرى بعض المحللين أن الخلاف في داخل السلطة يجري بين معسكرات ثلاثة:
· معسكر الترويكا الجديد «الزعامة الثلاثية» والذي يترأسه محمد دحلان رئيس الأمن الوقائي في غزة وقد ضم إليه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس «أبو مازن» مهندس اتفاق أوسلو والذي يعتبر في نظر الفلسطينيين الرجل الثاني في المنظمة فيما ينضم الابن المدلل لعرفات ومستشاره الخاص محمد رشيد وهو كردي سوري وقيل عراقي وليس فلسطينيًا وتربطه علاقات جمة مع عومري شارون النجل الأكبر لرئيس الوزراء الصهيوني بالإضافة إلى وزير المنظمات الأهلية حسن عصفور.
·المعسكر الثاني برئاسة جبريل الرجوب الذي يتعرض للهجوم من قبل العديد من الفلسطينيين والمشاهدين العرب الذين يعتبرون الرجوب وراء العديد من صفقات تسليم رجال المقاومة للصهاينة، لذلك فإن مستقبله السياسي غامض خاصة بعد وصوله إلى القاهرة وسط أنباء تتحدث عن استقراره هناك حيث يضم هذا المعسكر أيضًا نبيل شعث وياسر عبدربه وصائب عريقات والعديد من عناصر الشرطة ورجال الأمن الفلسطيني.
ومازال الرجوب يحظى بدعم رجال التنظيم الفتحاوي في المخيمات والمدن الفلسطينية، حيث كان الرجوب على صلة قوية جدًا بقادة تنظيم فتح في نابلس ورام الله وطولكرم والخليل وبيت لحم البرغوثي.
لكن بعض المحللين يرى أن شوكة الرجوب هذه بدأت تضعف بعد اغتيال العديد من قادة التنظيم واعتقال البعض الآخر منهم إضافة إلى علاقات الرجوب المستمرة مع الأمريكان والصهاينة والتي حددت موقف الكثيرين منهم والذين اتخذوا بدورهم موقف الانتقاد والمقاطعة له.
· ويأتي المعسكر الثالث وهو عبارة عن رجالات التنظيم في المجلس التشريعي بقيادة أحمد قريع أبو العلاء، هذا المعسكر الذي يسعى أن يكسب قوته وشرعيته من خلال المجلس التشريعي حيث يضم هذا المعسكر شخصيات ميدانية مثل الوزير المستقيل نبيل عمرو ومحمد الحوراني وصخر حبش وعباس زكي وجميعهم أعضاء في المجلس الثوري لحركة فتح والمجلس المركزي للمنظمة.
وتنبع قوة هذا التيار من اعتمادهم على النص القانوني القائل بأن رئيس المجلس التشريعي يشغل منصب رئيس السلطة لمدة ٦٠ يومًا حتى تجري انتخابات جديدة.
تيار المترددين
ويبدو أن هناك رموزًا غير واضحة في دورها حيث أطلق عليها تيار المترددين، فهم لم يزجوا بأنفسهم في دائرة الصراع بل وصفهم البعض بالمتفرجين مثل مدير عام المخابرات الفلسطينية اللواء أمين الهندي واللواء عبد الرزاق المجايدة مدير عام الأمن الوطني والحاج إسماعيل جبر مدير الأمن الوطني في الضفة الغربية والعميد موسى عرفات رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية حيث انخفضت شعبية هؤلاء عندما اجتاحت القوات الصهيونية مدن وقرى الضفة الغربية ولم يرى لهم أي دور يذكر.
ويعتقد أن هؤلاء لا يستطيعون أن يقودوا تيارًا بعينه وإنما سيبحثون لهم عن تيار لينضموا إليه حتى يحافظوا على مكانتهم ومواقعهم المرموقة.
أما فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية في المنظمة والمقيم ما بين سورية وتونس فلن يبقى له تأثير على الداخل مادام بعيدًا عن ساحة الميدان وجل ما يصبو إليه هو أن يجري التعامل معه على أنه وزير خارجية فلسطين ويشارك في مؤتمرات وزراء الخارجية العرب لكن هذا الموقع قد لا يطول كثيرًا إذا ما قويت شوكة نبيل شعث وزير التعاون الدولي في السلطة الفلسطينية والذي يعتبر نفسه وزير خارجية فلسطين الحقيقي.
تصفية حسابات: إلى ذلك زعم تقرير أعدته لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي أن عرفات قرر إقصاء رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني العقيد جبريل الرجوب من منصبه.
ونقلت صحيفة معاريف العبرية عن هذ التقرير أن عرفات كان قد أمر بصورة شخصية قائد الأمن الوطني في الضفة الغربية الحاج إسماعيل بالعمل على تنفيذ التعليمات الصادرة إليه.
وأشار التقرير إلى أن خلفية قرار عرفان بإقصاء الرجوب من منصبه هي المواجهة الشديدة الدائرة وسط أجهزة الأمن الفلسطينية في رام الله والتي تشكل تعبيرًا آخر للتصعيد في صراعات القوى في قيادة السلطة.
وقالت مصادر في لجنة الخارجية والأمر الصهيونية إنه ليس واضحًا ما إذا كان أمر عرفات بإقصاء الرجوب من منصبه قد نفي بالفعل.
وكانت مصادر مقربة من حركة فتح قد كشفت أن قيادات في الحركة طالبت خلال الاجتماع الذي عقده رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات للجنة المركزية لحركة فتح مساء الأربعاء ١٥/ ٥/ ۲۰۰۲ في مقر الرئاسة في رام الله بضرورة إقالة مستشاره محمد رشيد «خالد سلام».
وقالت مصادر فتح إن زعماء فتح حملوا على رشید متسائلين منذ متى هو عضو في القيادة الفلسطينية ويشارك في صنع القرار الفلسطيني الذي دفع الشعب الفلسطيني الكثير ليحافظ على استقلاليته لا سيما أنه عراقي كردي وليس فلسطينيًا وتتحدث وسائل الإعلام العبرية أنه وزير جديد للمالية في السلطة الفلسطينية ويحمل الشارع الفلسطيني على رشيد - مأمن أسرار عرفات المالية- بعد لقاءاته مع جزار قانا شيمون بيريز ومهاجمته للمقاومة الفلسطينية.
هكذا تجري الأمور داخل السلطة الفلسطينية: ضغوط خارجية متواصلة وتحزبات داخلية جمة على مستوى الشارع الفلسطيني ذاته ومن القوى الوطنية والإسلامية ومن داخل صفوف السلطة نفسها التي تبدو مرتبكة مضطربة بعد موجات الخلافات والصراعات المتواصلة.
فهل تصمد السلطة وتجدد نفسها وتنحاز إلى شعبها وقواها الإسلامية أم تخضع وترضخ للضغوط الخارجية وتنفذ ما تطلبه واشنطن الصهاينة بتصفية كل نقاط المقاومة والجهاد، لم لا تستطيع أن تفعل هذا ولا ذاك فتجد نفسها تتلاشي رويدًا رويدًا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل