; السودان: ثورة الإنقاذ الوطني.. هذا أو الطوفان! | مجلة المجتمع

العنوان السودان: ثورة الإنقاذ الوطني.. هذا أو الطوفان!

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

مشاهدات 76

نشر في العدد 932

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-سبتمبر-1989

ثورة الإنقاذ الوطني أوقفت سيل الانهيار الوطني الذي كان على وشك تسليم الدولة لطابور جون قرنق وعملائه

القيادة السياسية السابقة (الصادق) أقرت بفشل التجربة الحزبية ورفعت شعار التعامل مع الثورة وفق برنامج شمولي

 

علق أحد وزراء العهد السابق عندما سمع بيان ثورة 30 يونيو قائلًا: «إن باب الأمل قد انفتح للسودان من جديد بعد أن حطمته الحزبية» والحق مع الوزير.. فقد كان حجم الإخفاقات كبيرًا جدًّا؛ حتى تولى الناس القنوط، وغابت الدولة ذات السيادة تمامًا، وضربت الفوضى أطنابها بقيام حكومة الصادق الأخيرة المسماة كذبًا بحكومة الوحدة الوطنية.

فقد كانت شتاتًا لا يمت إلى الوحدة بصلة، اجتمعت فيها نقائض السودان الدونية تطلب قسمة الأسلاب قبل أن تخطو خطوة من أجل المحافظة على وحدة التراب، ناهيك من تحقيق إنجازات أو تأسيس مكاسب.

فقد جاءت ثورة الإنقاذ في زمن الإدقاع الاقتصادي والسياسي والأمني، فلم يكن الإنسان هناك يأمن على نفسه ولا على ماله من الاعتداء؛ بل حتى رجل الأمن نفسه كثيرًا ما يفشل في حماية نفسه، ناهيك من حماية غيره.

وأما تأمين المعاش والحصول على السلع الأساسية فقد كان أحد المستحيلات التي آمن الشعب السوداني بتحطيمها، وفوق ذلك كانت سياسة المصالح الطائفية قد زينت لقادة السياسة أن يخربوا بيوتهم بأيديهم، فأهملوا القوات المسلحة، وانحازوا لمزاعم الكنائس العالمية ومؤسساتها وعملائها من أمثال جون قرنق، ومنصور خالد، ومن على شاكلتهما، بعد أن حطموا جسور اللقاء مع الدول العربية ودول الجوار الأفريقية ولم يبقوا أحدًا لنوائب الدهر وتقلباته.

فقد كان سم الطائفية زعافًا فرخ حيات الفساد، ودفع بها لتعيث فسادًا في الأرض؛ حتى أصبح سعر المتر في الخرطوم أكثر من 250 دولارًا في بلد تصل نسبة السكان في الأرض 8/ كيلومتر مربع، وانهار الاقتصاد حتى أضحى الدولار يعادل 22 جنيهًا، بعد أن كان الدولار يساوي 4 جنيهات في عام 1985م، وفي مثل تلك الظروف فإن الثورة كانت مقامرة غير أنها مغامرة من أجل وطن يأبى له المخلصون من بنيه إلا أن يعيش كريمًا.

الإنجاز

استطاعت ثورة الإنقاذ الوطني في عمرها الفتي، الذي لم يتجاوز 3 أشهر أن تحقق إنجازات ومكاسب، عجزت حكومة الأحزاب من ارتيادها على مدى 3 أعوام كاملة، وعلى كل المستويات.

لعل أكبر تلك الإنجازات يتلخص في وقف حالة التدهور الأمني في دارفور وكردفان؛ حيث تفاقمت إشكالات الصراع بين القبائل، وبدأت الأطراف الخارجية في التدخل، كما أن الأحزاب كانت تساعد كلا الطرفين.

بالرغم من كل تلك التشعبات، استطاعت ثورة الإنقاذ احتواء الصراع، وفصلت بصورة نهائية بين القبائل، بعد أن ارتضت القبائل التحاكم لأحكام الشرع الحنيف، واستتب الأمن بذلك.

وكما قضت الثورة على التصدعات المحلية، فقد أوقفت الثورة كذلك امتداد الانهيار لكيان السودان وهويته، حين ألفت اتفاقية الخزي والعار التي وقعها عثمان الميرغني مع المتمرد جون قرنق، التي مثلت إملاءً خارجيًّا مباشرًا، يهدف إلى هدم العلاقات العربية بالسودان، وإقامة كيان مبتوت الجذور يرفض الإسلام وأحكامه، ويستهدي بالفكر العلماني المستورد.

وبإلغاء الاتفاقية انزاحت قوى الطابور المعشعشة في أوساط بعض العلمانيين وذيولهم من الشيوعيين، وبلغ الانكسار للمخطط الغربي/ الصهيوني الدعوة جهارًا نهارًا لشعارات جون قرنق في تهديم العروبة والإسلام.

وأما في الجانب الاقتصادي، فقد حاربت الثورة السوق الأسود، وأزالت عن التجارة تراكم الانحرافات التي خلفتها عهود الصادق والنميري، فانخفض سعر الدولار 50%، وصار سعره في الأسواق المالية 12 جنيهًا بعد أن كان من قبل 22 جنيهًا، وكشفت الثورة عن الفساد في أوساط التجار والمصانع الوهمية، والرخص التجارية المزيفة، وتجارة التبديد الاستهلاكي وخطورتها على الإنتاج المحلي.

ومن جانب، فإن الثورة وفرت متطلبات الإنتاج واحتياجات المناطق الإنتاجية من أجل ضمان الإنتاج الزراعي في مناطق القضارف ستاره الدمازين، والرنك، والنيل الأزرق وغيرها.

كما زادت المساحة المزروعة قمحًا إلى 400 ألف فدان حتى تسد الفجوة الإنتاجية في القمح، ومن جانب القوات المسلحة أعادت الثورة مشاريع التسليح وتطوير القوات المسلحة من أجل الحفاظ على وحدة تراب الوطن، كما فتحت الباب إلى التجنيد الإلزامي، ووفرت للجنود متطلباتهم المعاشية؛ حتى تؤمن للجندي ظهره في ولده وأهله، فيندفع للميدان وهو مطمئن على والده وولده.

البديل

بعض إخوتنا في الدول العربية بكوا الديمقراطية التي فوضتها ثورة الإنقاذ الوطني، الديمقراطية الغربية معشوقة المثقفين المتغربين والأمل الغائب للكثير من جماهير الشعب العربي، غير أن الديمقراطية التي عاشتها جماهير السودان في السنوات الثلاث الماضية، كانت تجربة قاسية ومريرة، وأعادت السودان إلى عهد الأربعينيات تمامًا في الحساب الزمني.

فقد كانت خيبة الأمل التي منيت بها الجماهير في بروز قيادة جاهلة وضعيفة، وكان إحساس كثير من السودانيين حزينًا عندما يظهر أحمد الميرغني في قسم المنتديات الدولية ممثلًا للسودان، وبالرغم من أن المشير سوار الذهب قد أوفى بعهده، وقام بتسلم السلطة للمدنيين، فإنه لم يندم عندما انقلب عليهم الجيش في ثورة الإنقاذ؛ بل ندم المدنيون لتوليهم السلطة.

وقد مثل ذلك الصادق المهدي الذي كتب مذكرة للمجلس العسكري للثورة، وقدم فيها اعترافات الفشل، ودعا لإقامة نظام جديد، غير أن الثورة وقادتها لا يستجيبون لردود الفعل، فهم عازمون على إقامة ديمقراطية أصيلة، تؤمن بالرأي الآخر وتسعى له، وتحارب الدكتاتورية الشعبية والعسكرية، كما صرح بذلك العقيد فيصل مدني عضو مجلس قيادة الثورة وزير الداخلية، وهي ديمقراطية بلا أحزاب، وهو نهج علمي استقرائي، جاء بعد دراسة عميقة التجارب الحكومات الحزبية، والتي تعتبر أسوأ فترات حكم مرت على السودان، ولعل تجربة الصادق الأخيرة كانت أسوأ السوء.

المعارضة

عندما قام جعفر نميري بانقلاب 25 مايو كانت معارضة الشارع السوداني قوية وفورية، فقد جاء متدثرًا بوشاح أحمر مستورد، وعين وزراءه من مطاريد الحزب الشيوعي وفلولهم، ورفع شعارات النعيق الاشتراكي تقليدًا لتجارب أبعدها التجربة الروسية القهرية، وأقربها التجربة الناصرية المنهزمة في 1967م، وبلغ السخط بالشارع السوداني في قمته في أحداث المولد يونيو 1969م، وفي حركة الإمام الهادي مارس 1970م وكانت هناك مبررات كبرى لمحاربة نميري؛ حتى وإن كان الناس قد ملوا وقتها الحزبية، غير أنهم لا يرون في قيام نظام شيوعي عميل.

غير أن الأمر يختلف بالنسبة لثورة الإنقاذ الوطني، فالثورة ليست عميلة لأحد، وهي وطنية قومية تستلهم التجارب السودانية والعربية بعقل مدقق، كما أنها نبذت الحزبية «فلا أحزاب ولا طوائف وطننا السودان وديننا الإسلام»، على حد مقالة عبدالرحمن المهدي؛ ولهذا كان الحمل ثقيلًا على أعوان جون قرنق، وطابور العمالة الخارجية، وبدأت فلولهم تتسلل في الظلام، تحيك مؤامرات أضعف من بيت العنكبوت، ولا ترجع إلا ببعض إشاعات تفرغية، تسلي بها نفس منهزمة محبطة.

والغريب في الأمر أن بعضًا من الأحزاب العربية العلمانية، سعت جاهدة لمناهضة ما أسموه بـ«انتكاسة الديمقراطية في السودان»، في الوقت الذي لم تلتفت فيه تلك الأحزاب؛ لتنامي العد التنازلي الذي أصاب الديمقراطية بتشجيع العلمانيين والحزب الشيوعي لحركة التمرد، التي أدت دورًا خطيرًا في هدم التجربة السابقة -على علاتها- فالمعارضة السياسية ستقف حائرة، تبحث عن مبررات الوجود دهرًا طويلًا دون أن تجدها، فالثورة ليست لجماعة منغلقة ضيقة، وإنما ثورة لـ24 مليون سوداني تنفعل بهمومهم وتطلعاتهم دونما تمييز، وهي ثورة رائدها الصدق والتزام المبادئ، ومنذ قدومها ما فرطت في مبدأ، فالتطهير وإعادة التنظيم خير شاهد على مصداقيتها.

ثوابت

لقد أفرزت التجارب السياسية المختلفة في السودان بأن البدائل التي تقصي الثوابت الأصيلة لدى الشعب لن تحظى بالقبول الجماهيري، وباستكانة تلك الثوابت يأتي عماد الهوية الوطنية في مقدمتها، ممثلًا في التحاكم للإسلام والتعبير عن ذلك في أخلاقيات السلوك اليومي.

والإسلام هو وعي التاريخ السوداني فيه، أشاد المهدي بثورته الكبرى، وهزم الجحافل المختلطة بقوات محمد علي وقيادتها الإنجليزية، وتحت شعاره تمت ثورة 24 واستشهد علي عبداللطيف وعبدالفضيل ألماظ وصحبهما، وكان التحاكم للدستور الإسلامي شعار الأحزاب السياسية منذ الاستقلال، وحتى تجمع تلك الأحزاب بُنِي أصلًا على الأطر الدينية الطائفية، وفي الانتخابات كانت كل الأحزاب ترفع شعار الجمهورية الإسلامية، وعندما اهتزت الأرض تحت أقدام النميري؛ لجأ للإسلام، فكسب لأول مرة في سنوات حكمه تظاهرة مليونيه؛ ولهذا فإن من يناطح الإسلام في السودان فسوف تقصمه الجماهير، كما أن القوات المسلحة لن تذعن لأطروحات العلمانيين بعد أن صار شعارها «لا إله إلا الله».

ومن التحاكم للإسلام تنطلق الثوابت الوطنية كلها بدءًا بالشورى والديمقراطية، وانتهاءً بالنفير من أجل إعانة الملهوف، وبعد كل هذا يتطلع المرجفون في المدينة لإقامة نظام علماني، أو ليس فيهم رجل رشيد؟!

الرابط المختصر :