; الشيخ أحمد بن حجر.. فارس دعوة التوحيد وسيف الحق والعدل | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ أحمد بن حجر.. فارس دعوة التوحيد وسيف الحق والعدل

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002

مشاهدات 96

نشر في العدد 1512

نشر في الصفحة 55

السبت 03-أغسطس-2002

فقد العالم الإسلامي -قبل أيام- عالمًا عُرف بالإخلاص في القول والعمل، وهو الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي آل بنعلي، العالم المتبحر في العلوم الإسلامية، والقاضي العادل النزيه القوي في أحكامه وقراراته التي لا تدع مجالًا للظلمة والمتلاعبين أن يتلاعبوا بحقوق الناس، وهو إلى جانب ذلك قائم بالدعوة إلى الله، ومحاربة البدع والخرافات التي ألصقت بالدين من قبل جهلة المتصوفة، وكان يتصدى للمنحرفين عن الدين فيكشف انحرافاتهم ويدعوهم إلى الحق والسير على النهج الإسلامي الصحيح.

انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى بعد حياة حافلة بالعطاء في مجال القضاء الشرعي والدعوة إلى الله ونشر تعاليم الإسلام وتوعية المسلمين بما يجب عليهم نحو دينهم وأمتهم، فهو ممن وفقهم الله تعالى للعمل بالكتاب والسنة، وممن كانوا يخشون الله في أقوالهم وأفعالهم، ويصدق عليهم قول الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر:۲۸) فالعالم الحقيقي هو الذي يخشى الله، ويراقبه فيما يقول ويفعل.

قال بعض السلف: «من لم يخش الله فليس بعالم». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا». وعن علي رضي الله عنه قال: «إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها.

ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها». وفي الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر:۲۸). 

وروي أنه قال: «إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير».

فعله كقوله

 فالشيخ أحمد بن حجر -يرحمه الله- ممن كانوا يعلمون الناس الخير، وكل من عرفه حق المعرفة وجالسه، ورافقه في حله وترحاله، تأكد أنه من العلماء الذين لا يخشون إلا الله، إذ كان لا يخادع ولا يجامل في الحق، ولا يخفي شيئًا ويظهر  شيئًا آخر فظاهره وباطنه واحد، وهو عندما يخطب أو يعظ الناس كان لا يقول كلامًا لا يعمل به أو يخالفه في الواقع، وعندما كان يحكم في المحكمة كان لا يفرق بين كبير وصغير أو غني وفقير، أو قوي وضعيف، أو عدو وصديق، أو قريب وبعيد، وفي فتاواه كان لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يرخص لهم في معصية الله.

وقد وهبه الله ذكاءً خارقًا يميز به بين الصادق والكاذب والجاد والهازل، فلا يستطيع أحد أن يخدعه، أو يغرر به في حكم أو قرار.

دفاعه عن التوحيد

عرف الشيخ بدفاعه عن دعوة التوحيد التي رفع لواءها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وألف فيها كتبًا عدة، يوضح فيها وجه الحق ويدحض المفتريات، فما أحوج المسلمين اليوم إلى مثل هذه المؤلفات التي تشرح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتدفع عنها المفتريات مقابل الهجمة الشرسة التي تشن اليوم من أعداء الإسلام وتتهمهم بالإرهاب والتشدد بقصد تخذيل المسلمين، وجعلهم يستسلمون لمخططات الصهيونية، إذ من المعروف في التاريخ أن سيطرة الخرافات على عقول الناس تجعلهم يستسلمون لمؤامرات أعدائهم، ويتركون الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق، كما تصبح أرض العرب والمسلمين في هذه الحالة محتلة من قبل أعدائهم، وتهيمن عليها قوى البغي والشر في العالم.

ولقد كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتدادًا لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تصدى لأعداء الإسلام في القرنين السابع والثامن الهجري من التتار وعملائهم، والحكام الظلمة وعملاء الصليبية الذين أصابوا المسلمين بأضرار بالغة وجاهروا في إيذائهم ومعارضتهم، وساعدوا التتار والصليبيين في العدوان على البلاد الإسلامية، فكان شيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله- يحارب البدع والخرافات والمفسدين والملحدين، وكلما وحد العالم لله تعالى، وحارب البدع والخرافات، وفقه الله ونصره على أعدائه، لأنه لا يعادي أحدًا لسبب مادي أو شخصي، وإنما يعادي من عادى الله ورسوله، وتنكر لدعوة الإسلام.

ولقد كان الشيخ ابن حجر يسير أيضًا على نهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيخ الإسلام ابن تيمية اللذين رأى فيهما القدوة الصالحة، فانتصار الشيخ لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت انتصارًا للعدل ورفضًا للظلم، لذلك جاء في مقدمة كتابه عن الشيخ: «الحمد لله الذي جاء بالعدل في جميع الأمور، ونهى عن الجور والظلم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: ١٣٥). 

ونقل في آخر الكتاب (ص ٢٤٢) عن السيد محمد رشيد رضا قوله في التعريف بكتاب «صيانة الإنسان» بعد أن ذكر نشوء البدع بسبب العلم والعمل بالكتاب والسنة، ونصر الملوك والحكام لأهلها وتأييد المسلمين لها، قال -يرحمه الله-: «ما نصه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -يرحمه الله-: لا يخل قرن من القرون التي كثر فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة دينها بالدعوة والتعاليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين كما ورد في الأحاديث».

ولا ريب أن الشيخ أحمد بن حجر من هؤلاء العلماء الربانيين الذين أبلوا في الإسلام بلاء حسنًا، وإننا عندما نفقد عالمًا من علماء الإسلام فإننا نذكر قول الرسول: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا، ولكن ينتزعه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

إننا عندما نفقد عالمًا مثل الشيخ أحمد بن حجر نتمثل يقول الشاعر:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم                    

                                                       وبقيت في خلف كجلد الأجرب

فالشيخ -يرحمه الله- جمع بين العلم والمروءة والأخلاق الفاضلة، وإذا رحل هؤلاء عن الدنيا لم تعد فيها فائدة، لذا سنظل نتساءل: أين العلم والعدل والمروءة والصدق؟

وصدق الشاعر إذ يقول:

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها             

                                               صديق صدوق صادق الوعد منصفا

فرحمة الله عليه، فهو -بحق- فارس دعوة التوحيد وسيف الحق والعدل، نسأل الله تعالى أن يدخله الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

 

الرابط المختصر :