; الشيخ محمد بن إبراهيم سلقيني.. من علماء حلب الربانيين | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ محمد بن إبراهيم سلقيني.. من علماء حلب الربانيين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 49

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 56

السبت 19-مايو-2001

تفرع للتدريس والوعظ مبكرًا فتخرج على يديه كوكبة من العلماء المعاصرين.

كان يوصي كل مسلم بأن يحيى الصلة بينه وبين الله بذكره، وبينه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم باتباعه.

هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد سعيد خطيب المشهور بسلقيني، ولد في مدينة حلب عام 1328هـ، الموافق 1910م، في أسرة علم وورع؛ فوالده الفقيه الشيخ إبراهيم سلقيني إمام الفقه الحنفي في مدينة حلب، ومحيي مدرسة الخسروية التي كانت مهجورة بهجران العلم وقلة العلماء، ووالدته امرأة صالحة صوامة قوامة وكثيرًا ما كان -يرحمه الله- يعزو الفضل إليها في عبادته وزهده وصلاحه.

بدأ تعليمه الشرعي على يد والده، فأخذ عنه الفقه واللغة العربية، ومن الكتب التي قرأها عليه نور الإيضاح في الفقه الحنفي وحاشية ابن عابدين. دخل المدرسة الخسروية بحلب في عام 1923م وتلقى العلوم الشرعية فيها، وكانت بمستوى علمي يفوق التعليم الجامعي في يومنا هذا. أنهى بنجاح صفوفها النهائية العليا، وحصل على شهادتها بتفوق في 30 يونيو 1929م بعد أن درس فيها: التفسير، والحديث، والأصول، والفقه، ومجلة الأحكام العدلية، والفرائض، والمصطلح، والسيرة والتاريخ، والأخلاق، والنحو، والبلاغة، والصرف، والأدب، والتجويد، وعلم الكلام، والمنطق، والرياضيات، والجغرافيا.

كما تلقى الفقيد الراحل العلوم المختلفة عن كبار علماء حلب كلٌّ في اختصاصه، الشيوخ: أحمد الزرقا والد الشيخ مصطفى الزرقا في الفقه، وحسين رضا الأورفلي في أصول الفقه، وعبد المعطي في الفرائض، وأحمد الشماع في التفسير، وأسعد العبجي في التجويد، وفيض الله الأيوبي في التوحيد وعلم الكلام والمنطق، وعيسى البيانوني في علوم الأخلاق، وراغب الطباخ في السيرة والتاريخ، وكامل الغزي في الأدب، وأحمد الكردي في الفقه والنحو والصرف والبلاغة- رحمهم الله جميعًا. وقد التقى الشيخ أبا النصر -يرحمه الله- وصحبه إلى القرى ليأخذ من شذا علمه وخلقه، وقد أذن له بالوعظ والإرشاد. كما حضر بعض دروس محدث الديار الشامية الشيخ بدر الدين الحسني -يرحمه الله- في مدينة دمشق.

تفرغه للتدريس مبكرًا:

لقد كان لهذا الزخم العلمي تأثيره الواضح عليه، إذ تولى التدريس في سن مبكرة، وهو لا يتجاوز الثامنة عشرة، وبالأخص في مادتي الفقه والأصول اللتين برع فيهما، إذ كثيرًا ما كان يوكله والده في التدريس. ثم درس في مدارس حلب ومساجدها سنين طويلة، خاصة مسجد الطواشي في باب المقام، إذ كان له فيه ثلاثة دروس يوميًّا، كما كان يخطب الجمعة ويؤم الناس هناك أكثر من خمسين عامًا، إضافة إلى تقديمه درسين أسبوعيًّا بشكل دوري متنقل بين مساجد أحياء حلب بعد صلاة العشاء. كما درس مادتي الفقه والأصول في الثانوية الشرعية للذكور أكثر من خمسين عامًا أيضًا. ودرَّس أيضًا المادتين المذكورتين في الثانوية الشرعية للإناث منذ تأسيسها، إضافة إلى درسه الأسبوعي الخاص بالعلماء والمشايخ في المدرسة السباهية صباح كل جمعة، ودروس في السجن كانت سببًا في توعية وهداية الكثير من أصحاب الجرائم.

وحتى بعد انتقاله إلى منزله في سيف الدولة على بعد خمسة كيلومترات من مسجده في باب المقام لم يكن يتخلف عن الإمامة والدروس هناك، فكان كثيرًا ما يذهب سيرًا على الأقدام قبيل الفجر لمتابعة إمامته ودروسه. وفي أواخر حياته كان له درس يومي الأحد والاثنين في جامع الروضة ودرس للنساء في منزله بمساعدة ابنته.

لهذا السبب كان انصرافه -يرحمه الله- للتدريس والوعظ أكثر من التأليف، فتخرج على يديه جمع من علماء حلب المعاصرين، بل وحتى من هم في طبقته بسبب التصدر المبكر للتعليم، فكان من بين الآخذين عنه الشيوخ عبد الفتاح أبو غدة -يرحمه الله- وعبد الله سراج الدين، وعبد الستار السيد وزير الأوقاف الأسبق -يرحمه الله- وكبار علماء حلب المعاصرين الذين درس غالبهم على يديه من أمثال الدكاترة محمود ميرة، وعدنان كامل سرميني، ونور الدين عتر رئيس قسم التفسير والحديث في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وأحمد حجي الكردي خبير الموسوعة الفقهية في الكويت، والمحقق محمد عوامة، والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني رئيس قسم الفقه والأصول في كلية الشريعة بجامعة الكويت، والدكتور عبد الحكيم الأنيس مدير تحرير مجلة الأحمدية المحكمة الصادرة عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، إضافة إلى أولاده الدكتور إبراهيم والدكتور عبد الله والشيخ أحمد.

وفاته.. ووصايه:

قضى حياته -يرحمه الله- في العبادة والصلاة والقيام وقراءة القرآن لساعات طويلة، برغم ما كان يعتريه من ضعف النظر. ومن صفاته التي ميزته طوال حياته ورعه وخشيته لله عز وجل، فقد كان بكاءً يستعظم ما يفعله من الصغائر ويخشى المحاسبة عليها. وكان زاهدًا في الدنيا راضيًا بالقليل برغم ما فتح الله عليه وعلى بنيه، ويحذر أبناءه دائمًا من التعلق بالدنيا وزينتها. ولا ينقطع عن زيارة الأرحام من الأحياء ومساعدة المحتاج منهم، كما كان يزور قبور الأموات من أرحامه في أيام الجمع عملًا بوصية والده، وعندما ثقلت حركته أوكل تلك المهمة لولده عبد الرحمن. 

أما لسانه فلم يكن يتوقف عن ذكر الله وتسبيحه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوصي كل سالك إلى الله بأن يحيي الصلة بينه وبين الله بذكره سبحانه، وبينه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم باتباعه والصلاة عليه والتزام منهجه. وكان يقول دومًا لتلاميذه وأبنائه وأحفاده: يا أبنائي، أنا لم أحسن لأحد. وعندما يُذكره الحاضرون بعلمه وفضله على تلاميذه وأمته كان يقول: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: 7)، هذه قاعدته في التواضع، نسبة الفضل إلى الله تعالى، والإنسان هو من يجني جزاء إحسانه من رب العالمين.

أجاب دعوة ربه -يرحمه الله- يوم الثالث من صفر 1422هـ، الموافق 26 أبريل الماضي عن عمر جاوز التسعين عامًا، فغص جامع الطواشي بالمصلين عليه، وخرج في جنازته ربع مليون شخص من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه ومحبيه شبابًا وشيبًا حتى امتلأت الطرقات بين مسجده في باب المقام ومقبرة الشيخ جاكير، لا يدفعهم للخروج إلا حب الإسلام وأهله. ثلاثة أجيال خرجت في وداعه، كيف لا وقد أفنى عمره في توجيه الناس ليتوجهوا إلى الله بقلوبهم ويعبدوه حق عبادته. خرج الناس لأنهم أدركوا عظم مصابهم الذي ذكره صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسألوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا" (متفق عليه).

رحم الله الفقيد وأحسن عزاء الأمة الإسلامية بفقده، وعوضها بعلماء عاملين من أمثاله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

89

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

الإسلام الطريق إلى السؤدد

نشر في العدد 39

102

الثلاثاء 15-ديسمبر-1970

سلمة بن الأكوع  - بطل معركة الغابة

نشر في العدد 193

72

الثلاثاء 26-مارس-1974

من مائدة النبوة